الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 447، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي المقطع حديثاً صحيحاً عن النبي ﷺ: «إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق»، ويسرد سلسلة رواته عبر محمد بن عوف الحمصي. ثم يناقش الأحاديث الواردة في «أبواب الربا الثلاثة والسبعين» مبيناً ضعفها عند أئمة الحديث كالأحمد وأبي زرعة وأبي حاتم، وأن الصحيح فيها موقوف على كعب الأحبار وعبد الله بن سلام.
يؤكد المقطع أن الربا من أعظم الكبائر بعد الشرك، مستدلاً بآيات الحرب الإلهية على آكليه وتشبيههم بالمجانين، وينبه إلى أن الاستطالة في عرض المسلم بغير حق من أربى الربا. كما ينتقد المعاملات المصرفية الحديثة كبيع العينة والمرابحة المصرفية معتبراً إياها حيلاً شرعية للربا المحرم.
يبيّن المقطع أن الاستطالة في عرض المسلم بغير حق من أعظم الكبائر وأعظم من الربا، ويفرق بينها وبين البهتان، ويوضح حالات جواز الغيبة للنصيحة كتحذير المبتدع أو المشورة في النكاح والتجارة، مستدلاً بأحاديث توكد عظمة حرمة دم المسلم وماله وعرضه.
يختتم المتحدث الدرس أو الجلسة العلمية معلناً الاكتفاء بما تم طرحه، مفوضاً العلم لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله: أبو داود سليمان بن الأشعث السِجِستاني البغدادي، أصله سِجِستاني وهو نزيل بغداد. قال: حدثنا محمد بن عوف، ومحمد بن عوف هو حافظ كبير من حفاظ أهل الشام، وهل حمص؟ قد شهد له بالحفظ الإمام أحمد رحمه الله، قال: «ما رأيت أحفظ في الشام من محمد بن عوف». وهو طائي حمصي من أهل حمص. ذُكر له قصة وهو صغير، فقال: «كنت ألعب بالكرة»، ودل على أن الكرة كانت موجودة عنده في الشام في حمص في ذلك الوقت. فقال: «كنت ألعب بالكرة، فجرت الكرة إلى قرب محمد، أو قربي، بعض ابن عمران»، وهو أحد أئمة أهل الشام أيضًا. فجاءت الكرة إليه، فلما أردت أن آخذها قال لي: «من أنت؟» أو قال: «من أبوك؟» فقلت: «أبي عوف نطاع». فقال: «هذا أخونا»، أي يقول عمران: «هذا أبوك كان أخونا يكتب معنا الحديث، أفلا يقتدي بك أن تكتب الحديث؟» أنا بدل هذا اللعب أكتب الحديث مثل أبيك. قال: فذهبت إلى أمي وقلت لها ما قال لي هذا الشيخ، قالت: «صدق، قد كان صاحبًا لأبيك، فاذهب فاكتب الحديث عنه». قال: فألبستني أمي قميصًا وأعطتني قلمًا ولوحًا، فذهبت إليه، فقال: «اكتب: حدثنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثنا سليمان بن عبد ربه، أن أم الدرداء أرسلت إلي أو كتبت إلي: علموا أولادكم صغارًا يكونوا كبارًا حفاظًا»، أو كما قالت رضي الله عنها أم الدرداء الصغرى. فلأجل هذا اهتم محمد بن عوف بعد ذلك بالحديث حتى صار إمامًا أكبر من أبيه، فإن أباه لم ينتشر علمه، لكن محمد بن عوف كان حافظًا كبيرًا من أهل حمص، أهل الشام. قال: حدثنا، قال: أخبرنا أبو اليمان، وأبو اليمان هو الحكم بن نافع الحمصي، خِضّا من أهل الشام. قال: حدثنا، قال: أخبرنا شعيب. وأبو اليمان أخذ حديث شعيب، منها ما سمع، ومنها أخذها بابن بشر ابنه، ومنها أخذها بالإجازة التي أجازهم بها شعيب في آخر عمره، لكن كان كلها يقول: «أخبرنا». ولهذا تجد دائمًا إذا وجدت أبا اليمان بعده شعيب فيه: «أخبرنا شعيب». وشعيب هو ابن أبي حمزة الحمصي، وقد أجاز له الإمام أحمد مثل هذا، وإن كان انتقد أو جاء عن بعض أصحاب أحمد أنه انتقد مثل هذه الطريقة، والظاهر أن أحمد كان يعجبه أن يأتي المحدث بالواقع، يعني يقول مثلاً: «حدثنا قراءة»، «حدثنا كذا إجازة»، أو «أخبرنا إجازة»، أو «مناولة»، فأفضل أن يأتي بالواقع. قال: حدثنا عبد الله بن أبي حسين، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، قال: أخبرنا نوفل بن مساحق، وهو مدني، عن سعيد بن زيد، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق». قال: هذا حديث صحيح. وعبد الله بن أبي حسين هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين. هذا الحديث هو من الحديث الصحيح في هذا الباب. قد جاءت أحاديث كثيرة في هذا الباب، لكن أكثرها لا يصح، بل ذُكر - وخاصة للأحاديث التي فيها تعظيم الربا على الزنا - جاء بلفظ: «إن الربا ثلاث وسبعون بابًا، أدناها أن ينكح الرجل أمه»، وجاء في رواية: «يزني الرجل بأمه»، وأعلاها: «وإن من أعلى الربا استطالة المرء على عرض أخيه المسلم». لكن هذه الأحاديث التي فيها أن الربا ثلاث وسبعون بابًا، كثير من أهل العلم ضعفوا هذه الأحاديث، منهم الإمام أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وكذلك البيهقي، وغيرهم من أئمة الإسلام. وقد ذكر ابن الجوزي هذه الأحاديث في كتاب الموضوعات، لكن هذا فيه شيء من الغلو في التضعيف، فهي ليست موضوعة لكنها ضعيفة، وبعضها لا شك أنه موضوع. لو ذكر بعضها كان أفضل، لكن ذكرها كلها: حديث أبي هريرة بطرقه، وحديث أنس، وكذلك حديث الضحاك، وغيرها من الأحاديث التي ذكرها ابن الجوزي رحمه الله عن أربعة من الصحابة، ثم ضعفها كلها. ورد عليه الحافظ في بعضها، لكن الصحيح الذي صح من هذه الأحاديث أنها موقوفة. أحدها موقوفة على كعب الأحبار، وما جاء عن أنس الصحيح أنه عن كعب الأحبار، وكذلك جاء بإسناد صحيح عن عبد الله بن سلام، عن عبد الله بن سلام. والظاهر أن هذا ليس مأخوذًا عن النبي عليه الصلاة والسلام كما قال بعض العلماء، وإنما هذا كان في أهل الكتاب، لأن الربا كان متفشيًا عندهم أكثر من الزنا، كان الربا في بني إسرائيل أكثر من الزنا، خاصة في اليهود، وهم يحبون الربا كثيرًا ويسرفون فيه، فلأجل هذا كان تحريم الربا عندهم أعظم من تحريم الزنا. فلأجل هذا قال بعض العلماء: الظاهر أن هذه اللفظة دخلت من كتب أهل الكتاب، ولهذا لم يأتِ بها إلا عبد الله بن سلام، وهو حبر من أحبار يهود قديمًا ثم أسلم، وكذلك كعب الأحبار. وهذا يدل على أنها أُخذت من كتب أهل الكتاب، وليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام. وإلا فمعناه: استطالة عرض المسلم بغير حق هي الزنا، يدخل في ذلك انتهاك حرمة المسلم بالزنا، يدخل في هذا، فكيف سيكون الربا أعظم من الزنا؟ وأربى أي أكبر الربا: استطالة المسلم، أو الاستطالة في عرض المسلم بغير حق. فلأجل هذا فالظاهر أن تلك الأحاديث ليست عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما جاءت عن طريق أهل الكتاب. وأما ما جاء وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثل هذا الحديث، وجاء أيضًا نحوه عن أبي هريرة: «إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق»، وهذا إسناد صحيح. «إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق». فهنا بيّن أن الربا، أو أن من أربى الربا، من أعظم الربا: الاستطالة في عرض المسلم بغير حق. الربا عظيم، وذنبه وإجرامه كبير، حتى يقال: لم تأتِ قوارع في القرآن أشد بعد الشرك من قوارع الربا. عن النواهي التي جاءت في الربا كبيرة وعظيمة، فمثلاً قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 278-279]. فإن الله عز وجل أعلن عليهم الحرب على المرابين، وهذا شيء عظيم، لم يكن في شيء من الذنوب مثل هذا، أن الله عز وجل يعلن عليهم الحرب. وقال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275]. ذلك بأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا، وأحل الله البيع وحرم الربا. فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى، فله ما سلف، وأمره إلى الله. ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. فالله عز وجل يبين أن الربا عظيم، وأنه من فعل الكفار، وأن صاحبه لا يقوم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس. وهذه الآية وإن كانت في الآخرة، إلا أن بعض المفسرين قال: حتى في الدنيا، فصاحب الربا يقوم، هو يحسب أمواله التي راب فيها، وكم استفاد من هذا الربا، فيقوم بحساب الأموال، فيقوم كأنه به مس من شدة التخبط. لكن الآية المراد بها أنه يكون يوم القيامة يكون مثل المجنون، لكن قد يحتمل المراد به أيضًا حتى في الدنيا، كما ذكر بعض المفسرين. فلأجل هذا فالربا عظيم، ولعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه. معنى لعن هؤلاء كلهم: من يتعاون بهذا الربا. والربا في هذه الأيام قد تفشى، وحاول اليهود وأعداء الله عز وجل أن يدخلوا على المسلمين هذا الربا بشتى الطرق، ولهذا تأتي المعاملات والبيوع التي فيها الربا في هذه الأيام كثيرة. أنا من البيوع التي استخدمها أصحاب الشركات وغيرهم تجد فيها الربا. أيضًا جاءوا ببيوع العينة أيضًا، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها ستقع في هذه الأمة. والعين هو نوع من أنواع الربا، وإن كان ظاهره ليس ربا، لكنه حيل على الربا. بدل ما يقول الشخص: «أعطني مئة ألف وأعطيك إياها مئة وعشرين»، يدخل هذه البضاعة أو يدخل هذه الحيلة، فيقول: «أشتري هذه البضاعة منك بمئة وعشرين وأبيعها لك نقدًا»، أو بمعنى يقول له: «أشتري منك هذه البضاعة بمئة وعشرين نسيئة عن التأخير وأجل، وأبيعها لك نقدًا بمئة». فيجعل هذه السلعة مثل الحيلة، وإلا فالأصل أنه أراد المال، فجعل مئة ألف بمئة وعشرين، وهذا هو عين الربا. أيضًا كذلك ذكر بعض الفقهاء المعاصرين، كالشيخ العثيمين وغيره، هذا الذي سموه بالمرابحة، الطريقة التي سمّاها أصحاب البنوك التي تسمى ببنوك إسلامية، سمّوها المرابحة. فهذا أيضًا حيلة على حيلة على الربا. أنه يأتي إلى الذي يريد شيئًا من المواد مثلاً التي يشتريها أو لا يريد، فيذهب إلى البنك ويقترض من البنك، أو يريد أن يقترض من البنك، يقولون: «ما عندنا قرض». أنا هذه البنوك التي تسمى إسلامية يقولون: «ما عندنا قرض، لكن ماذا تريد؟ تريد حديدًا، تريد كذا؟» فيقول: «نعم، أريد حديدًا مثلاً». فيقول له: «اذهب إلى التاجر الفلاني وخذ الحديد منه، وهم يشترونه بحسب ما يبيعه ذلك التاجر، لكن يزيدون في سعره للمشتري الذي جاءهم». أنا يرابون، يعطونه قرضًا مثلاً مليونًا ويأخذون عليه مليونًا ومئتي ألف. أنا أنه قرض فيه ربا، لكن يدخلون فقط هذا الشيء الذي يريد أن يشتريه. أنا ما يسلمونه المال، ما يعطونه المال، لكن يشترون، يشترون نقدًا من الشركة أو من غيره أو يتفاهمون معه، ثم يأخذون ربحًا على هذا الذي اشتروا، وسموه مرابحة. وهذا خطأ. المرابحة ليست كذلك. المرابحة يكون بيعًا في ملك الإنسان، أنا يبيع شيئًا في ملكه ويقول مثلاً: «اشتريته». المرابحة الشرعية يقول: «اشتريته بمائة ألف وأريد فيه ربحًا كذا وكذا، ثلاثة عشر ألفًا مثلاً». فهذه المرابحة الشرعية. أما أنهم يفعلون مثل هذا، حيل على الربا، والأصل أنه قرض، وأيضًا قرض بزيادة، لكن يدخلون هذه السلعة في هذا الباب. فلأجل هذا فالربا متفشٍ في هذه الأزمان خاصة. وجاء حديث هناك: «أن من أشراط الساعة أن يكثر الربا، ومن لم يراب يصيبه غباره». لكنه جاء بإسناد ضعيف، لكن تجد أن هذا الحديث واقعًا، معناه مصداقه في الواقع، أن الإنسان من لم يراب يصيبه شيء من الربا من كثرة المعاملات التي يستخدمها أهل الشركات أو المؤسسات أو الباعة وغيرهم من هؤلاء، يستخدمون طرقًا هي ربا أصلاً، لكن يظهرون أنها ليست بربا. طيب. قال: «أن من أربى الربا»، معناه: هناك الربا مع ضخامته، ومع جرائمه، ومع أيضًا أنه كبير من كبائر الذنوب، إلا أن استطالة المرء في عرض أخيه المسلم بغير حق أيضًا أعظم منها. «إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق». والمراد أنه يذكر مساوئه، يذكر مساوئه، وخاصة ما كان فيه تشويه لدينه أو لعرضه أو كذلك لأخلاقه، فإن هذا يعتبر من الاستطالة في عرض المسلم بغير حق. يذكر أشياء كبيرة عليه، وأنه يفعل ويفعل، فهذا الاستطالة في عرض المسلم من أربى الربا كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام. والفرق بينها وبين البهتان: أن البهتان يذكر أشياء ليست فيه، أن البهتان يذكر أشياء ليست فيه. وهذا يذكر أشياء فيه، لكنه لا ينبغي له أن يذكرها عند الناس، وإنما الذي ينبغي له أن ينصحه، الذي ينبغي له أن ينصحه إن استطاع نصيحته. أما نشر مثل هذه المساوئ عند الناس، وأنه يفعل، وهو رجل لا يعرف عنه مثل هذه الأشياء، فهذه استطالة. هذه استطالة. وأمّا إنسان مثلاً معروف عنه هذا الشيء وهذا الشر، فالأمر أهون من ذلك، لكن ليس أنه حلال أن الإنسان يتفكه مثلاً في عرض مسلم، إلا إذا كان في شيء قد جاهر فيه واشتهر به، فهذا تذهب خرمته، تذهب خرمته هذا المسلم، تذهب خرمته بسبب أنه جهر بهذا الشيء، مادام أنه جهر به فهو عند الناس، فلأجل هذا فذهبت خرمته. كذلك المبتدع الذي يبتدع في دين الله عز وجل، كما قال الحسن: «من ابتدع في دين الله عز وجل سقطت خرمته». معنى حرمته: أي بالغيبة، معنى يجوز أن يغتاب ويذكر لأجل أن يحذر منه. وهذا بإجماع العلماء، أنه إذا كان مبتدعًا، وبُيّن له، أو أن النصوص موجودة في الكتاب والسنة وهو يبتدع من نفسه ولا يرجع إلى علماء السنة، فهذا الرجل سقطت كرامته، وكذلك أيضًا سقطت حرمته من ناحية الكلام فيه، وليس من ناحية الدم. فلأجل هذا، وأمّا المسلم الذي هو مستور، ليس عليه شيء، وقد عرف مثلاً الشخص أنه يفعل ويفعل، فإن كان فيه نصيحة لأحد، ما فيه شيء، لكن يتكلم عليه بدون نصيحة، معنى بدون أن ينصح له. وكذلك أيضًا في وضع ليس فيه نصيحة، أحياناً الإنسان يريد مثلاً أن ينصح في شيء، لا بد أن ينصح فيه، مثلاً الإنسان يريد أن يتعامل مع إنسان في بيع وشراء، وهو يعلم أن هذا الرجل يختلس من الأموال ويأخذ من الأموال، فلأجل هذا إذا جاء واستنصحه لا بد أن ينصح له، مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءت فاطمة بنت قيس واستنصحت النبي صلى الله عليه وسلم في مسألة الخطوبة، فقالت: «خطبني أبو جهم ومعاوية». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أما معاوية فصعلوك لا مال له، أنا ما عنده مال حتى يعطيك منه، وأما أبو جهم فهو لا يضع عصاه عن عاتقه، أنا كان ضرابًا للنساء». فقال: «أنك حاسمة بن زين». أنا لما استشارته في هذا قال: نصحها، فقال: «أنك حاسمة بن زين». فلأجل هذا فالنصيحة في مثل هذه الأشياء ما في شيء، ولو حصل شيء من الغيبة، لكنه لمصلحة أعظم من هذا. فلأجل هذا كما ذكر الإمام النووي رحمه الله في كتاب رياض الصالحين في باب الغيبة، ذكر الستة الذين يجوز أن يغتابهم الشخص. واستطالة العرض هو من الغيبة أيضًا، لكنها أعظم، لكنها أعظم من الغيبة، لكنها داخلة في أكبر الغيبة، معنى من أعظم الغيبة أن يستطيل الرجل في عرض أخيه المسلم. فلأجل هذا قال النبي عليه الصلاة السلام: «إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق». ودل هذا الحديث على أن أمر المسلم عظيم، وحرمته عظيمة، كما جاء في الحديث الذي أخرجه ابن ماجه وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام - وبعضهم يصححهم موقوفًا - أنه جاء إلى الكعبة وقال: «ما أعظم حرمتك! لكن حرمة المسلم أعظم من حرمتك. ما أعظم حرمتك! لكن حرمة المسلم أعظم من حرمتك». ولأن كما قال النبي عليه الصلاة السلام في ذلك المشهد العظيم، حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا». فحرمة دم المسلم عظيمة، وحرمة عرضه كذلك عظيمة، وأيضًا حرمة ماله أيضًا عظيمة، كما قد ذكرنا في الحديث الأول الذي تقدم: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد»، أو قال: «أو دون دمه، أو دون دينه فهو شهيد». طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.