الدرس في أحوال المخالفين في تعاملهم مع الآخرين 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح الشيخ أهمية دراسة صفات ومناهج أهل البدعة والضلال لمعرفة حقيقة البدع وخطورتها، ويبين أن البدع أخطر من المعاصي الشهوانية لأنها تتعلق بالاعتقاد وتطعن في شرع الله.
يتحدث عن انتشار الرافضة والتصوف وكيفية مواجهة هذه الأفكار الضالة بفكر أهل السنة، ويبرز أهمية التحذير من البدعة والمبتدعة كما كان يفعل السلف الصالح.
يتحدث عن أهمية معرفة صفات المبتدعة للتحذير منهم ومن منهجهم، ويضرب أمثلة على ذلك من خلال بعض الجماعات التي تنتمي إلى السنة ولكنها تتشبه بالخوارج أو الروافض في بعض الأفكار.
يتناول أهمية التعرف على سمات أهل البدع في التعامل لتمييزهم، ويشير إلى أن السلسلة ستتطرق إلى بعض هذه السمات.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كما قد قرر في منهج الدورة بأننا في مثل هذه الأوقات، من بعد صلاة الظهر، سيكون حديثنا حول تسليط الأضواء حول صفات ومناهج أهل البدعة والضلال. وهذه الدروس هي في الحقيقة استكمالًا لدروس الدورة السابقة في حق من حضرها، ومن كان معنا كان التدريس وتسليط الأضواء حول منهج وصفات أهل السنة والجماعة، فكان من باب إعطاء الأمر حقه أن نتعرف بالمقابل على صفات أهل البدعة والضلالة، وخاصة في باب التعامل. وقبل الشروع، إخواني في الله، في ذكر هذه الخصائص والصفات التي سار عليها المبتدع الضلال، أحب في هذه الفترة، في هذا الدرس، أن أشير إلى أهمية هذا المبحث، إلى أهمية معرفة منهج المبتدعة في مسألة التعامل مع غيرهم. ومن فوائد هذا الباب، إخواني في الله، أن الإنسان المسلم من خلال معرفته لخصائص وصفات المبتدعة، حينها يتجلى لديه خطورة البدعة، يعرف البدعة على حقيقتها. فإن هذا للأسف مما خفي على كثير من الناس، إذ أن الكثير من الناس ما يعرفون حقيقة البدعة والمبتدعة. فلربما ما فقه من البدع إلا الظاهر، حتى تجد أن بعض الناس إذن ربما يرى أن الخلاف بين السنة وبين المتصوفة في مثل هذه الطقوس في موضوع الموالد وموضوع شيء من الاحتفالات، هذا الذي بينهم لو أن هذا تنازل وتنازل وانتهى الأمر، وخفي عليه تلكم العقائد العظيمة النتنة التي تتلبس بها المبتدعة من المتصوفة ومن القبورية. وآخر لربما يهول من الخلاف مع الشيعة الرافضة، وأن هؤلاء أصلحهم الله عندهم محبة زائدة في آل البيت، وخاصة علي، بس هذا الذي تعرفه، أنهم قد عندهم غلو في علي فقط، بحيث أن عندهم انجروا خلف عواطفهم لآل البيت، هذا الذي تعرفه، وسائل العقائد أنت في عماية تامة عنها. وهكذا قس في باقي الجماعات والبدع والمبتدعة، تجد أن الكثير من الناس لم يعرف حقيقة البدع التي تورطوا فيها. مع أن البدع، يا عبد الله، من أخطر الأمور، حتى أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قال: «إن أهل البدع شر من أهل المعاصي الشهوانية بالسنة والإجماع». لو جئت بين مبتدع وزاني إلى كائف، المبتدع أعظم إثمًا من الزنا، لأن البدع، إخواني في الله، من الأمور العظيمة التي تتعلق لمسألة الاعتقاد والطعن والغمز في شرع الله جل وعلا، وفي كتابه، وفي نبيه، كما سيأتي بيانه. ولهذا قال الثوري رحمه الله تعالى: «قال البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها». وهذه من خطورتها، أنها إذا تسلسلت أو تسللت في قلوب العباد استمكنت وما خرجت. ولهذا قل من يتوب من المبتدعة، بخلاف العصاة. فإذا، إخواني، من خلال هذه الدروس، والتي بها سنذكر صفات ومناهج المبتدعة، ستعلم، يا عبد الله، حقيقة المبتدعة على ما هم عليه. ثانيًا، من فوائد هذا المبحث، إخواني في الله، أننا نذكره في بيان فضح ومحاربة هذه الأفكار. نحن في هذه الأزمان قد وجد المبتدعة من المتنفس ما لم يجدوه في أي زمن آخر، تنفسوا، وجدوا لهم دول وحكومات ومناطق يبسطوا بها نفوذهم وينشروا أفكارهم. فهاهم الخوارج في فترة ليست ببعيدة أقاموا تلكم الدولة، دولة الشام والعراق، وكم صفق لها الكثير من المسلمين، ولا يزال البعض يحن إليهم، بل حتى يوجد من كثير من الدعاة من يسير خلف فكرهم. فإن الخوارج طوائف، فمنهم من يخرج بسيفه، ومنهم من يخرج بسنانه، بلسانه، القعدية، القعدية لهم انتشار كثير. كذلكم الرافضة، قبحهم الله، الزنادقة انتشروا، وهذه وها هي الأخبار التي تترى حول ما يذكر من انتشارهم، إما بالقهر وإما بالطمع والترغيب والترهيب، دخلوا في كثير من البلدان، إلى شرق آسيا، إلى أفريقيا، إلى أوروبا، وجدوا أماكن تعشعشوا فيها، وجدوا دعمًا من تلكم الدول الكافرة، حتى سمعنا أن سلطانًا وأميرًا من دول أفريقيا تأثر بالرفض فترفض. وما هيك عن الدولة الإيرانية التي ترفع راية الرفض، وما هيك عن الدول التي سقطت بعد ذلك في حيز التشيع، دعم انتشار. وأما التصوف، فأصبح الآن الكثير من الحكومات من تبحث عن هذا النمط، لأن التصوف الآن يصور على أنه هو الإسلام المعتدل. وكم تمت الاجتماعات لأقول في بلاد الإسلام، بل عند الكفر، في البيت الأبيض، وفي غيرها من دهاريز الكفار، في أنهم يريدون أن التصوف هو الذي ينتشر في الدول الإسلامية لأنه الإسلام المعتدل. إخواني في الله، أي في أنه إزاء هذا الانتشار، وهذا الزخم الإعلامي الذي الكل يشتغل فيه، فما يملك أهل السنة إلا محاربة هذا الفكر بفكر، ما عندنا قوة سلاح ولا عتاد، لكن عندنا قوة السلطان، سلطان العلم، بالرد، بفضحهم، ببيانهم. ومن أعظم أنواع الجهاد عند الذي عند أهل السنة جهاد السنان، وجهاد اللسان، كما قال نبي لحسان: «أهجهم، فإن روح القدس معك». وفي رواية: «إنه لأشد عليهم من وقع النبل»، النبل نوع من آلات الجهاد والقتال، لكن هجاؤك، يا حسان، للكفرة، هذا هجاء منك أشد عليه من وقع السيوف. أحيانًا الرد مؤلم، وهذا الذي يملك أهل السنة. ومن أعظم ما يكون محاربة هذه الأفكار بذكر فضائحهم، ببيان معتقداتهم التي كانوا ولا زالوا يخبئونها. المبتدع من يستطيع أن يظهر كل ما عنده. ورحمة الله على البربهاري عندما شبه المبتدعة بأنهم كالعقارب، كالعقارب تخبي سمها، فإذا استمكنت لدغت، تضرب وتلدغ. فإن الناس إذا علموا بحقيقة المبتدعة لفظوهم. ومن هنا كان الكثير من المبتدعة من يوري ويخبي حقيقة مذهبهم، لا يظهرونه إلا عند الخواص. فظهر الحلقات السرية والخلايا النائمة، وذكر الأشياء الذي يتستر بها أصحابها. فمن هنا، إخواني في الله، فإن هذا الباب، ومعرفة خصال وصفات المبتدعة، من أعظم ما تحارب به هذه الأفكار الضالة. ثالثًا، كذلك من فوائد هذا الباب أنه قيام بما عليه سلفنا الصالح، فإن من أعظم ما قام به سلفنا الصالح هو التحذير من البدعة والتحذير من المبتدعة. وهذا قد تكلمنا عليه في الدورة السابقة حول ما كان من أمر أهل السنة هو نشر السنة ومحاربة البدعة، فكانت لهم الصولة والجولة، فكانوا يتقربون إلى الله جل وعلا بفضح المبتدعة، كان هذا شغلهم الشاغل. فليكن هذا كذلك، نهتم ونولي بهذا اهتمامًا عظيمًا، ولا بأس أن ينبري من ينبري من الباحثين ومن المثقفين، وممن أعطاهم الله جل وعلا فصاحة وبلاغة وكتابة وتدوين، أن يفرغ من وقته ما فيه رد على أمثال هؤلاء من المبتدعة الضلال. فإن هذا مما كان عليه سلفنا صالح، من فتح ماذا بإقامة الردود على المبتدعة، ليس نقاش وليس جدال ولا مهاترة، وإنما رد عليهم، يا عبد الله، بأدلة الكتاب والسنة. ليس هذا فقط فعل السلف، بل هذا فعل نبينا عليه الصلاة والسلام، إذ كان من أمره وهديه كان في كل خطبة، إذن على منبره، كان يقول: «وإن شر الأمور محدثاتها»، كان يحذر من البدعة. فيا ترى كيف كانت البدعة في زمنه؟ لا بدعة ليس لها ظهور، وإنما كان يعطيهم نبينا وقاية من البدع والتحذير منها. فإذا كان هذا في زمنه، لا بدع لا محدثات، ويحذر، فما ظنك بوقتنا، يا عبد الله، والتي فيها البدع قامت وعمت وكثرت وانتشرت، ظهرت في عقائدنا، وفي عباداتنا، وفي معاملاتنا، وما تركت شيئًا من أركان وأجزاء ديننا وإلا وقد دخلت فيه البدعة. فحين، إخواني، لا ينبغي أن نشمر عن ساعد الجد ونحيي هذه السنة، سنة الفضح والبيان والرد على المبتدعة الضلال. رابعًا، كذلك مما يستفاد من هذه المباحث، حينما نتعرف على خصائص وصفات المبتدعة في باب التعامل، يعطيك، يا عبد الله، هذا الباب وقاية وقاية منهم. لأن الإنسان إذا استطاع يتعرف على طريق الباطل وطريق الغي، حين ينحاز عنه وينأى بنفسه عنه. قال ربنا عز وجل: ﴿وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين﴾، في آية: «سبيل المجرمين» بالضم والفتح، ولكل له معنى. فربنا جل وعلا ذكر أن من حكمته سبحانه وتعالى في إنزال الآيات القرآنية أن نتعرف على طرق الكفار. ويا ترى ما الذي نستفيد إذا تعرفنا على طريق الكفار من المجرمين الضلال؟ أننا نكون على بينة من أمرهم. وهذه من المصالح الشرعية في معرفة حال المخالفين. ومن هنا قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: «قال كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر»، لماذا يا حذيفة؟ قال: «مخافة أن يدركني». ولهذا قال: «من تعلم الشر لا للشر ولكن لتوقيه». ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه، الذي ما يميز بين الخير وبين الشر ستختلف عليه الأمور، لربما وقع في الشر وهو لا يعلم وهو لا يشعر. فإذا علمت، يا عبد الله، صفات المبتدعة، حينها تحذر منهم ومن منهجهم. وأخيرًا، إخواني في الله، في هذا الباب، وهو إذا تعرفت على منهج وصفات المبتدعة، حينها يأمن الناظر أن لا يتلبس بشيء مما وقع فيه. وهذا للأسف أن نجد ممن ينتمي للسنة وهو قد تلبس ببعض ما عليه المبتدعة، لربما تجده يأتي ببعض عباراتهم فيكررها، أو يتلبس ببعض طقوسهم أو بأخلاقهم. تجد مثلًا فرقة من أهل السنة ممن ينتمي للسنة، أعلي لربما يتكلم عن الخوارج، الخوارج هؤلاء وهؤلاء، وما علم أن الخوارج هم خرجوا نعم على الأمراء، بينما أنت خرجت على الأمة، خرجت على العلماء. فالخوارج على قسمين: خوارج خرجوا على الأمراء، وابتلينا بخوارج خرجوا على العلماء، هو هو، وإن كان هذا أخف، لكن هذه بلية، هذه بلية. كذلك، يا عبد الله، ما يتعلق بالرفض، تجد بعض الذي ينتمي للسنة عنده غلو في باب الحاكمية من بعض الجماعات، حتى يرى أن إقامة الدولة الإسلامية هو الكل وهو الشأن كل الشأن، بل جعله فرائض من فرائض المسلمين، ونسي أنه بهذا الفعل يقرر عقيدة عند الروافض، كما نبه على ذلك العلماء، إذ جعله من أصل من أصول الدين. وقد رد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في «منهاج السنة» على ذلك، مرافضة عندما كان يقرر على أن الإمام أصل من أصول الدين، وواجب واجبات المكلفين، رد على شيخ الإسلام. لكن نرى الآن من بعض الجماعات من يدندن بهذا، لماذا؟ الخفاء وعدم التفطن لمقالات أهل البدع والظلال. فالشاهد، إخواني في الله، احذر، احذر، فأحيانًا تجد من الناس من ينتمي إلى السنة، لكن لبعده عن معرفة ما عليه المخالف، لربما يقع في الذي وقعوا فيه، يتشبه بهم. ومن هنا لما جاءت السائلة إلى عائشة، قالت: «يا عائشة، ما بال الحائض تؤمر بقضاء الصوم ولا تؤمر بقضاء الصلاة؟». قال: «أحرورية أنت؟» حرورية من الخوارج. من أين جاءت عائشة رضي الله تعالى عنها بهذا الحكم؟ تفطنت لسؤال المرأة، هذا سؤال ما ينطرح إلا عند الحرورية. فقال: «أحرورية أنت؟ إذا أنت». لأن من الناس لربما من ينتمي إلى السنة يكرر ويأتي لبعض ما يدين به المبتدعة. فكان، إخواني في الله، التنبيه، ولهذا من خلال هذا الطرح، إخواني في الله، كان الضرورة ملحة في معرفة، بتصليط الأضواء إلى منهج المبتدعة، وخاصة في باب التعامل. وإن شاء الله في هذه السلسلة مما سيأتي معنا في بيان حال المبتدعة، ما يكون في حال المبتدعة في تعاملهم مع النصوص الشرعية، وحال المبتدعة في تعاملهم مع الله جل في علام، أو حالهم في تعاملهم مع رسول الله، أو تعاملهم مع أصحاب رسول الله، أو في تعاملهم مع السلف وأهل الأثر، أو ما كان من تعاملهم مع علماء الأمة، أو ما كان من تعاملهم مع الأمراء والسلاطين، أو كان تعاملهم مع جماعة المسلمين وعامتهم، أو ما كان من تعاملهم بأنفسهم، بما كان لما يكون من أخلاقهم وآدابهم. هذه السلسلة بإذن الله سنحرص عليها في مثل هذه الأوقات، نذكر شيئًا منها حتى تتميز، عبد الله، وتعرف وتتعرف على شيء من سمات أهل البدع في باب التعامل. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.