الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 461، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
كان الإمام البخاري مجتهدا يتبع الحديث ولا يتقيد بمذهب معين، وألف كتبا كثيرة في مختلف العلوم. كان على طريقة أهل الحديث في الاجتهاد ويُنتقد المذاهب الأخرى.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو عند اشتداد الريح بقوله «اللهم لقحا لا عقيما» وغيرها من الأدعية. كما يتطرق إلى أسباب تغير وجه النبي عند رؤية الريح.
يُفصل الفرق بين "الريح" و"الرياح" في القرآن، حيث تدل الأولى على العذاب والثانية على الخير والغيث، مستشهدا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام البخاري رحمه الله في «الأدب المفرد»: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي مولاه البخاري، له كتاب غير «الصحيح»، وهو «الأدب المفرد»، وله كتب كثيرة، وهو من أوائل من ألف الكتب الكثيرة رحمه الله. فألف في الجرح والتعديل «التاريخ الكبير» و«الصغير» و«الأوسط»، وألف في «الصحيح» «صحيح البخاري» حديث، وألف أيضا «الأدب المفرد» أجزاء، وألف أيضا في «القراءة» جزء «القراءة»، وألف في «رفع اليدين»، وأيضا ألف في «خلق أفعال العباد»، فله كتب كثيرة رحمه الله. وكان مجتهدا، الإمام البخاري كان مجتهدا رحمه الله، لا يتقيد بمذهب، لم يعرف عنه أنه يتقيد بمذهب، مع أن أهل بخارى كانوا في ذلك الوقت كانوا على مذهب الحنفية، إلا أن البخاري لم يكن يتقيد بمذهب الحنفية، بل كان ينتقده كثيرا، حتى من راقب بعض الأبواب التي في بعض كتبه في كتب الفقه، يجد أنه يرد على الحنفية، كما فعل أيضا الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في «المصنف»، جعل جزءا منه يرد على الحنفية فيه. فكان البخاري مجتهدا على طريقة أهل الحديث، على طريقة أهل الحديث، وهذا تجد هذا المذهب عليه كثير من العلماء، خاصة من أهل الحديث، ومن اشتهر بهذا البخاري، وكذلك أيضا ابن خزيمة، وابن المنذر، وجماعات من السلف رحمهم الله من أهل الحديث، ما كانوا يتقيدون بشيء من المذاهب، وإنما يتبعون الحديث. مع أن البخاري قد جاء بعد العلماء الأربعة، وقد سمع من أحمد، وكما قلنا كان في ذلك الوقت في بخارى وفي نيسابور كان مذهب أبي حنيفة سائد، لكن بعد ذلك انتشر مذهب أهل الحديث، وخاصة ابن المبارك، وإن كان ابن المبارك في بداية الأمر كان على مذهب أبي حنيفة، ثم سلك مذهب أهل الحديث. قال الإمام البخاري رحمه الله في «الأدب المفرد»: حدثنا أحمد بن أبي بكر، وأحمد بن أبي بكر هو قاضي المدينة، وهو المفتي بعد مالك، وهو أبو مصعب الزهري رحمه الله، مشهور بكنيته أبو مصعب الزهري، صاحب مالك، لازم مالكا كثيرا، وصار قاضيا قاضي المدينة، وهو أصله من خراسان، وقد رحل إلى المدينة، وجلس فيها أكثر من سبعة عشر سنة، وهو في المدينة حتى جاء ابنه، لأنه ترك زوجته وهي حامل، جاء ابنه وهو في المدينة، وسأل عنه حتى دل عليه، فقال: أنت القاسم بن الحارس؟ قال: نعم. فاحتضنه، قال: فشممت منه رائحة الولد. وهو ممن طال في العلم، وإن كانت هذه الطريقة غير صحيحة، أن الرجل يترك أهله هذه السنوات، هذا خطأ، لكن كانوا يحبون العلم ويجعلون العلم في مقدمة الأشياء، فلم يستطيعوا أن يذهبوا لأن خراسان بعيدة جدا في ذلك الوقت، فلهذا جلس في المدينة تلك السنوات الكثيرة، ثم بعد ذلك عينه في زمن المأمون قاضيا في المدينة. قال: حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن، وهو ابن حارث بن هشام، أيضا من أصحاب مالك، وكان أيضا يفتي في وقت مالك، وهو زُرقي أنصاري، قال: عن يزيد، وهو ابن عبيد، صاحب سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: عن سلمة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتدت الريح يقول: «اللهم لا قحا لا عقيمة». قال: هذا حديث صحيح، وأخرجه ابن حبان كما في «الإحسان». فـ«الإحسان» هذا لشعيب، ومجموعة معه، رتبوا «صحيح ابن حبان» وسماه «الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان»، فلهذا الناس دائما ينقلون عنه عن «الإحسان»، لأنه مرتب، وأما «صحيح ابن حبان» فترتيبه عجيب، لم يسبق إلى ترتيبه، ولم يأت أحد يرتب مثله، فترتيب ابن حبان ترتيب عجيب، فلهذا فعل شعيب ومن معه هذا «الإحسان»، وتقرب إلى الناس «صحيح ابن حبان». فقال رحمه الله: أخبرنا أبو يعلى، وهو الإمام أحمد بن علي بن المثنى، أبو يعلى الموصلي، أبو يعلى الموصلي هذا إمام في الحديث، وأبو يعلى الفراء آخر، وهو من فقهاء الحنابلة، قاضي الحنابلة، هذا من أهل الحديث، وهو متقدم في وقت الإمام أحمد رحمه الله، أبو يعلى الموصلي أحمد بن علي بن المثنى، قال: حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن، وهو الذي تقدم، قال: حدثني يزيد بن أبي عبيد، وهو كما قلنا صاحب سلمة، يزيد بن أبي عبيد، قال: سمعت سلمة بن الأكوع يرفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «كان إذا اشتدت الريح يقول: اللهم لقحا لا عقيما». فهذا الحديث فيه دعاء النبي عليه الصلاة والسلام إذا جاءت الريح واشتدت، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأى ريحا كما جاء في «الصحيحين» تغير وجهه، تغير وجهه عليه الصلاة والسلام، فقالت له عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، ما لك إذا رأيت ريحا تغير وجهك؟ فقال: «ما يؤمنني يا عائشة أن يكون عذابا؟ فإنه قد كان قوم عاد، قالوا: إنه عارض ممطرنا، فإذا هو عذاب». يريد قوم هود، أو يريد عاد، لما رأوا السحب الثلاث، فقيل لبعضهم: اختر إحدى هذه الثلاث السحب، فقال: فاختار السوداء، يظن أنها فيها مطر، فقال: فخذها ريحا مرمدة، لا تبقي على عاد أحدا، فكانت عذابهم فيها. وهنا قد جاءت أحاديث كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام في الدعاء في الريح، وقد جاء في «الصحيحين»: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها». وهنا مسألة انتشرت، وهي مسألة: كلمة «الريح» و«الرياح»، هل بينهما فرق؟ فجاء عن سفيان بن عيينة أنه قال: في القرآن إذا أطلقت «الريح» فالمراد بها العذاب، وإذا أطلقت «الرياح» فالمراد بها الغيث التي تأتي بالغيث، أي الرياح اللاقحة. ﴿فَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لِوَاقِحَ﴾ أي تلقح السحاب حتى يأتي بعد ذلك الغيث، فلهذا قال ابن عيينة: إن «الريح» في القرآن المراد بها العذاب، و«الرياح» المراد بها الخير والغيث، وهذا قيده سفيان بن عيينة رحمه الله في القرآن، وهذا صحيح أنه في القرآن هكذا. أما على الإطلاق ليس صحيحا، بل جاء في بعض الأحاديث إطلاق «الريح» على الغيث، وكذلك العكس، فلهذا فهذا المصطلح في القرآن فقط، في القرآن إذا أطلقت «الريح» فالمراد بها العذاب. وأيضا منه قول النبي عليه الصلاة والسلام في تسمية «الريح» عند العرب، فقال كما جاء في «الصحيحين»: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور». الصبا هي الريح التي جاءت يوم الأحزاب، وهي ريح شديدة، قضت على الأحزاب، وأخذت خيامهم، فهذه تسمى الصبا، وهذه الصبا دائما تأتي من المشرق، وأما الدبور فهي التي تأتي من المغرب، غالبا تكون شديدة، غالبا تكون أشد، فلهذا أهلك الله عز وجل عادا بالدبور، وهي التي سماها الناس الآن «الشمال»، معنا عندنا هنا يسمونه «الشمال» التي تأتي من المغرب أو تأتي من الغرب، فتأتي قوية جدا أكثر من التي تأتي من المشرق، فهذه الريح. وأما الرياح التي تأتي وتلقح السحب، فهذه خير، قد ذكرها الله عز وجل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لِوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾. لكن الريح تجد كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ أن الريح شديدة تكون عذابا، مثل ما أرسلها الله عز وجل على قوم عاد، فسماها الله عز وجل «الريح العقيم»، ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم، أي خراب، فصار رمة خرابا، فهذه «الريح العقيم» التي أرسلها أيضا الله عز وجل، وهي الدبور على قوم عاد، تسمى دبور وتسمى عقيم، وإنما صارت عقيما لأنها لم تترك شيئا إلا وخربته، فلهذا قال: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ فسميت عقيما، أي لا تترك بعدها أثرا. وأما «الرياح» التي هي الأواقح التي تلقح السحاب، فهذه تأتي بالخير بعدها، انظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها، أي من هذه المبشرات، كما سماها الله عز وجل، هي «الرياح» التي تأتي بتلقيحها السحاب، تأتي بعدها بالخير، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو، وهذا يدل على كثرة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام في كل أحواله، كان يذكر الله عز وجل في كل أحواله، وكذلك في الحوادث التي تحصل، فالنبي عليه الصلاة والسلام إذا هبت الريح دعا، قال: «اللهم إني أسألك خيرها»، وجاء أيضا كذلك في «الصحيحين» أنه قال: «لا تسبوا الريح»، وجاء في لفظ: «فإنها جند من جنود الله»، وإنما إذا رأى لسان الريح يدعو يدعو بما دعا به النبي عليه الصلاة والسلام من قوله: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما هي له»، وأيضا هذا الدعاء الآخر: «اللهم لاقحا لا عقيمة»، أي اجعلها تلقح سحاب وتأتي بالمطر الصيب النافع، وليس مثل الريح الشديدة التي تكون فيها العذاب. وفي اللفظ الآخر قال: «إذا اشتدت الريح يقول: اللهم لقحا لا عقيمة». فهذا ما يذكر في هذا المقام، والله تعالى أعلم.