الدرس في التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير 33، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المحور آداب رواية الحديث وضوابطها، ويبين آراء العلماء في شروط قبول الرواية خاصة فيما يتعلق بالرواية من النسخ غير المقابلة بأصولها. يبرز أهمية التوسط في هذا الأمر ويتطرق إلى مسألة الأعمى الذي يروي الحديث بمساعدة ثقة في ضبطه.
يتناول المحور شروط رواية الحديث وضوابطها، حيث يذكر ثلاثة شروط، منها عدم جواز الرواية من نسخة لم يقابلها بالأصل إلا إذا كانت هناك إجازة عامة من الشيخ. يتعامل مع اختلاف ما في الكتاب عن الحفظ مع تقديم أمثلة على ذلك من أقوال العلماء والمحدثين.
يتناول المحور شروط رواية الحديث بالمعنى وحكم الشك في لفظة أثناء القراءة. يشترط أن يكون الراوي عالما بالألفاظ ومعانيها، ويجوز الرواية بالمعنى إذا كان الراوي مؤهلا لذلك. إذا شك القارئ في لفظة أثناء القراءة، فمن المستحسن أن يذكر ذلك بعد القراءة لتجنب رواية الخطأ.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وصلاة السلامة، وصلاة السلامة بعد. قال الملف -رحمه الله تعالى- النوع السادسة العشرون: صفة رواية الحديث وآدابه وما يتعلق بذلك. قال: تقدم جمل منه في النوعين قبله وغيرهما، وقد شدد قوم في الرواية فأفرطوا، وتساهل آخرون ففرطوا. فمن المشددين من قال: لا حجة إلا فيمن حفظه وتذكره، فإذا ما طلب منه أتى به، فهذا هو الحفظ. أما مثلا من يطلب منه الحديث فلا يذكره، ثم بعد ذلك يتذكره، فهذا ليس بحفظ. قال: روي عن مالك، وأبي حنيفة، وأبي بكر الصديق، والشافعي، ومنهم من جوز الرواية من كتابه إلا إذا خرج من يده. قال: وأما المتساهلون، فقد تقدم بيان جمل منهم في النوع الرابع والعشرين. ومنهم قوم رووا من نسخ غير مقابلة بأصولهم، فجعلهم الحاكم مجروحين. وهذا تقدم. معنى ذلك أن كثيرا من العلماء يرون أن من يروي من نسخة غير مقابلة، فروايته غير مقبولة. وبعضهم تساهل فيها، خاصة بعض المتأخرين، قالوا: هذا كثير تعاطاه قوم من أكابر العلماء الصلحاء، أنهم رووا بنسخ ليست مقابلة. قالوا: قد تقدم في آخر الرابع من النوع الماضي أن النسخة التي تقابل تجوز الرواية منها بشروط، ويحتمل أن الحاكم يخالف في ذلك، ويحتمل أنه أراد إذا لم توجد الشروط. والصواب عليه الجمهور، وهو التوسط. فإذا قام في التحمل المقابلة بما تقدم، جازت الرواية منه وإن غاب، إذا كان الغالب سلامته من التغيير، لا سيما إن كان ممن لا يخفى عليه التغيير غالبا، أنه إذا كان متيقظا، ليس ممن يدخل عليه الحديث أو عنده غفلة. فمثل هذا لا يقبل منه أن يروي من أصل أو من فرع ليس مقابل بأصله، والأصل أنه لا يروي إلا بفرع قوبل بأصله. قال: فروع الأول: الضرير إذا لم يحفظ ما سمعه، فاستعان بثقة في ضبطه وحفظ كتابه، واحتاط عند القراءة عليه بحيث يغلب على ظنه سلامته من التغيير. الضرير -معنى الأعمى- أنه إذا لم يحفظ ما سمعه، فاستعان بثقة في ضبطه -معنى في كتابته-. قال: بحيث يغلب على ظنه سلامته من التغيير صحة روايته، وهو أولى من منع من مثله في البصير. ولكن أكثر ما يدخل على العلماء -خاصة في هذا الباب- من قراءة بعض الناس لهم في كتبهم، أنا تجد بعضهم عندهم هوى في إدخال حديث على غيره. فلهذا بعض الأعمى ابتلي بأناس من هذا القبيل، مثل عبد الرزاق ابتلي ببعض الإماء أو بعض من كان عنده عندهم تشيع، فكان يقرؤون عليه حديثا ليس في كتابه، فيرويه على ما ذكر هؤلاء، وهي ليست أصلا في كتابه. وإنما وضعت في كتابه. لكن بعضهم متيقظ، تجد أنه يجعل إنسانا ثقة يقرأ في كتبه ويقرأها له، يكتب ويقرأها له، ثم إذا أراد أن يغير شيئا لعرفه. لكن بعضهم يثق في أناس ليسوا محل ثقة، مثل ما حصل من سفيان بن وكيع، وثقة في وراقه، وكان مولى له، فوجد إما أنه يغير عليه الألفاظ ويغير عليه بعض الأشياء، فنصحه فلم ينتصح. فلهذا ضعف حديثه بسبب وراقه، وإلا فسفيان بن وكيع إمام وحافظ، أنا إمام أقصد في الحديث، لكنه بسبب وراقه، فإنه لم يعتد به العلماء ولم يقبلوا حديثا. قال: الثاني: إذا أراد الرواية من نسخة ليس فيها سماعه ولا هي مقابلة به، ولكن سمعت على شيخه أو فيها سماع شيخه أو كتبت عن شيخه، وسكنت نفسه إليها، لم يجز الرواية منها عند عامة المحدثين. ورخص فيه أيوب السختياني، ومحمد بن بكر البرساني. قال الخطيب: الذي يوجبه النظر أنه متى عرف أن هذه الحديثية التي سمعها من الشيخ جاز له أن يرويها إذا سكنت نفسه إلى صحتها وسلامتها. وهذا الذي فعله بعض من كان يروي صحيفة اليشكري، كأبي الزبير وأبي سفيان، وجماعة من أصحاب البصرة، كانوا يروون صحيفة اليشكري بسبب هذا. معنى ذلك: أنهم يروونها لأنهم سمعوا من جابر. أبو الزبير سمع من جابر، وأبو سفيان سمع من جابر، وهم هذه الحديثية ليست عندهم، لكنها سمعوها من شيخهم، سمعوها من جابر؛ لأن اليشكري كتبها وهو في مكة، وجابر موجود، وأبو سفيان موجود. فلهذا فهم يروون صحيفة اليشكري؛ لأجل أنها متثبتة عنها كتابة، وهم يروون أصلا أحاديث سمعوها، فهذا ما في شيء. ورخص في ذلك بعض السلف. بعضهم قال: لا، ما دام أنه لم يكتب هذه بنفسه، ولم يقابلها بنسخة مقابلة بالأصل أو نسخة الأصل، فإنه لا يجوز أن يروي في هذه الصحيفة. قال: هذا إذا لم يكن له إجازة عامة من شيخ لمروياته أو لهذا الكتاب. فإن كانت له إجازة، جازت له الرواية منها، وله أن يقول: حدثنا، وأخبرنا. هذا الذي استعمله البخاري، وأبو نعيم الفضل بن دكين لصبهاني وغيره. قالوا: إذا كان في النسخة سماع شيخ شيخه، ومجموعه على شيخ شيخه، يحتاج أن يكون له إجازة عامة من شيخه، ومثلها من شيخه. الشيخ عنده إجازة من الشيخ، والتلميذ عنده إجازة من الشيخ. قال: الثالث: إذا وجد في كتابه خلاف حفظه، فإن كان حفظه منه رجع، وإن كان حفظه من فم الشيخ اعتمد حفظه إن لم يشك فيه. إذا كان حفظه جيدا، فالأفضل أن يعتمد على حفظه. وحسن أن يقول: حفظي كذا، وفي كتابي كذا. مثل ما يفعل كثير من العلماء. مثل أحيانا بعضهم إذا حدث من حفظه حدث بحديث، وإذا حدث من كتابه حدث بحديث آخر، أو بشيء زاد فيه أو نقص. مثل ما ذكر أبو داود في حديث عائشة من طريق هشام بن عروة عن عائشة في حديث: «إن دم الحيض أسود يعرف». فهذا الحديث قال أبو داود: كان ابن عدي إذا حدثنا من حفظه لم يذكر عائشة، وإذا حدثنا من كتابه لم يذكر عائشة. معنى ذلك: أنه ليس مكتوبا في الكتاب عائشة، لكن في حفظه ذكر عائشة. لعله وهم. وقد يكون العكس. قد يكون في الكتاب ما كتبها -مع الكتابة- لم يدري ذكرها من الشيخ، فجعلها فراغا. قال: وإن خالفه غيره، قال: حفظه كذا، وقال فيه غيري. مثل ما يفعل سفيان الثوري، يضع له من عينيه فيقول: يخالفونك في هذا. فيقول: من يقول مثلا معمر، وكذا. أحيانا يرجع، وأحيانا يقول: حفظته من الزهري هكذا. فيعتبر على حفظه. وبعضهم يحدث من حفظه، ثم يرجع إلى كتابه فيرى خطأ. مثل ما فعل همام، وكذلك غيره أيضا. نعيم بن حماد الخزاعي وغيره. قال: إذا وجد سماعه في كتابه لا يذكره، فعن أبي حنيفة، وبعض الشافعية: لا يجد روايته لا يذكر أنه سماع. لكن وجد في كتابه سماع. قال: وماذا بشتافعه؟ كثر أصحابه، وأبو يوسف، ومحمد -جوازها- وهو الصحيح؛ لأنه قد يكون لم يذكر هذا السماع، وما دام أنه مكتوب في كتابه فهو سماع. قال: وشرطه أن يكون السماع بخطه أو خط من يثق به، والكتاب مصونا، صان كتابه لم يعطه أحدا يعبث فيه. قال: يغلب على الظن سلامته من التغيير، وتسكن إليه نفسه. فإن شك لم يجز. قال: الرابع: لم يكن عالما بالألفاظ ومن قاصدها، خبيرا بما يحيل معانيها، لم تجز له الرواية بالمعنى. بلا خلاف أنه إذا كان لا يعرف اللغة أو لا يعرف حالة المعاني، فهذا لا يجوز له أن يروي بالمعنى، ولا أن يختصر الحديث. قال: بل يتعين اللفظ الذي سمعه. فإن كان عالما بذلك، فقال طائفة من أصحاب الحديث والفقهاء: لا تجوز إلا بلفظه. أنه إن كان عالما بذلك -أي بالمعنى وما يحيل المعاني-. قال: لا تجوز إلا بلفظه. وجوز بعضهم في غير حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يجوز فيه. وقال جمهور السلف والخلف من الطائفتين: يجوز بالمعنى. وهذا الذي مشى عليه الناس، أنهم يجوزون الاختصار ويجوزون الرواية بالمعنى. وتجد كثيرا من الأئمة يروي بالمعنى. سفيان بن عيينة، وكذلك شعبة، كذلك أيضا حتى مالك، وجماعة من أئمة العلم يروون بالمعنى. بل حتى من التابعين، بل حتى الصحابة -رضي الله عنهم-. تجد أنهم يروون الحديث بلفظ، ثم يروونه يغير بعض الألفاظ. مثل ما يحصل من عمر وغيره؛ لأنها حكاية، والحكاية الإنسان عادي يعبر عنها بأي عبارة تدل عليها. قالوا: هذا في غير المصنفات، ولا يجوز تغيير مصنف وإن كان بمعنى. وينبغي للراوي بالمعنى أن يقول عقيبه: كما قال، أو نحوه، أو شبهه، أو ما أشبه هذا من الألفاظ. كما يفعل ذلك من مسعود -رضي الله عنه- وكذلك غيره من السلف. قال: إذا اشتبهت على القارئ لفظة، فحسن أن يقول بعد قراءته: على الشك، أو كما قال؛ لتضمنه إجازة وإذنا في صوابها إذا بان. أنه يقول كما هي موجودة، أو يقول على الشك في هذه الكلمة؛ حتى لا يروي الغلط. أنت لا يروي الغلط. قال: الخامس... طيب على وقته إن شاء الله. ترجمة نانسي قنقر. فرع الخامس.