الدرس في التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا المحور مفهوم الإسناد العالي كخصيصة للأمة الإسلامية، مقسماً إياه إلى علو مطلق وعلو نسبي. ثم يفصل أقسام العلو النسبي المتمثلة في الموافقة والبدل والمساواة والمصافحة مع التمثيل بأسانيد محددة.
يستعرض المحور أنواع العلو الخمسة في الإسناد وعلاقة كل علو بنزول مقابل، مع مناقشة ترجيح العلو أو النزول عند التعارض. ثم ينتقل لتعريف الحديث المشهور بأنه ما رواه ثلاثة فأكثر دون التواتر، وإطلاق الاسم على الشهرة الاصطلاحية.
يبين المحور الفرق بين الحديث الغريب والعزيز والمشهور من حيث عدد الرواة في كل طبقة، معرفاً الغريب بتفرد راوٍ والعزيز برواية اثنين أو ثلاثة. كما يتناول أقسام الغريب إلى نسبي ومطلق، ومتناً وإسناداً، مع أمثلة وقول الترمذي.
يوضح المحور كيف يصير الحديث الغريب مشهوراً إذا رواه جمع عن راوٍ واحد، ضارباً المثال بحديث «إنما الأعمال بالنيات» الذي رواه عن يحيى بن سعيد كثيرون. ويبين أنه غريب متناً لا إسناداً من أحد طرفيه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال: النوع التسعة والعشرون: معرفة الإسناد العالي والنازل. قال: الإسناد خصيصة لهذه الأمة، وسنة بالغة مؤكدة، وطلب العلو فيه سنة، ولهذا استحبت الرحلة. قال: الآن عندنا خصيصتان: الخصيصة الأولى هو الإسناد، والخصيصة الثانية الإسناد العالي. امتازت بها هذه الأمة، ليس هناك أمة تقول معالم دينها بالإسناد إلا هذه الأمة. بني إسرائيل ما عندهم أسانيد، وإنما قصص منقولة عن مجهولين. ومن ثم أيضا طلب الإسناد العالي، العلو في الإسناد وهو القرب من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والإسناد العالي سنة أيضا عن الصحابة، وهي أيضا فيها فوائد عظيمة، ومن أعظمها قلة العلل، فالإسناد العالي يقل علله. قال: وهو أقسام، أي الإسناد العالي: أجلها القرب من رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، إسناد صحيح نظيف، هذا الذي يسمى العلو المطلق. الثاني: القرب من إمامنا إمام الحديث، وإن كثر بعده العدد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يسمى علواً نسبياً. الثالث: العلو بالنسبة إلى رواية تحد الكتب الخمسة أو غيرها من المعتمدة، وهو ما كثر اعتناء المتأخرين به من الموافقة والإبدال والمساواة والمصافحة. وهذا يدخل في العلو النسبي، العلو بالنسبة إلى رواية تحد الكتب الخمسة، وهذا الذي حصل فيه هذه الأنواع: الموافقة، والبدل، والمساواة، والمصافحة. قال: في الموافقة يقع لك حديث عن شيخ مسلم من غير جهته، شيخ مسلم من غير جهته بعدد أقل من عددك إذا رويته عن مسلم عنه. مثلاً: شيخ مسلم، مثلاً قتيبة بن سعيد، فمثلا بينك وبين مسلم عشرون نفساً تروي، إذا رويت عن مسلم تروي عن عشرين، لكن عندك إسناد عن قتيبة هو أقل من هذا العدد، أنا مثلاً ثمانية عشر، فهذا يعتبر بالنسبة لك علواً، يعتبر علواً نسبياً لأنك إذا جئت إلى حديث قتيبة من طريق مسلم سيكون إحدى وعشرين، لكن من هذه الطريقة الأخرى ثمانية عشر فهو علو، فهذا موافقة. وأما البدل: أن يقع هذا العلو عن مثل شيخ مسلم، وقد يسمى هذا موافقة بالنسبة إلى شيخ شيخ مسلم. معناه: توافقه أو بدل من شيخه، توافقه في شيخ شيخ. مثلاً: عندك إلى مسلم عشرون راوياً، وإلى قتيبة واحد وعشرون، فترويه عن قتيبة أو عن غير قتيبة عن مالك مثلاً عن القعنبي بعشرين، فيكون هذا شيخاً، مثلاً هذا قتيبة قلنا، والقرعبي سيكون بدلاً، بدل من قتيبة في شيخ شيخ مسلم وهو مالك. قالوا: المساواة في أعصارنا: قلت عدد سنادك إلى الصحابي أو من قاربه، بحيث يقع بينك وبين الصحابي مثلاً من العدد مثل ما وقع بين مسلم وبينه، هذا يسمى المساواة. مثل ما مثل الحافظ ابن حجر: الحافظ ابن حجر يروي سنن النسائي بعشرة، ويروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً بعشرة، هذه تعتبر مساواة. يروي أيضاً عن النبي عليه الصلاة والسلام، بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عشرة، كما أن بينه وبين النسائي عشرة، هذا تسمى مساواة. قالوا: المصافحة: انتقلت هذه المساواة لشيخك، فيكون لك مصافحة، كأنك صافحت مسلماً فأخذت عنه. مثلاً لشيخك يكون مثلا عشرة، مثل الحافظ السخاوي يروي هذا الإسناد بعشرة عن من؟ من طريق الحافظ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا كأنه يصافح النسائي، كأنه قد التقى مع النسائي مصافحة، لأنه يروي الإسناد بعشرة، فسموه مصافحة. قالوا: فإن كانت المساواة لشيخ شيخ كانت المصافحة لشيخك، وإن كانت المساواة لشيخ شيخ شيخك فالمصافحة لشيخ شيخك. هذا مفهوم. وهذا العلو تابع للنزول، فلولا نزول مسلم وشبهه لم تعلو أنت. وهذا الصحيح كما رجحه الحافظ ابن حجر: أن هذه العلو كل علو له نزول، كل علو له نزول، فليس هناك علو بدون نزول. قالوا: وأما قال: الرابع: العلو بتقدم وفاة الراوي، فما رويته عن ثلاثة عن البيهقي عن الحاكم، أعلاهما أن ترويه عن ثلاثة عن أبي بكر بن خلف عن الحاكم لتقدم وفاة البيهقي عن ابن خلف. معنى هذه: وإن كانت سواء لكن الرواية عن من تقدم عن الشيخ أفضل من الرواية عن من تأخر. فهنا الآن يقول: فما رويته عن ثلاثة عن البيهقي عن الحاكم، أعلاهما أن أرويه عن ثلاثة عن أبي بكر بن خلف، أنا أعلى من روايته عن أبي بكر بن خلف، وإن كان نفس العدد، لكن بسبب أن البيهقي مات قديماً. قال: وأما علوه بتقدم وفاة شيخك فحد، والحافظ ابن حجر مضى خمسين سنة من وفاة الشيخ، وابن مندى بثلاثين، والأمر سهل. قال: الخامس: العلو بتقدم السماع، ويدخل كثير منهم فيما قبله، أن سماعه قديم، أن يروي عن التلميذ سماعه قديم، ولو كان نفس العدد، لكن هذا السماع القديم يكون علواً. قال: ويمتاز بأن يسمع شخصان من شيخ، وسمع أحدهما من ستين سنة مثلاً، والآخر من أربعين، وتساوي العدد إليهما، فالأول أعلى. وأما النزول: فضد العلو، فهو خمسة أقسام تعرف من ضدها، أن لكل علو نزول، وهو مفضول مرغوب عنه على الصواب، وقول الجمهور، وفضله بعضهم على العلو. فإن تميز بفائدة فهو مختار والله أعلم. أما تقديمه على العلو فليس صحيحاً، لكن إن كان فيه فائدة، مثل مثلاً يكون ثقات أئمة، فلا شك أن النزول أولى، لا شك أن النزول أولى. ولهذا البخاري من طريقته أنه إذا كان عنده إسناد عالٍ وإسناد نازل، لكن الإسناد النازل عنده أقوى، يقدم الإسناد النازل على الإسناد العالي. ومسلم يفعل العكس، مسلم يفعل العكس، يقدم الإسناد العالي على النازل، وقد انتقده بعض العلماء بذلك، يقال: الأفضل أن يقدم الإسناد العالي على النازل، لا يقدم النازل على العالي. طيب. قال: النوع الثلاثون: المشهور من الحديث. هو قسمان: صحيح، صحيح وغيره. ومشهور: بينه الحديث خاصة، وبينهم وبين غيرهم. أنا المشهور على الصحيح الذي رجحه الحافظ: أنه ما رواه ثلاثة فأكثر، ما رواه الثلاثة فأكثر يسمى مشهوراً، ما لم يبلغ حد التواتر. ومنهم من أدخل بين المتواتر والمشهور، منهم من أدخل بين المشهور والمتواتر والمستفيد، فأقصر المشهور على الثلاثة، وما كان أكثر من الثلاثة يسمى مستفيداً، ما لم يبلغ حد التواتر. والذي عليه الحديث: أن المشهور هو ما رواه الثلاثة، أن أقل حد في الطبقات ثلاثة أو أكثر، ما لم يبلغ حد التواتر، فيسمى مشهوراً، هذا المصطلح. لكن قد يسمونه مشهوراً على اصطلاح بينهم في الحديث، مثلاً أهل الحديث يشتهر عندهم حديث: «إنما الأعمال بالنيات»، هذا مشهور عند أهل الحديث، ومشهور عند أهل الفقه. لذلك أحاديث مشهور عند أهل اللغة، بعضها ضعيفة، وبعضها مثل: «نعم الرجل صهيب، لو لم يطع الله لم يعصم»، هذا مشهور عند أهل اللغة، هذا مشهور عند أهل اللغة، لكنه لا يصح. وهناك أيضاً أحاديث مشهورة في ألسنة الناس، في ألسنة الناس العوام، فهذه الأحاديث المشهورة ألف العلماء فيها كتباً، ومن أنفعها وأقدمها: «المقاصد الحسنة» للسخاوي، رحمه الله، فيما اشتهر من الأحاديث على الألسنة، وألف أيضاً العجلوني «كشف الخفاء» وغيرها. قالوا: منه المتواتر، المعروف في الفقه، ووصوله ولا يذكره المحدثون، وهو قليل لا يكاد يوجد في رواياتهم، وما نقلهم أن يحصل العلم بصدقهم ضرورة عن مثلهم من أوله إلى آخره. وحديث: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» متواتر. لا حديث: «إنما الأعمال بالنيات»، أن هذا الحديث مشهور. قال: النوع الحادي والثلاثون: الغريب والعزيز. إذا انفرد عن الزهري وشبهه، ممن يجمع حديثه رجل بحديث، سُمّي غريباً. فإن انفرد اثنان أو ثلاثة سُمّي عزيزاً. فإن رواه جماعة سُمّي مشهوراً. وهذا الذي انفرد عن الزهري يسمى غريباً نسبياً، إذا كان الغرابة عن إمام الأمة يسمى غريباً نسبياً، مثلاً يقال: لم يرويه عن الزهري إلا فلان. وهناك أيضاً غريب عند أهل الحديث، عند أهل العناية الخاصة، وهو إذا كان الحديث مثلاً عن الزهري، والزهري له أصحاب كثر، فيأتي الرجل من بعيد، ليس من أصحابه المعروفين عن أخذ الحديث عنه، فيروي حديثاً عن الزهري، فيسمى هذا غريباً، يسمى هذا غريباً، لماذا؟ لأنهم يستغربونه: كيف هذا الغريب الذي هو بعيد عن الزهري روى هذا الحديث، ولم يرويه أصحابه الذين هم أعرف الناس بحديثه، فلهذا يسمونه غريباً. قالوا: يدخل في الغريب من تفرد راوٍ بروايته، وبزيادة في متنه وإسناده، ولا يدخل فيه أفراد البلدان أيضاً، بعضهم يدخل أفراد البلدان يسميهم غريباً نسبياً أو فرداً، لكن اشتهر عندهم أنه فرد تفرد به أهل، مثلاً اليمن تفرد به أهل مكة، وهكذا. لكن إذا انفرد راوٍ في الحديث يسمى غريباً، كذلك وهذا الغريب المطلق إذا انفرد راوٍ في طبقة من الطبقات، إذا كان في كل الطبقات يسمى غريب فرد فرد. قال: وينقسم إلى صحيح وغيره، وهو الغالب، أنا أي غير الصحيح غالباً الذي تفرد به الراوي واحد يكون غير صحيح، لكن الأصل: إن كان ثقة فهو صحيح. قالوا: غريب متناً وإسناداً، كما لو انفرد بمتن واحد، جاء بمتن على خلاف المتن الذي هو مشهور، فيسمى متنه غريباً. قالوا: غريب إسناداً، كحديث روى متنه جماعة من الصحابة، انفرد واحد بروايته عن صحابي آخر، مثلاً مشهور عن أبي هريرة، فيرويه بعضهم عن أبي سعيد، هذا يعتبر غريباً. قالوا: الناس يرونه عن العمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، فيأتي إنسان فيرويه عن العمش عن أبي صالح عن أبي موسى، أو عن أبي صالح عن أبي سعيد، أو مثلاً من طريق أخرى عن، مثلاً عن أبي وائل عن أبي موسى، فهذا يعتبر غريباً. قالوا: فيه يقول الترمذي: «غريب من هذا الوجه». ولا يوجد غريب متناً لا إسناداً، إلا إذا اشتهر الفرد فرواه عن المنفرد كثيرون، صار غريباً مشهوراً، أنا لا يوجد غريب متناً لا إسناد، وإنما الغرابة تكون في الإسناد غالباً. قال: إلا إذا اشتهر الفرد فرواه عن المنفرد كثيرون، صار غريباً مشهوراً، مثل حديث الأعمال بالنيات، رواه عن يحيى بن سعيد كثيرون. قال: غريباً متناً لا إسناداً بالنسبة إلى أحد طرفيه، كحديث: «إنما الأعمال بالنيات». طيب، إن شاء الله نكتبه، شكراً.