شرح الأصول الستة 22

شرح الأصول الستة 22

الدرس في شرح الأصول الستة 22، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الكرامة وشروطها

يتناول تعريف الكرامة عند أهل السنة والجماعة، ويشير إلى شروطها وفرقها عن المعجزة والإهانة والفتنة. يُبين أن الكرامة تتعلق بتكريم الله للولي.

تفاوت الكرامات وعلاقتها بالإيمان

يشرح تفاوت الكرامات بين الأولياء والصالحين حسب إيمانهم وتقواهم، ويبين أن الكرامات لم تكن ضرورية للصحابة لثبات إيمانهم. لا تقع الكرامات لأهل البدع لعدم إيمانهم.

حقيقة الكرامات وأسبابها

يشرح حقيقة الكرامات وأسباب وقوعها، ويفرق بين الكرامات الحقيقية وغير الحقيقية التي قد تكون من فعل الشياطين أو حيلًا. يمكن أن تقع كرامات لأهل البدع أثناء جهادهم ضد الكفار.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر الاعتراف بقدرة الله وولايته على كل شيء.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، فلازلنا أخواني في الله في الأصل الخامس من هذه الرسالة العظيمة التي بين فيها المؤلف رحمه الله تعالى الأصول العظيمة التي يقوم بها ويقوم بها دين الإسلام. والأصل الخامس الذي بين أيدينا يتعلق بمسألة الولاية، ومن هو الولي، ومن هو المدعي لها. وكان الكلام في دروس سابقة يتعلق بأمر الكرامة، وخاصة أنها من المباحث التي لا تنفك عن مسألة الولاية. ذكرنا ما يتعلق بالكرامات، ما يتعلق بتعريفها، وما يتعلق بموقف أهل السنة منها، وهكذا ما يتعلق بحال بعض الفرق إزاء هذا المبحث. وقلنا أن الكرامة عند أهل السنة والجماعة هي أمر خارق للعادة، ليس مقرونًا بدعوى النبوة، يجريه ربنا جل وعلا على عباده الصالحين. وقلنا أن هذه الفقرات الثلاث يراد منها مسائل ويراد منها مباحث، وقد تم ذكرها في درس سابق. وتتمة لهذا المبحث، كذلك من أهل العلم من يضيف في تعريف الكرامة شرطًا إضافيًا زائدًا عما ذكر. فبعضهم من أهل العلم كذلك يقولون في تعريف الكرامة: هو الكل منتفق على أنها أمر خارق للعادة يجريه الله جل وعلا على يد من أوليائه تكريمًا له. فيقولون أن هذا أمر مهم وضابط مفيد في إضافة لفظ الكرامة التكريم لمصطلح الكرامة. ووجه ذلك قالوا: لأنه قد يوجد أشخاص تقع على أيديهم من خوارق العادات، إلا أنها إهانة لهم، يجعل ربنا جل وعلا فيها الإهانة لهم. ومثاله: ما جرى لمسيلمة الكذاب، ذاك المدعي الذي ادعى النبوة، وكان يدعي أن بيده إجراء الآيات وتجري الآيات، وبإمكانه أن يحدث خوارق العادات. لكن انظروا إلى الآيات التي ادعاها، وكيف وقعت. فجاءت في كتب السير، وهذا مشهور ومعروف عنه أنه قيل له: أن بئرًا من الآبار انخفض فيها مستوى الماء وقل الماء، وأراد منه أن يدعو وأن يتفل وأن يبصق على هذه الماء حتى تفيض. وكان معروفًا في عهد نبينا صلوات ربي وسلامنا عليه أنه فاض على يديه صلوات ربي وسلامه على آية من آيات الله. فأنت تدعي النبوة، ففعل كما فعل الأنبياء من قبلك، وأنت تدعي النبوة فأجري إلى هذه البئر ودعا وأجرى هذه الطقوس من البصاق والتفل، فإذا بالماء غار، أي زاد في الغوران، وضاع الماء، وتلف الماء. بالأمس كان الماء لا بأس به، الآن لا ماء. هذا أمر خارق العادة، يعني كون شخص يأتي عند ماء ويتكلم ثم الماء يضيع، هذا أمر خارق العادة ما يجري. لكن هل هذا فيه إكرام أم فيه إهانة؟ هذه إهانة، وهذه ما تسمى كرامة، وهذا أمر خارق للعادة، لكن وقع على وجه إهانة. فما يسمى هذا كرامة، بل تسمى إهانة. وبالمثل كذلك، هذا ذكره مشهور عن مسيلمة الخبيث الضليل، جاء له بطفل قد تقصع شعر رأسه، يعني شعر هنا ولا شعر هنا، أجزاء من رأسه الشعر قد تقطع وقد تفرق في رأسه. فقيل له مسيلمة: ادعُ وهو يتيم، ادعُ على هذا اليتيم وامسح على رأسه، علّ وعسى ببركة دعائك ولمسة يدك أن يظهر الشعر. فلما مسح رأسه اليتيم، إذا بالشعر يتحات يتساقط، لا شعر الذي يؤمل فيه خير ذهب هذا الخير كله. فهذه طبعًا أمر خارق للعادة، خارق يعني. هل تدخلون شخص يأتي بيده فيجعل الرجل على رأس الرجل ثم يسقط؟ هذا صالون حلاقة، صالون ما يحتاج إلى مقص ولا شيء، لكن هذا خارق العادة. لكن هل جرى هذا باب إكرام له أم إهانة؟ فهذه إهانة. فيقول العلماء: إذا من الفوارق فلابد من إضافة هذا القيد، أن إذا كانت خوارق العادات فيها تكريم لهذا الذي وقعت له هذه الآية ولهذه المسألة الخارقة، فهذا يسمى كرامة. أما إذا وقعت على سبيل إهانته، فهذا يسمى إهانة وليست بكرامة. فمن هنا خُلص بعض العلماء إلى أن خوارق العادات تكون على أربع حالات: أن خوارق العادات على أربع حالات، إما أنها آية وهي التي مشهورة عند الكثير من المتأخرين باسم المعجزة، إما آية وإما كرامة وإما إهانة وإما فتنة. فأما الآية وهي المعجزة والكرامة، فهي تقع لعباد الله الصالحين. وأما الإهانة والفتنة، تقع لأهل الفجور ولأهل الضلال. وأما الفرق، وقد مر ذلك معنا، أما الفرق بين الآية وهي المعجزة مع الكرامة، الفرق بينهما أن الآية تقع للنبي، وأما الكرامة فقد تقع لولي، تقع لولي. فذاك يدعي النبوة بها، وهي آية من آيات نبوته. وأما الكرامة فليس فيها الدعاء بالنبوة. ومع الفرق طبعًا، وذكرنا هذا في درس أمس: أن الخارق للعادة الذي يقع على يد نبي ليس بمثل الخارق للعادة الذي يقع للولي. وقد نبه العلماء على ذلك، ففرق بين هذا وذاك. صحيح أن بعض خوارق العادات التي تقع لبعض الأولياء هي شبيهة وهي من جنس ما يقع للأنبياء. مثال ما وقع لإبراهيم عليه السلام من الآيات التي جرت لنبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام، أنه ألقي في النار، وما أخرج هذه الآية المعجزة التي وقعت لإبراهيم. ووقع ما يشابهها لبعض الصحابة، وقيل لبعض التابعين: أنه أدخل على النار. كما قيل لبعض الصحابة في غزوة اليمامة أدخل في النار، وما أخرج. فقد يقول إذن هذا أدخل في النار وما أخرج، وهو إبراهيم نبي، وهذا أدخل في النار وما أخرج، هذا ولي. إذن كيف نفرق؟ فيقول العلماء: فرق صحيح، أن كرامة الولي هذه من جنس آية النبي، لكن الفرق من حيث عظمها، من حيث تحديها، من حيث أثرها في المجتمع وفي دنيا الناس، فلا قياس. فكانت لإبراهيم عليه السلام النار، ليست كانت تلك النار والتحدي الذي جرى في نار إبراهيم ليست كذاك التحدي، فيختلف هذا من ذاك. وكما قلنا: أن الخارق للعادات الذي يجري في حق الولي من أولياء الله، إنه خارق محدود لعادة أهل زمانه. وكذلك أما يتعلق بين الإهانة وبين الفتنة، وما يقع لأهل الضلال ولأهل الشر، يقع منهم خوارق العادات، لكن إما تكون إهانة وإما تكون فتنة. والفرق بينهما: أن الضال من الساحر ومن المشعوذين ومن أهل الفجور، أنه إذا وقعت لهم خوارق للعادات في أمر يحبونه، فهو حينها فتنة. وإن وقع منهم خوارق للعادات لشيء يكرهونه، فهذه إهانة. ساحر استطاع أن يطير في الهواء، يطير في الهواء، وبهذا الطيران استطاع أن يستميل قلوب الناس إليه، إذن هذه الخارقة العادة وقعت لشيء يحبه، فإذا هذه فتنة، ما تسمى كرامة وليست بآية، هذه فتنة. وأما إذا هذه الخارقة وقعت لهذا الضليل لأمر لا يحبه، كما وقع لمسيلمة، فماذا يسمى؟ تسمى إهانة، تسمى إهانة. فينبغي إخواني أن نفرق هذا كما يقولنا عليه عمل بعض العلماء في هذا الباب. كذلك من المسائل المهمة في باب الكرامات، وخاصة وحيث قد طرقنا هذا الباب، ما يتعلق بوقوع الكرامة أن تقع لأولياء الله ولعباد الله الصالحين. والكرامات تتفاوت، الكرامات تتفاوت، لا تتساوى، لأن كما قلنا: مرد الكرامة الإيمان والتقى. فكما أن الناس يتفاوتون في إيمانهم ويتفاوتون كذلك في تقواهم، فكذلك الكرامات تتفاوت. فهي ليست في الحجم سواء، وليس في الحجم سواء، بل بالعكس، يشير بعض العلماء إلى مسألة مهمة في هذا الباب. ولعل سيأتينا بحث مطول في إن يسر الله في ذكر هذه المسألة، وهي أنه لو ربما تقع كرامة لمن إيمانه ليس بالكامل، ومن كمل إيمانه لا تقع له كرامة، لا تقع له. هذا قد يقع. لماذا؟ يقول العلماء: لأن من فوائد الكرامة، وسنأتي هذا، ما هي الفائدة من إيقاع، يقول العلماء: من فوائد الكرامة أنها إكرام كما ذكرنا، أو أنها تأييد لما لهم من حق، أو أنها تأتي كتثبيت تثبيت لإيمانه، تثبيت لإيمانه. ومن هنا من هذه الفائدة تنبه لها من هذه الفائدة، نعلم السر في أن الكرامات تظهر في العصور المتأخرة، ما لم تظهر في القرون الأولى. فلو جئنا إلى عهد الصحابة، هل وقعت كرامات؟ نعم وقعت كرامات بين الصحابة. نأتي إلى ما بعد عهد الصحابة في عهد التابعين، هل وقعت عندهم كرامات؟ نعم بكثرة، نعم وبكثرة. في أتباع التابعين نعم وأكثر وأكثر. طب لو جئناك بقياس شرعي، أيما أعلى إيمانًا وتقى؟ الصحابة لا شك في ذلك ولا ريب. طب لماذا كثرت الكرامات في زمن التابعين، وهم مقارنة بالصحابة أقل إيمانًا منهم؟ قال علماء: لأن من فوائد الكرامات أنها تأتي تثبيتًا لصاحبها. والصحابة رضي الله تعالى عنهم لقوة إيمانهم ما احتاج إلى كرامة، انظر لقوة إيمانهم ما احتاج إلى كرامة، لقوة إيمانهم هم على ثبات ما يتزحزح أبدًا. فالكرامة إنما تزيد قوة على قوة، فهم ليس في ضعف حتى يحتاج إلى كرامة تؤيد ما هم عليه. فتنبهوا أنا في الله والمنة، هذه فيه رد على من يحتاج أن لابد للولي من كرامة، هذا ليس بشرط. فالصحابة أولياء الله، أولياء الله جل وعلا، ومع ذلك ما وقعت منهم كرامات ولا خوارق عادات، لأن الكرامة إنما تعطى إما كمقوية تأييد، وإما تكريم، وإما تثبيت. وفي المسألة الثالثة ينكشف السر في كثرة الكرامات في القرون المتأخرة، ما لم يكن في القرون الأولى، لأن يراد منها تثبيت صاحب الكرامة. والصحابة رضي الله تعالى عنهم لقوة إيمانهم، فهذه الكرامات تنفع، لكن ليس بذاك النفع القوي، لأن إيمانهم ثابت راسخ. وقد شهد ربنا جل وعلا على إيمانهم، بل وعلى قوة وصحة إيمانهم. تأتي مسألة تتبع هذه المسألة، ما يتعلق لأهل البدع والأهواء. فيقول العلماء، وهذا من معتقد أهل السنة والجماعة: أن الكرامات لا تقع لأهل البدع، لا تقع لأهل الأهواء، لا تقع لأهل الفجور. وهذا واضح، لأن من شرط الولي أن يكون مؤمنًا تقيًا، من شرط الولي أن يكون مؤمنًا تقيًا، وقد مر معنا. فلا يمكن لعبد مبتدع أن يكون تقيًا، لا، لو كان تقيًا حقًا لاتبع السنة ظاهرا وباطنًا. لكن لعناده ولمخالفته ولمحاربته للسنة، فقد أبعد عن ساحة الإيمان والتقوى، فضلا أن يحشر مع الأولياء ويحشر مع أصحاب الكرامات. فيعتقد أهل السنة والجماعة أن الكرامات لا تقع لأهل البدع وأهل الضلال وأهل الفجور والمجون. تأتي مسألة هنا ونبه عليها، وهي مسألة مهمة، وهي من المسائل الذي يقع فيها الإشكال. قد يقول قائل: هذا كلام واضح، لكن أين التطبيق؟ يقول: الواقع على خلاف ما تقول، فإننا نرى أن هناك كرامات قد ظهرت، قد ظهرت لمن تصفونهم أنتم بأنهم مبتدعة، بأنهم من أهل أهواء، وأنهم كذا وكذا، ومع ذلك ظهرت كرامات وأمور خارقة للعادات على أيديهم. فكيف الرد؟ يقول العلماء: أن ما يقع من خوارق العادات وما تسمى كرامات على حد زعمهم، وخرجت على يديهم، أولا فإنها تحمل على أمرين اثنين، إما المحمل الأول: أن هذه الكرامة عبارة عن حيلة، حيلة تستخدم من خفة يد، تستخدم لدهاء ومكر، تصبغ باسم خارق للعادة، وإلا هي حيلة. مثال طريف لهذا الباب ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن فرقة تسمى الرفاعية، وهي أتباع أحمد الرفاعي، وهي أظلم في أرض الشام. وهذه الفرقة تدعي الولاية وأنهم أولياء لله جل وعلا، ودليلهم ما يقع لهم من كرامات. وأعظم كرامة كانوا يدعونها: أنهم يدخلون النار ولا يحترقون فيها، يدخلون النار ولا يحترقون فيها. وقد وقع هذا منهم، كانوا يؤججون نارًا فيدخل الواحد منهم ويخرج وما احترق. فكان الناس ينبهرون لذلك، وأهل الجهل يقول: هؤلاء أولياء لله، كرامة وقعت لهم. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى تحدى هؤلاء، تحدى هؤلاء. فلما أرادوا فقام، فلما جاءوا في محل التحدي، أمرهم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قبل أن يدخل إلى هذه النار أن يغتسلوا، أمرهم أن يغتسلوا، فأبوا. فقال: هذا الشرط إن أردتم استكمال التحدي اغتسلوا ثم أدخلوا، فأبوا وأضطروا من ذلك، فرفضوا. وحين أبان شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن مكر هؤلاء، وأن هؤلاء بالحقيقة إنما كانوا يستخدمون زيتًا معينًا، زيت معين كان يدهن في الجسم، فيمتنع ماذا؟ من الحرارة، يكون حماية من الحرارة من النار، لحظات محدودة. فكان هذه الفرقة يتواطؤون على هذا الزيت، يدهنون به ثم يدخلون النار ويخرجون، فلا تمسهم بشيء. فالناس أظن أنها كرامة، وهي حيلة. فلما علم شيخ الإسلام بهذه الحيلة، أمرهم بأن يغتسلوا، لأن إذا اغتسلوا أزيح هذا الزيت، فأصبحوا بلا مادة، فدخولهم في النار احتراق مباشرة. فعلم الناس وعلم القاص والداني بخبث هؤلاء، وأنها حيلة من الحيل، أنها حيلة من الحيل، فكذبوهم. وهكذا قس أشياء كثيرة، كما نرى في بعض ما يسمى مراقص الأفاعي، يراقصون الأفاعي، يأتي بعود ويحرك العود، وتأتي كوبرا وهكذا تتحرك معه. فيقولون: أنظروا كوبرا هذا الحيوان وهذه الدابة السامة ترقص بين يديه. وما علموا أن هذه كذلك ألعوبة، فيستخدم خفة يده، لأنها لا تسمع، كما يقول في العلم الحديث: أن الأفعى لا تسمع، لكن تتأثر بالحركات. ولهذا تتحرك مع المزمار، تتحرك مع المزمار، وهي ترى كان شيء فجاءت أن تنظر إليه. فهي لا ترقص، لا ترقص على كما قال دفت المزمار، هي لا تسمع، ولكن تتحرك مع حركة المزمار. فيرى الناس أنها تتراقص، وهي لا تتراقص، وإنما هي حركة حيلة يستخدمها أولئك في هذه الألعوبة. وهكذا قس. فما يقع من كراماتهم ولا المزعومة، إنما هي حيل. الأمر الثاني: وهو أن ذلك إن وقع، فإنما يقع من فعل الشياطين، من فعل الشياطين. فإن هؤلاء لخبثهم وضلالهم، فإن الشياطين تسخر لهم، تسخر لهم على كفرهم وعلى فسقهم، يستحذون عليها، وهم يستحذون عليهم. فيتعاونان الساحر والمشعوذ مع الشيطان مع القرين على فعل مثل هذه الأمور. وليس نرى مثال ذلك: يأتي بعضهم بالسيخ أو بالسيوف والخناجر والسيخ والسكاكين، فيجعلها في بطنه ويجعلها في صدره. ومنهم من يدخل السيخ من هذا الشق ويخرجه بالشق الثاني، كل ذلك بفعل ماذا؟ بفعل الشياطين، اللهم إلا أن يندمجوا ويتلبسون ويتقمصون شخصية هذا الضليل، فيكون الغرض فيهم، فلا يؤثر فيهم، فلا يؤثر فيهم. وقد كثر أخبرنا من بعض إخواننا، وهذه القصص قد ذكرها بعض كثير من الدعاة: أنهم كانوا يحضرون يحضرون مثل هذه المجالس التي يقوم فيها أهل الشعوذة بفعل مثل هذه الكرامات المزعومة. فيقولون: فإذا جئنا وذكرنا الله جل وعلا أو ذكرنا آية الكرسي ورفعنا صوتنا بها، فإذا بهذه الكرامة تقف، ما يمكن أن تستكمل. لماذا؟ لأنها ليست كرامة، هي فعل شيطاني. لكن الشيطان إذا حضرت إليه هذه الآيات تتلى، تهرب من هذا المجلس، فلا يستطيع أن تستمر في لعبتها وفي فعلها. فتقف الكرامة المزعومة عند هذا الحد، وما يستطيع الساحر يفعل شيئًا، إلا إذا طرد هذا الذاكر وهذا يخرج من مجلسه، فحين ترجع الحركة إلى ما كانت عليه. فهي الحقيقة فعل الشياطين. ننبه إلى مسألة أخيرة في هذا المقام، وهي مسألة مهمة: أن الكرامة كما قلنا لا تقع لأهل البدع، إلا أن العلماء استثنوا حالة واحدة، حالة واحدة. نعم يمكن للكرامة أن تقع على أهل الأهواء والبدع، متى تقع؟ قالوا: إذا كان ذلك في جهادهم مع الكفار، في جهادهم مع المشركين. قد تقع على يد أهل البدع شيء من الكرامات. ونبه على ذلك، وقد نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه النبوات، نبه على هذه المسألة، وأنها قد يمكن لبعض المبتدع من المخالفين لأهل السنة من الفرق الضالة: أنه إذا دخل في قتال وجهاد مع مشركين، مع فرق ضالة، يتواجهان. فهنا يمكن، وهذا متصور ومتوقع، وقد وقع وحصل، تقع كرامات في صفهم المبتدعة، تقع منهم كرامات. لماذا؟ يقول علماء: ليس تأييدًا لبدعتهم، وإنما لأصل الدين، لأصل الإسلام الذي حملوه، لأن المعركة ستكون بين كفار وبين مسلمين، بغض النظر عن فكرهم، بغض النظر عن بدعتهم. الراية العامة راية كفر، وراية إسلام، هذا الظاهر. فهنا فينزل ربنا جل وعلا آيات على هؤلاء، لا لبدعتهم، لا، وإنما لأصل الدين الذي رفعوه وحملوه. فينصرهم الله جل وعلا على الكفار وعلى المشركين. فهذا قد يقع، ومن هنا إخواني في الله يزول الإشكال الذي دائما يطرح في بعض المسائل. نقع في فتن أزمات المتأخرة، تقع مقاتل ومعارك بين اشتراكيين، بين روس مع بعض الفرق الضالة من الأشاعرة، ونحو ذلك من بعض الفرق المتصوفة، يقع قتال، ثم تأتينا أخبار، تكتب كتيبات وعن وجد كرامات في صفهم. فيأتي المستبعد ويأتي الجاحد لها، ويأتي الذي يردها مطلقًا. نقول: نعم، بعض الكرامات التي تأتي وتصور وتذكر: أن هناك فلان مات مبتسمًا، فلان له ريح المسك، فلان كذا، فلان كذا. فالأصل أن بعضها فيه مبالغة، كما صرح بذلك العلماء، صرحوا أن هناك مبالغات تقع في هذا الباب. فنصف المبالغات طبعًا تبقى حقيقة. طب ما هو محل هذه؟ هل لها أصل؟ نعم لها أصل. فإن هذا لا يستبعد، وقد نبه العلماء على ذلك: أن الكرامة قد تقع لأهل البدعة في هذه الحالة، في حالة تواجههم مع الكفار مع التمييز: أن ذلك ما وقع تأييدًا لبدعتهم، وإنما تأييدًا لأصل الدين الذي حملوا. فهم رفعوا لا زالوا راية الإسلام، بغض النظر عن فكرهم، هي راية الإسلام، وتلك راية الكفر والإلحاد. فينصر ربنا هؤلاء على هؤلاء، ويؤيدهم ببعض الكرامات. لهذه المسألة، فبهذا يزول إشكال، فلا يدعي داع بعد ذلك أنهم على حق وعلى نصرة، وأنهم على منهج القوم، بحجة تلك الكرامة وتلك الكرامة. يقول: هنا الكرامة في هذا الباب، لم تأت لباب التأييد ما أنتم عليه، وإنما جاءت لماذا؟ لأصل الدين الذي حملتموه. وقلنا: هذه المسألة نبه عليها بعض المؤمنين قديمًا، وهكذا من المعاصرين. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.