شرح الأصول الستة 18

شرح الأصول الستة 18

الدرس في شرح الأصول الستة 18، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

معرفة العلماء وتمييزهم

يتناول هذا الفصل أهمية معرفة العلماء وتمييزهم عن أشباههم، وبيان العلم والعلماء والفقه والفقهاء. يشرح المؤلف كيف أن الجهل عم في تصور الكثير من المسلمين حول من هم العلماء الحقيقيون.

صفات العلماء ودلالات القرآن

يتناول هذا الفصل صفات علماء السوء وعلماء الصلاح مستشهدًا بالآيات القرآنية، مشيرًا إلى أن علماء السوء يتميزون بالكفر بآيات الله، بينما علماء الصلاح يمتثلون لأوامر الله ويخلصون النية في طلب العلم.

تحليل صفات علماء السوء

يركز هذا الفصل على خمس صفات لعلماء السوء مذكورة في القرآن الكريم، مثل كتمان الحق واستغلال الدين لمصالح دنيوية، ويشرح كيف ظهرت هذه الصفات في بني إسرائيل وتكررت في بعض علماء الأمة الإسلامية.

ختام الأصل الرابع والدعاء

يشير هذا الفصل إلى انتهاء المؤلف من ذكر مسائل الأصل الرابع ويتضمن الدعاء بالفقه والتوفيق من الله تعالى والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، أحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كان الكلام، إخواني في الله، في درس أمس عما يتعلق بالأصل الرابع، وهو الذي خصه المؤلف رحمه الله تعالى بذكر أصل عظيم على الناس جميعًا أن يتأمل فيه ويعتبر به، ألا وهو معرفة العلماء من أشباههم. فقال رحمه الله تعالى: «بيان العلم والعلماء والفقه والفقهاء، وبيان من تشبه بهم وليس منهم»، ونبهنا على مسائل متعلقة بهذه المقدمة حول معرفة أن العلم المقصود في هذا الباب، بل في كتاب الله، والعلم الشرعي، هذا الذي تتنزل له الفضائل، وهذا الذي من صبر نفسه عليه، فإن الله جل وعلا يعظم له المثوبة في الدنيا وفي الآخرة. وفي قول مؤلف رحمه الله تعالى: «وبيان من تشبه بهم وليس منهم»، بينا أن تشبه على قسمين، وأن القسم المذموم ما كان فيه محاكاة، كأنك تحاكي فتاوى العلماء، وأنك منهم، وفي الحقيقة أنت لست منهم، أنت لست منهم، فهذا من الصنف المذموم. ومن هنا، إخواني في الله، كان لزامًا على الناس أن يتفقوا في هذا الباب، وخاصة أن الجهل قد عم في تصور ومدارك الكثير من المسلمين، إذ أصبح البعض يظن ويعتقد ويتصور أن كل من تلبس وتزيَّ بزي العلماء فهو محسوب من أهل العلم، فهو محسوب من أهل العلم. لا يفرقون بين العالم وبين الداعية، وبين العالم وشبه العالم، أو بين علماء الأمة وبين علماء السوء، وأصبح الكثير تختلط عليه الأوراق، فرأى من لبس جبة وتعمم بعمامة ومسك مسبحة أو تفوه ببعض الأذكار نصبوه عالمًا مفتيًا وقاضيًا يحكم في الدماء ويحكم في الأعراض ويحكم في مصير الأمة، وهو من أبعد الناس عن هذا الباب وعن هذا المقام. فكان لزامًا على الناس أن يتفقهوا في هذا الباب، وأن يعرفوا من الناس من يعطى من العلم، لكن هذا العلم لا ينتفع به، ومن لم ينتفع بعلمه فهو ليس أهلًا أن يكون من أهل العلم. والسياق إن شاء الله، مسائل عديدة متعلقة بهذا الفصل العظيم. فإن من الناس، إخواني في الله، من قد يعطيه ربنا جل وعلا علمًا فينسلخ منه، ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾، نعم، أعطيه علمًا، لكن انسلخ من هذا العلم بماذا؟ بإرادته، حيث أنه رضي بالدنية، رضي بالدون على ما عند الله جل وعلا، فآثر الدنيا على الآخرة، فانسلخ من علمه، فهل هذا يحسب من أهل العلم؟ لا يحسب من أهل العلم. وهكذا في قول ربنا جل وعلا عندما ذكر ما يتعلق بالملكين هاروت وماروت، في أول آيات أثبت ربنا سبحانه وتعالى العلم، قال: ﴿وما يعلمان من أحد﴾، إذن عندهم علم، ثم في آخر الآيات قال ربنا جل وعلا: ﴿لو كانوا يعلمون﴾، نفى العلم في الأخير، فقال: «علماء»، إذن هذا فيه ربط، فهم في الأول آيات ذكر لهم العلم، ثم ماذا؟ نفى عنهم العلم، لماذا؟ كيف هذا؟ أن الإنسان لربما يعطى علمًا، لكن إذا وجد أنه لم ينتفع بعلمه، فهذا العلم لا يحسب علمًا. فينبغي، إخواني في الله، أن نتفقه في مثل هذه المسائل، وخاصة كما ألمحنا وأشرنا، أن غالب الفتن التي توليت بها الأمة في هذه الأزمان، تكمن في هذا الخلط وفي هذا الخبط، عندما يفرق بين علماء الأمة من العلماء الصادقين الربانيين، وبين علماء السوء ممن اتبعوا أهواءهم وملذاتهم على حساب الدنيا وعلى حساب الدين. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: «وقد بيَّن الله تعالى هذا الأصل في أول سورة البقرة، من قوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ إلى قوله قبل ذكر إبراهيم عليه السلام»، أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يشير إلى أن معرفة هذه الصفات التي يتصف بها أشباه العلماء قد وجدت في هذه الآيات التي نوَّه عليها المؤلف رحمه الله تعالى، وهي من سورة البقرة. فذلك في قوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين﴾ إلى آخر الآيات. وفي قوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل﴾، هذه الآيات وإن كانت فيها خطاب لبني إسرائيل، لكن كما يقول علماء وصول التفسير، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإن كان المخاطب بها يخاطب بها بني إسرائيل، إلا أنها عامة للأمة المحمدية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالكل يدخل في فحوى الخطاب. وفي قوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل﴾، من هو إسرائيل؟ إسرائيل هو يعقوب، نبي الله يعقوب عليه السلام، ومن أهل العلم من ذكر الإجماع على هذه المسألة، كما ذكر ذلك الشوكاني رحمه الله تعالى في «فتح القدير»، بأن المفسرين قد أجمعوا على أن إسرائيل هنا هو يعقوب عليه السلام. فهذا خطاب لبني يعقوب عليه السلام، وإسرائيل يقول العلماء أن معناها «عبد الله»، وإسرائيل معناها «عبد الله». ووضح بعض العلماء كيفية تصريف هذه الكلمة، بأن إسرائيل عبارة عن مسج لكلمتين، الأولى «إسراء» والثانية «إيل»، أما «إسراء» بمعنى العبد، و«إيل» بمعنى الله جل في علاه، وهذا في لغتهم، وفي كلامهم يستخدمون هذه المصطلحات، فعندهم العبد «إسراء»، وعندهم الله جل في علاه «إيل»، فهو إسرائيل، أي «عبد الله»، هكذا قال جماعة من المفسرين. فقال ربنا جل وعلا: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين﴾، إلى قوله: ﴿وإيايا فارهبون وآمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا وإيايا فاتقون﴾. هذه الآيات من الآيات الأولى التي عناها المؤلف رحمه الله تعالى، أن فيها إشارة، وفيها كذلك بيان لحال علماء السوء، وهذا الذي ابتليت به بنو إسرائيل. فمع كثرة فضائلهم، وأن الله جل وعلا فضلهم على العالمين، أعطاهم الله من المناقب ومن الكرامات ما لم تكن لأحد من الأمم، اصطفاهم الله بإنزال أنبيائه، بإنزال كتبه، وإنزال رسله على هذا الشعب، ورفع عنهم البطش وجبروت فرعون، وكان يقتل رجالهم ويستحيي نساءهم، فأنجاهم الله جل وعلا مما هم فيه من بلاء، وأنزل عليهم المن والسلوى، ومكن لهم البلاد، كل هذه الفضائل التي أعطاهم الله جل وعلا بها، إلا أنهم تجرؤوا على ما دين الله وشرعه. فكان من صفاتهم، والذي أراد المؤلف رحمه الله تعالى عند ذكره هذه الآيات، أن نتأمل فيها ونتعرف على بعض صفات علماء السوء، في قوله تعالى: ﴿وآمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به﴾، من أعظم صفات علماء السوء الكفر بآيات الله، الكفر بآيات الله، الكفر بمعنى الجحود، بمعنى الرد، بمعنى الإعراض، وهذا كانت الصفة المشهورة عند بني إسرائيل من علمائهم. أنهم كانوا ينظرون إلى أحكام الشريعة عندهم، إذا كانت ملائمة ووافقت أهواءهم قبلوها، وإذا كانت هناك فيها معارضة لأهوائهم، سرعان ما ردوها، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون﴾، بذلك عندهم هذا يعني أمر لا يشكل عندهم، ينظرون إلى حال هذا الأمر الذي جاءهم من ربنا جل وعلا عن لسان أنبيائه ورسله، فإذا رأوا أن هذا الرسول جاء بما يوافقهم قبلوه، وإلا استكبروا فردوه، إما قتلوه وإما أدبروا عنه. فهذه من الصفات الذميمة التي ابتلي بها بنو إسرائيل، وكذلك قد فشت وضاعت في بعض علماء من ينتسب إلى العلم، وهم من علماء السوء، مما لا يرفعون لها رأسًا، ولا يلقون لها بالًا، لربما تراه على مرض أو على شهوة أو على أمر من أمور الدنيا، فيأتيه الأمر من شريعة الله عز وجل القاضية بترك هذا الفعل أو القاضية بامتثال هذا الأمر، إذ به لا يرفع رأسًا بأوامر الله جل وعلا، هذا من صفات علماء السوء. قال ربنا جل وعلا: ﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾، فمن شرط علماء الصلاح، علماء الأمة، ومن أراد أن ينور إلى هؤلاء الثلة، فعليه بهذا الضابط، أنهم يحكمون شرع الله في أنفسهم، أنهم يمتثلون ما أمر الله جل، ويكونون من المسابقين ومن المسارعين إلى طاعة الله جل وعلا. أما أنك تجد رجلًا من محسوب على الأمة من العلماء، لكن ماذا؟ يأتي ما نهى الله جل وعلا، ويتجاسر على فعل الذنوب والمعاصي، فهذا ليس محسوبًا من العلماء الربانيين. وفي قوله تعالى: ﺷراء بآياتي ثمنًا قليلًا﴾، هذه الصفة الثانية من الصفات التي يتمتع بها علماء السوء، أنهم يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، يتخذ من شريعة الله جل وعلا تجارة، يتاجر بها، يستغل ما عندهم من علم، وهذا الذي كان عليه بنو إسرائيل. أنهم يستغلون ما هم عليه من علم ومن فهم ومن دراية لعلم الشريعة، أنهم يبتزون أموال الناس، يبتزون أموال الناس بأخذ المكوس، بأخذ الضرائب، بأخذ الأموال بحجة أن هذا مما فرض الله عليهم على هذا الشعب المسكين. وكم استطاع الرهبان والأحبار في دين اليهود والنصارى أن يستغلوا مسألة الدين بأكل أموال الناس بالباطل. وما يخفى عليكم في قصة سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، عندما دخل في الإسلام، كيف كانت حياة بعض هؤلاء أنهم كانوا على جشع، كانوا على طمع، وكانوا يستغلون دينهم وفهمهم لدين الله بابتزاز أموال الناس. فهذا من علامة علماء السوء، أنهم يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا. والأصل يا عبد الله أن دين الله، وأن العلم الذي تؤتيه، عليك أن تخلص النية، أن تخلص النية، أنك ما تريد من هذا العلم إلا رضا الله جل وعلا، لا تريده حظًا من حظوظ النفس، حظًا من حظوظ الدنيا. وكذلك لا يخفى عليكم ما جاء في حديث الثلاثة، أول من تسعر بهم النار، ذاك الرجل الذي أعطاه الله علمًا، فيذكره الله جل وعلا بنعمه فيذكرها، فيقول: «ماذا عملت بها؟» فيقول: «يا رب، تعلمت فيك وعلمته للناس»، فيقال: «قد كذبت، إنما فعلت ذلك ليقال عنك عالم، وفي وجه آخر: ليقال عنك قارئ، وقد قيل»، فيؤمر فيسحب بالنار، هذا جزاء من اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا، حظًا من حظوظ الدنيا. وهذا وقد رأينا في هذا الأزمان من يستغل جهل الناس بدين الله بأن يمتص أموالهم، رجل في قرية من القرى أعطاه الله علمًا مثل علم الزكوات أو علم الفرائض، وتلك العلوم التي لها علاقة بأموال الناس، فيستغل جهل الناس بأحكام الشريعة أن يأخذ منهم سهمًا أو يأخذ منهم جزءًا، أو يتخذ من هذا العلم الذي يظنه علمًا أنه يحتقر الناس، بأن يؤدى إليه الخمس كما يفعل الروافض، أو شبيه بالخمس كما سمعنا في بعض القرى، يلتزمون في كل عيد أن يخرجوا رأسًا أو عدة رؤوس لذاك الشيخ ولذاك الحبيب ولذاك الولي، يستغلون هؤلاء جهل الناس فيشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا. فهذا، إخواني في الله، من طبع علماء السوء، أما علماء الصلاح وعلماء الأمة، فإنهم لا يرضون أبدًا أن يساومون بدين الله شيئًا من الدنيا، وإنما يبذلون دين الله جل وعلا لله في الله، ولرفع الجهل عن أنفسهم أولًا، ورفع الجهل عن أمة محمد عليه الصلاة والسلام، حتى يقبل الجميع، الفرد والمجتمع، على أن يتعبد الله جل وعلا وهو على علم وعلى دراية. وهكذا في قوله تعالى: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون﴾، هذه الآية يقول العلماء: فيها ذكر لصفتين اثنتين، وإن كان بعضهم عدها واحدة، لكن صحيح أنها صفتان اثنتان، الصفة الأولى في قوله تعالى: ﴿ولا تكتموا الحق﴾، كتمان الحق، هذه مسألة، وإلباس الحق بالباطل، هذه مسألة ثانية. فهذه الصفة من صفات علماء السوء، وهو كتمان الحق، الأصل أن الله جل وعلا عندما مكن لبني إسرائيل من العلم والفهم، أراد منهم جل في علاه أن هذه العلوم تكون ظاهرة، تكون بين الناس، حتى يتعبد الناس بما أمر الله جل وعلا، وبما أنزله في كتبه، فلا يفهم هذه الأحكام إلا العلماء، لكن ما الذي فعل بنو إسرائيل؟ أنهم كتموا هذه العلوم، فإذا رأوا أن هذا العلم أو ذاك العلم أو هذا الحق الذي بين أيديهم فيه تضييع لحساباتهم، أرادوها، إما حسدًا أو إما بخلًا أو أن الذهاب لمناصبهم. كما نبّه على ذلك الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وذكر عدة مسائل من أسباب كتمان العلم، وكتمان الحق، فإن هذا يجعل من كان هذا صاحبه مع المأسورين، ولا أدى العباد حق الله. ومن فعل بنو إسرائيل كتمان الحق، ما فعلوه مع نبينا عليه الصلاة والسلام، بنو إسرائيل، اليهود والنصارى، كانوا من أعلم الناس بنبوة نبينا عليه الصلاة والسلام، قال جل في علاه: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وإن كثيرًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون. فعندهم علم بالعلم، وعلم بالحق، لكن ماذا؟ آثر الكتمان لمصالح علموا أن إذا بثوا للناس أن محمد بن عبد الله هو نبي الأمة، إذا ذهب دين اليهود على حد زعمهم، وذهبت دولتهم، وما أصبح لهم قيمة، وأن مكانتهم عند قلوب الناس تذهب، لا أحبار، لا رهبان، لا أموال تؤتى إليهم، لا الفخامة، لا الحشمة، وغير ذلك مما زين الشيطان في قلوبهم، رأوا أن ذلك كله سيزول إن بثوا للناس أن محمد بن عبد الله هو نبي الأمة، فآثروا كتمان الحق. وهذا كذلك، إخواني في الله، مما جرى ويجري في بعض علماء السوء من هذه الأمة، ممن يدري ويعتقد، بل على يقين، أن ما عليه أهل السنة والجماعة، ما عليه العلماء من أهل الرسوخ، أنه الحق المبين، لكن يعلمون أنه إذا صرحوا ذلك للأتباع، وصرحوا بذلك لمن كان في جماعتهم أو تحت طريقتهم أو كان من المعجبين بهم، أنه إن صرحوا هذا لهم، فإن الناس تركوهم، وأن الناس هجروهم، فلا تلك الشهرة، ولا ذلكم الذكر الحسن، أو الثناء، أو الإشارة بالبنان، كل ذلك سيزول إن ماذا؟ أشاروا إلى علماء السنة بأنهم على حق، وأنهم على صواب، فيأثروا ما هم فيه من باطل، ويكتموا الحق الذي يعلمونه ويدرونه. والصفة الثانية، وهو لبس الحق بالباطل، وهذه الصفة أخبث من الصفة الثالثة، الصفة الثالثة هي كتمان الحق، كتمان الحق، لكن الصفة الرابعة، أنه لا يكتفي بكتمان الحق، وإنما يلبس الباطل صورة الحق، يلبس الباطل صورة الحق، وهذا الذي كان يفعله بنو إسرائيل، وكانوا يتخذون الحيل في هذا الباب، يتخذون الحيل في هذا الباب، نهاهم ربنا جل وعلا عن الاصطياد يوم السبت، كان منهم من كتم وسكت، وما بث ذلك للناس، كان هذه مصيبة، لكن ارتقوا إلى مصيبة أعظم، أن هذا الباطل صوروه بصورة الحق. وذلك باتخاذ الحيل، فقالوا: «لا عليكم، سواء تلقوا الشبكة في يوم الجمعة، ثم ترفعونها في يوم الأحد، فتأخذون الصيد من الشبكة، فإنكم لم تصطادوا يوم السبت»، فاتخذوا الحيل. وهكذا عندما حرم ربنا جل وعلا عليهم أكل الإبل، فما الذي فعلوا؟ أشاروا إلى أتباعهم أن يذوبوها، يذوبوها فيصبحوا زيتًا، فيبيعوه، يصبحوا زيتًا، فيبيعوه، انظر، هو ليس كتمان الحق، بل إلباس الباطل بصورة الحق. وبهذا ظهر الفساد، وهذا كذلك مبتلى به هذه الأمة على يد علماء السوء، أنهم يزينون الباطل للناس، وقد مر ذلك معنا، وقد أشار المؤلف رحمه الله تعالى كثيرًا لهذه المسألة، تجد أن من أهل العلم أو من يدعي العلم، يأتي إلى الكفر البواح والكفر الصريح، ويجعلهم من مسائل التوحيد، ويأتي إلى البدع المشينة والبدع المحدثة، ويجعلها من قالب الدين، ويأمر الناس بها. وهكذا قسرًا، عبد الله، في كثير من المحرمات، وكثير من المصائب، ومن المبيقات التي جاء الكتاب والسنة بتحريمها، إذ بعلماء السوء ماذا؟ يزينون هذا الباطل، وهذا المحرم على صورة حق. وأما الصفة الخامسة، إخواني في الله، التي جاء ذكرها في قوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون﴾، فهذا كذلك من صفة علماء السوء. أنهم إن أمروا، وإنه إنما كان ذلك للناس، أما هم في أنفسهم، فكانوا لا يلتزمون بما يأمرون به غيرهم، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿كبر مقتًا يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون﴾، كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. فهذا، إخواني في الله، مسألة سريعة، لأن المؤلف رحمه الله تعالى أشار إليها، فكان من باب إعطاء المسألة حقها أن نعرف ما هي الصفات التي أرادها المؤلف رحمه الله تعالى أن نتعرف عليها. ومن خلالها سنتعرف على أشباه العلماء، وعلى من يدعي العلم، وهم ليسوا من أهل العلم. فمن الآيات التي أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى، تعرفنا على خمس صفات من ذلك: الكفر والرد والجحود لأوامر الله جل وعلا، الثاني: شراء، استغلال الدين من حظوظ النفس وحظوظ الدنيا، الصفة الثالثة: كتمان الحق، الصفة الرابعة: إلباس الحق بالباطل، الصفة الخامسة: أنه لا يأتمر ولا ينتهي عما يأمر وينهي به الناس. وتأتي مسائل إن شاء الله متعلقة بهذه الفقرة من أصل الرابع، فقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسائل عديدة مهمة متعلقة بهذا الأصل العظيم، وهو بيان العلم والعلماء، فأسأل مولاي جل وعلا أن يفقهنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.