الدرس في كتاب النكاح 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل شروط صحة عقد النكاح، مع التركيز على أهمية رضا الزوجين ووجود الولي، واستثناءات في حالة الصغيرة والأمة. يُبين أيضًا الأدلة الشرعية من القرآن والسنة النبوية على وجوب الولي.
يشرح هذا الفصل تفاصيل أحكام الولي في عقد النكاح، مثل أولى الناس بولاية تزويج المرأة وأحقيتهم، وشروط الولي، ووجوب استئذان المرأة في الزواج وإعلان النكاح.
يتناول هذا الفصل أحكامًا مختلفة في النكاح، مثل استعمال الدف في الأعراس، ومسألة الكفاءة في النكاح، وتولية الحاكم للمرأة التي لا ولي لها، مع التشديد على أن كفاءة الدين هي المعيار الوحيد المقبول.
يشير هذا الفصل إلى شرط أساسي لصحة النكاح وهو عدم وجود موانع شرعية بأحد الزوجين، ويشير إلى أن هذه الموانع مذكورة في باب المحرمات في النكاح.
بسم الله الحمد لله الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أما بعد، قال الله مساعد رحمه الله في كتاب النكاح: ويستحب أن يخطب في عقد النكاح بخطبة ابن مسعود، قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في الحاجة: "إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله". قال: ويقرأ ثلاث آيات، رواه أهل السنة. والثلاث الآيات فسرها بعضهم وهي قول تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، والآية الأولى من سورة النساء: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾. هذا الحديث حديث صحيح رواه أهل السنن كأحمد وأبي داود والترمذي والنسائي، والإمام أحمد في مسنده، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه. وهذه الخطبة خطبة الحاجة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بها في أكثر خطبه عليه الصلاة والسلام. وحكمها في عقد النكاح أنها مستحبة، ليست بشرط ولا بواجب. خطبة الحاجة في عقد النكاح مستحبة، ولو أن العاقد عقد من غير ذكر خطبة الحاجة لصح العقد. والدليل على عدم الوجوب هو أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد لأناس من غير ذكر هذه الخطبة، ومنها ما في حديث سهل بن سعد في قصة الرجل الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "التمس ولو خاتما من حديد". في آخر الحديث قال: "ما معك من القرآن؟" قال: "سورة كذا وكذا". قال: "زوجتكها بما معك من القرآن". وما قرأ خطبة الحاجة، فدل على أن قراءتها في عقد النكاح مستحبة، وهذا الأكمل، وإلا لو تركها وعقد من غير ذكرها فالعقد صحيح؛ لأن العقد توفرت فيه بقية الشروط، والإجاب والقبول. نعم، هذه أركان عقد النكاح: الزوج، والولي، والإجاب والقبول. قال: ولا يجب إلا الإجاب والقبول. الإجاب هو اللفظ الصادر من الولي، كقوله: "زوجتك" أو "أنكحتك". والقبول هو اللفظ الصادر من الزوج أو نائبه، كقوله: "قبلت هذا الزواج" أو "قبلت" ونحوه. نعم، لا يجب في عقد النكاح إلا الإجاب والقبول. الإجاب هو اللفظ الصادر من الولي -ولي المرأة الذي يزوجها- فيقول: "زوجتك" أو "أنكحتك". والصحيح أنه لا يشترط للإجاب لفظ معين، بل يصح بأي لفظ يحصل به الإجاب، كما رجح ذلك شيخ الإسلام رحمه الله. نعم، لو قال: "زوجتك" أو "أنكحتك" أو "ملكتك" أو غير ذلك من الألفاظ الدالة على الإجاب، فإنه يقع به الإجاب. وهكذا القبول، اللفظ الصادر من الزوج أو نائبه، كقوله: "قبلت هذا الزواج" أو "قبلت" أو "قبلت أن أتزوجها" أو "قبلت زواجها" أو "رضيت الزواج بها" أو نحو ذلك من الألفاظ الدالة على القبول. قال: باب شروط النكاح. الشروط جمع الشرط، والشرط لغة: العلامة. وصلاحا: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. ما يلزم من عدمه العدم؛ إذن عدم الشرط يستلزم عدم المشروط. ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم؛ قد يوجد وقد لا يوجد. فالمراد بشروط النكاح: أي الشروط والعلامات التي وضعها الشرع لصحة النكاح. فإذا عدمت هذه الشروط لم يصح النكاح. وعندنا شروط في النكاح ستأتي. قال: ولا بد فيه من رضى الزوجين إلا الصغيرة فيجبرها أبوها والأمة فيجبرها سيدها. هذا الشرط الأول من شروط النكاح هو الرضا -رضا الزوجين- لا بد أن يكون الزوج راضيا بهذا النكاح، وهكذا المرأة تكون راضية بالزواج من هذا الرجل. لقول الله جل وعلا: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾، يدل على أنه لا بد من الرضا. وفي حديث عائشة في السنن: أن فتاة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "يا رسول الله، إن أبي زوجني على ابني أخيه يريد أن يرفع خسيسته، بي". فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمر إليها -يعني إن شاءت أن تفسخ النكاح وإن شاءت أن تلزمه- ثم قالت: "قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أنه ليس للآباء من الأمر شيء". يعني معنى الحديث أنه لا بد من الرضا، أن تكون المرأة راضية. فإذا زوجت بغير رضاها كان لها الخيار في إبقاء النكاح أو في فسخه. فإن رضيت بإبقائه بقي النكاح، وإن طالبت فسخه فإنه يفسخ. قال: "إلا الصغيرة فيجبرها أبوها". الصغيرة يعني التي دون سن السابعة، فللأب أن يزوجها بغير رضاها؛ لأنها في مثل هذا السن ما تدرك مصلحتها. فله أن يزوجها بالكفء الذي يرتضيه لها. قال: "والأمة فيجبرها سيدها"؛ يعني إذا كانت صغيرة فللسيد أن يجبرها -يعني يزوجها بالكفء- وإن لم يأخذ رضاها، قياسا على الحرة. إذا جاز ذلك للحرة ففي الأمة من باب أولى. قال: ولا بد فيه من الولي. وهذا الشرط الثاني من شروط النكاح: الولي. قال صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي". حديث صحيح رواه الخمسة، ومنهم أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه. والنفي هنا نفي للصحة؛ أي لا نكاح صحيح إلا بولي. وقلنا: النفي هنا للصحة؛ لدلات الأدلة الأخرى على اشتراط الولي في النكاح، كما سيأتي. فمن هذه الأدلة من القرآن: قول الله عز وجل: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾. الخطاب للأولياء، الله يخاطب ولي المرأة أنه لا يعضل موليته إذا رضيت أن ترجع إلى زوجها، لا يمنعها من ذلك ما دام أنها راضية. دل هذا على أن المرأة لا تزوج نفسها. لو كانت تملك أمر نفسها بيدها لكان الخطاب إليها مباشرة. لكن الله وجه الخطاب للأولياء: ﴿فلا تعضلوهن﴾. وكذلك أيضا في قول جل وعلا: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾. الخطاب لمن؟ للأولياء. وهكذا أيضا في قوله سبحانه: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾. الخطاب للأولياء؛ لأن هذا يدل على أن الولي شرط لصحة النكاح. وهكذا في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل". فنكاحها باطل؛ يعني غير صحيح. وهكذا أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها". حديث صحيح. فهذه الأحاديث تدل على أنه لا بد من الولي في صحة النكاح. قال: وأولى الناس بتزويج الحرة أبوها، وإن على. أولى الناس بالولاية بتزويج البنت هو الأب، هو الأب وإن على الأب أب الأب -أي الجد- وإن على، ثم ابنه وإن نزل -الابن وابن الابن- ثم الأقرب فالأقرب من عصباتها. فالذي يزوج المرأة هم عصبتها: هم عصبة المرأة: الأب وإن على، أو الابن وإن نزل، ثم الأقرب فالأقرب من عصباتها، كالأخ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم الشقيق، ثم العم لأب، ثم ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأب. قال: فإن لم يوجد أحد من هؤلاء العصبة، إمرأة ليس لها ولي -كانت تكون مثلا مسلمة كافرة أسلمت، وأولياؤها وقرابتها كفار- أو إمرأة مات أقاربها في حرب أو نحو ذلك، فهنا يزوجها السلطان، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فإن استجروا فالسلطان ولي من لا ولي له". السلطان ولي من لا ولي له؛ يعني حاكم البلد أو القاضي يزوجها ويكون وليها. قال: وفي الحديث المتفق عليه: أن الولي يشترط فيه أن يكون مسلما، وأن يكون مكلفا؛ أن يكون مسلما وأن يكون مكلفا. فالكافر ليس له حق في الولاية على المسلمة. قال الله عز وجل: ﴿والمؤمنون بعضهم أولياء بعض﴾. وقال في الكافرين: ﴿والكافرون بعضهم أولياء بعض﴾. فليس الكافر وليا للمسلمة. ويقول الله عز وجل: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾. ليس له سبيل. الكافر ليس له سبيل على المسلمة. ولهذا لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة بنت أبي سفيان، زوجه إياها النجاشي، مع أن أبا سفيان كان حيا لكن كان كافرا، فزوجه إياها النجاشي. نعم، كذلك أن يكون مكلفا -أن يكون بالغا عاقلا- فلا ولاية لصبي ولا لمجنون. قال: هل يشترط العدالة في الولي؟ الجواب: أنه لا يشترط، ولو كان الولي عنده شيء من الفسق، فهذا لا يسقط حقه من ولاية النكاح؛ لأن هذا شيء يعني تعذر أو يشق التحرز منه. فكثير من الأولياء والآباء يعني عندهم مخالفات، كحلق اللحية أو شيء من الفسق، وهذا لا يسقط حقه من الولاية؛ فهو أحق بتزويجها ما دام مسلما. المعتبر هو الإسلام، ما دام مسلما فهو أحق بولايتها. قالوا: في الحديث المتفق عليه: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن". قالوا: "يا رسول الله، وكيف إذنها؟" قال: "أن تسكت". والحديث في الصحيحين. الأيم يعني الثيب -يعني الثيب والثيب هي من زالت بكارتها بوطء- سواء كان حلالا أو حراما تعتبر ثيبا. ومن زالت بكارتها بغير الوطء كمرض أو سقطت أو شيء من ذلك فهذه تعتبر بكرا. والبكر التي لم تزل بكارتها. فالأيم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تستأمر"؛ يعني يأخذ أمرها، ما تزوج حتى يأخذ أمرها. يعني من تريدين؟ تتكلم وليس المعنى: "تستأمر" يعني هي أمرها إلى نفسها أو إلى يدها تزوج نفسها من شاءت؛ لا ليس هذا المراد. وإنما المراد أنها ما تزوج إلا بأمرها. قد مر معنا أن الولي شرط. وقال جمهور أهل العلم -خلافا للحنفية- خلافا للحنفية: الحنفية أجازوا أن تزوج المرأة نفسها بغير ولي لها. وقولهم مرجوح؛ لأن لابد من الولي. فالولي استأمرها: تريدين فلان؟ تقدم إليك فلان؟ فتقول: نعم أو تقول: لا. أما البكر فإذنها سكوتها. قال: "ولا تُنكح البكر حتى تستأذن"؛ يعني يأخذ إذنها. تقدم إليك فلان؟ قال: "وإذنها أن تسكت"؛ لأن الغالب على البكر الحياء، فتستحي أن تقول: نعم. فإذا سكتت، وهذا السكوت دل على رضاها -يعني سكوت مع ابتسامة مع خجل- يعلم بهذا أنها راضية، فتزوج. فإذا تكلمت من باب أولى -من باب أولى- أنها راضية. ما نقول كما قال الظاهرية: إذا تكلمت ما تزوج؛ لا. المهم أن تسكت؛ لا. المصود أن هذا غالب -يعني الأبكار- أنهن يكون عندهن حياء، فلا تنطق بالرضا، بل تسكت وتستحي. فإذا حصل ذلك معنى أنها راضية. لكن لو سكتت ودلت القرائن على أن سكوتها ليس عن رضا -كأن تسكت مع بكاء شديد وصياح- يعني تقلب انفعال -يعني تغير وجه- لون وجهها مما يدل على عدم الرضا، في مثل هذه الحال لا معنى أنها راضية. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعلنوا النكاح". رواه أحمد. نعم، رواه أحمد من حديث عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، وهو حديث صحيح. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعلان النكاح. "أعلنوا النكاح"؛ يعني أشهروه واظهروه؛ حتى يفرق بين النكاح وبين السفاح. فلابد أن يعلن. وإعلان النكاح واجب. وقد يقال بأنه شرط؛ إذا لم يحصل إشهاد على عقد النكاح فلابد من أن يظهر حتى يعني يصح النكاح ويفرق بينه وبين غيره من السفاح. لكن الأمر يدل على الوجوب؛ يدل على الوجوب "أعلنوا النكاح". قالوا: من إعلانه: شهادة عدلين، وإشهاره وإظهاره، والضرب عليه بالدف ونحوه؛ يعني إعلان النكاح يكون بأمور، منها: بإشهاد العدول على عقد النكاح، ولو بإشهاد شاهدين إذا شهد شاهدان كفى. ويكون هذا من إعلان النكاح. وهل الشهود على النكاح شرط لصحة النكاح؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والجمهور من أهل العلم على أن شهادة الشاهدين في عقد النكاح شرط؛ أنه شرط مشروط النكاح. وسدلوا برواية: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل". زيادة "وشاهدي عدل". وهذه الزيادة يعني مختلف فيها من أهل العلم؛ منهم من يحسنها بمجموع طرقها فيقول باشتراط الشاهدين. ومنهم من يعلها؛ منهم من يعلها ويتكلم عليها وعلى عدم صحتها؛ فلا يشترط شهادة عدلين. نعم، فالأظهر والله أعلم أن زيادة "الشاهدي عدل" فيها كلام؛ كما أشار الإمام الترمذي رحمه الله في العلل في ذكر رواية هذا الحديث. قال: وإشهار وإظهار؛ يعني إشهار هذا النكاح بمثل ما يفعل مثلا في بعض عادات بعض أهل البلاد: تعليق السرج على البيت؛ يعرف أن هذا البيت عندهم نكاح؛ هذا من إشهار وإعلان النكاح. وكذلك أيضا إظهار عقد النكاح لما يعقد تحته البيت مثلا أو في مكان معتد لذلك؛ هذا من إشهار وإعلان النكاح. وهكذا أيضا الضرب عليه بالدف؛ هذا أيضا من إعلان النكاح. جاء في بعض الروايات: "أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف". فالدف يعني استعماله في النكاح جائز؛ جائز بل مستحب. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج إمرأة من الأنصار قال: "هل عندكم شيء من اللهو؟" فإن الأنصار يعجبهم اللهو -حيث الصحيح-. وكذلك أيضا لما تزوجت الربيع بنت معوذ -يعني جاء النبي صلى الله عليه وسلم وجلس- وجاءنا جواري فجعلنا يغنين بندب من مات من آبائهن في بدر. فقالت إحداهن والنبي صلى الله عليه وسلم جالس: "وفينا نبي يعلم ما في غد". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتركي هذا وارجعي لما كنت تقولين". وهكذا أيضا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف". هذا يدل على استحباب استعمال الدف في النكاح، وهو أيضا يعتبر من إعلان النكاح وإشاره وإظهاره. لكن لا يستعمل شيء من آلات اللهو إلا الدف فقط؛ هو الذي أجازه الشرع. الدف معروف الذي يكون يعني الطبل الذي يكون مقفلا من جهة واحدة ومفتوح من الجهة الأخرى ويكون مستدير؛ هذا هو الدف. وأما إذا كان مقفلا من الجهتين فهذا هو الطبل. فجميع آلات اللهو محرمة؛ الدف والناي والعود وغيرها والمزمار؛ لا يحل شيء إلا الدف فقط. ولا يحل أيضا إلا للنساء؛ النبي صلى الله عليه وسلم أجاز الدف للنساء في الأعياد وفي الأعراس فقط؛ فلا بأس للنساء أن يضربن بالدف في الزواج؛ فهذا مباح وهو أيضا من إعلان النكاح. أما بقية آلات اللهو والطرب فهي محرمة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "يكون من أمة أقوام يستحلون الحرة والحرير والخمر والمعازف". والمعازف تشمل جميع آلات اللهو والطرب؛ لا يستثنى منها شيء إلا الدف فقط. قال: "ونحوه"؛ يعني ما فيه إشهار وإعلان للنكاح. قال: "وليس لولي المرأة تزويجها بغير كفء لها". فليس الفاجر كفءا للعفيفة. "والعرب بعضهم لبعض أكفاء". نعم، هذه المسألة تتعلق بمسألة الكفاءة؛ ما هي الكفاءة المعتبرة في النكاح؟ اتفق أهل العلم على اعتبار كفاءة الدين؛ أن كفاءة الدين معتبرة. فالكافر لا يزوج بالمسلمة. "ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا". نعم، وكذلك أيضا الفاجر لا يزوج بالعفيفة؛ لا يزوج بالعفيفة؛ فليس كفءا لها. وإنما يزوج المسلم بالمسلمة، والعفيف بالعفيفة. طيب: هل يعتبر كفاءة النسب وكفاءة المال وكفاءة الحرفة والصناعة وكفاءة الحرية؟ هذه أربعة حصل فيها خلاف بين أهل العلم في اعتبار كفاءة النسب والحرفة والحرية وكفاءة المال. فقال الجمهور: لا يعتبر؛ يعني أن هذه الأربعة غير معتبرة. أن هذه الكفاءة الأربعة غير معتبرة؛ فلا تزوج الحرة بالعبد، ولا يزوج الفقير بالغنية، ولا يزوج يعني الوضيع بذات النسب، ولا كذلك يزوج صاحب الحرفة الدنيئة بمن هي أرفع منه. ويشدل بعضها العلم: هذا حديث "العرب بعضهم أكفاء لبعض"؛ معناه أن غير العربي لا يزوج بالعربية. لكن هذا الحديث ضعيف؛ لا يصح. والصحيح أنه لا يعتبر في الكفاءة في النكاح إلا كفاءة الدين. وأما غيرها فهي غير معتبرة؛ غير معتبرة. فيجوز أن تزوج الحرة بالعبد إذا رضيت بذلك؛ إذا رضيت بذلك. ومما يدل على جواز ذلك: أن بريرة لما عتقت خيرها النبي عليه الصلاة والسلام بين أن تبقى مع زوجها مغيث -وكان عبدا مملوكا- وبين أن تختار نفسها فتفسخ النكاح. فدل هذا على أنه يجوز؛ يعني لو رضيت ستبقى حرة وهو عبد؛ معنى النكاح صحيح. ولو كان لا يجوز زواج الحرة بالعبد؛ لأمر الشرع بماذا؟ بفسخ النكاح؛ أن متى عتقت فسخ النكاح. ولكن لم يأمر شرع بذلك. فإذا رضيت الحرة أن تتزوج بعبد لا مانع من ذلك. وكذلك أيضا اعتبار الحرفة والصناعة أيضا غير معتبرة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يا بني بياضة أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه". وكان حجاما. والحديث في السنن وهو صحيح. "يا بني بياضة"؛ يخاطب قبيلة من قبائل العرب. "يا بني بياضة أنكحوا أبا هند"؛ يعني زوجوه. "وأنكحوا إليه"؛ وكان حجاما؛ كان يشتغل بالحجامة؛ وهي تعتبر حرفة دنيئة. مع ذلك لا مانع؛ لا مانع أن يزوج. لا يعتبر الحرفة والصناعة؛ بل المعتبر هو الدين؛ ما دام أنه ذو دين؛ فيزوج. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه". إلا تفعله تكون فتنة في الأرض ومساد -يعني عريض-؛ يعني اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الدين؛ ولم يعتبر غيرها من الكفاءات الأخرى. وكذلك أيضا يبدو على عدم اعتبار كفاءة النسب؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم من أرفع الناس نسبا؛ فهو من بني هاشم. ومع ذلك زوج ابنتيه لمن؟ لعثمان رضي الله عنه؛ وهو ليس من بني هاشم؛ إنما هو قرشي أموي. وزوج علي رضي الله عنه ابنته لفاطمة لعمر بن الخطاب؛ وهو قرشي وهي هاشمية. وهكذا زوج فاطمة بنت قيس -وهي قرشية- زوجها لإسامة بن زيد؛ وهو مولى؛ وهو مولى. وزينب بنت جحش تزوجت بزيد بن حارثة؛ وهو مولى. وهكذا الضباعة بنت الزبير؛ هي هاشمية وتزوجت بالمقداد بن الأسود؛ وهو حليف لقريش؛ نعم لقريش؛ نعم. فهذه الوقائع تدل على عدم اشتراط واعتبار كفاءة النسب؛ إذا المعتبر هو كفاءة الدين؛ هذا هو الصحيح. قال: "فإن عدم وليها أو غاب غيبة طويلة أو امتنع من تزويجها كفءا زوجها الحاكم". كما في الحديث: "السلطان ولي من لا ولي له". أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي. نعم، حديث عائشة وهو صحيح. يقول: "إن عدم وليها"؛ يعني مات. طيب أو كما قلنا: أسلمت وكانت كافرة؛ ليس لها أحد من المسلمين من أوليائها. أو غاب غيبة طويلة؛ فقد سافر وانقطع خبره ولم يوكل غيره؛ هنا يعتبر كالمعدوم. ورأت ابنته أن تتزوج. أو امتنع من تزويجها كفءا؛ هو موجود لكن كل ما جاء كفء رده؛ أبى أن يزوجها. بعض الفقهاء يقولون: يكون عاضلا إذا رد ثلاثة أكفاء؛ الأول ثم ثاني ثم ثالث؛ تسقط حقه من الولاية ويكون عاضلا. واشتراط الثلاثة ليس عليه دليل؛ بل لو جاءها الكفء من المرة الأولى ورده بغير عذر شرعي؛ هنا ممكن أن تسقط حقه من الولاية؛ يعتبر قد عضلها؛ يعتبر قد عضلها. ولها أن تطالب يعني الحاكم أو السلطان بتزويجها أو توكيل من يزوجها غيره. ففي هذه الأحوال تكون هذه المرأة لا ولي لها؛ إذا عدم أو فقد أو عضلها الولي برد الكفء. فيزوجها السلطان؛ فالسلطان ولي من لا ولي له؛ السلطان ولي من لا ولي له. قال: "ولا بد من تعيين من يقع عليه العقد؛ فلا يصح زوجتك بنتي وله غيرها حتى يميزها باسمها أو وصفها". نعم، إذا كان عنده ثلاث بنات ما يصح أن يقول: "زوجتك ابنتي". طيب من هي؟ ابنتك الوسطى أو الصغرى أو الكبرى؟ لا بد أن يعين؛ إما بالاسم: "ابنتي فلانة". أو بالوصف: "ابنتي الوسطى" أو "ابنتي الكبرى" أو "ابنتي الصغرى". فلا بد أن يميزها بما تتميز به عن غيرها. وأيضا كذلك يعني لا بد الزوج أن يعين؛ يقول: "يا فلان ابن فلان زوجتك ابنتي فلانة". فيكون كلا الزوجين ماذا؟ معينا؛ يذكر اسمه أو وصفه الذي يتميز به. قال: "ولا بد أيضا من عدم الموانع بأحد الزوجين وهي المذكورة في باب المحرمات في النكاح؛ سأتي ذكرها إن شاء الله في الباب الذي بعده".