الدرس في شرح كتاب التوحيد 15، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول شرح حديث أنس بن مالك رضي الله عنه حول مغفرة الذنوب لمن يلقى الله دون شرك، ويبرز أهمية التوحيد الخالص. يُظهر تعليقات العلماء حول رحمة الله وكرمه.
يُحذر من سوء فهم حديث المغفرة للموحدين، ويوضح أن الحديث لا يعني الاستمرار في فعل الذنوب بل يشترط التوبة أو مشيئة الله.
يشرح خطورة استغلال حديث الرجاء في الاستمرار بالمعاصي، ويبين أن الرجاء الحقيقي يجب أن يكون مصحوبًا بالعمل الصالح.
يتضمن دعاءً بأن ينفع الله المستمعين ويجعلهم يتبعون أحسن القول، ويختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذا الباب من كتاب التوحيد، والذي عنون له المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب. وأخذ المؤلف رحمه الله تعالى يسرد لنا الآيات والأحاديث التي تدل على فضيلة التوحيد ومدى أثره على محي السيئات والذنوب والعيوب. وإن مما ختم به المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب ما كان من ختمه بحديث أنس، وهو الذي سنذكره في هذا المقام. قال: وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله: يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة. هذا الحديث إخواني في الله، كما ذكرنا أن المؤلف رحمه الله تعالى ختم به هذا الباب، والشاهد منه واضح وظاهر، فيه كيف أن التوحيد يغفر الله جل وعلا به الذنوب. ومن باب تتمة الفائدة إخواني في الله، نقرأ هذا الحديث بتمامه، إذ أن المؤلف رحمه الله تعالى إنما ذكر لنا قطعة من الحديث. والحديث بكماله وتمامه رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في سننه، من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة. إذن هذا هو الحديث بكماله وتمامه، وأن المؤلف رحمه الله تعالى إنما اقتصر على خاتمته لأن فيها موطن الشاهد. وهذا الحديث إخواني في الله من الأحاديث العظيمة، والتي فيها تتجلى عظيم رحمة الله جل في علاه. حتى أن الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى علق على هذا الحديث فقال: هذا الحديث بشارة عظيمة وكرم عظيم، وما لا يحصى من أنواع الفضل والإحسان والرحمة والإمتنان. هذه من عظيم المزايا التي جاءت في هذا الحديث. حديث فيه بشارة عظيمة، فمن دعا الله: «إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي»، رحمة عظيمة. ولو أن ذنوبك بلغت عنان السماء - أي السحاب - ثم استغفرتني غفرت لك، منها عظيمة. ولو أنك يا عبد الله أتيت بقراب الأرض خطايا - أي ملء الأرض خطايا - والخطايا جمع خطيئة، والخطيئة هو الذنب إن صدر عن عمد. فلو أنك أتيت بقراب الأرض - أي بملء الأرض خطايا - قال الله: ثم لقيتني وأنت لا تشرك بي شيئًا، لأتاك الله بقرابها مغفرة، تدفع هذه الخطايا والسيئات بمغفرة الله جل وعلا. ولهذا كان هذا الحديث كما قال الإمام الجرداني رحمه الله تعالى: أن هذا الحديث أرجى حديث في السنة. أن هذا الحديث أرجى حديث في السنة، من أرجى الأحاديث التي فيها الفضل العظيم. والشاهد إخواني في الله في هذا الحديث، ما فيه أن من أتى الله موحدًا: «لا تشرك بي شيئًا»، لأتيتك بقرابها مغفرة، يغفر الله لك يا عبد الله جميع الذنوب والخطايا إن كنت موحدًا بهذا القيد: «ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا». وهذا القيد إخواني في الله من القيود التي ينبغي أن تعمل حتى تصير إلى هذه النتيجة. وهل هذا القيد سهل؟ لا، ليس بالسهل. هنا «لا تشرك بي شيئًا»، لا نافية أو ناهية، و«شيئًا» نكرة، وقد مضى معنا تكرارًا في مثل هذه المقامات أن النكرة إن جاءت في سياق النفي أو النهي فإنها تفيد العموم. فمن لقي الله لا يشرك بالله شيئًا، لا في قوله ولا في اعتقاده ولا في فعله، لا يشرك بالله لا ظاهرا ولا باطنا، لا يشرك بالله لا شرك أصغر ولا شرك خفي ولا شرك أكبر، يأتي وهو خالص في التوحيد، حينها يا عبد الله ستأتيك هذه البشارة. لكن فلينظر كل واحد منا إلى نفسه، هل هو على هذا التوحيد الخالص أم أننا بين الفينة والأخرى نقع في أنواع من الشرك، علم بها من علم وجهلها من جهل. لا أقول من الشرك الخفي والأصغر، بل من الشرك الأكبر، كمن يعبد الأصنام والأوثان والأنداد. وكمن يعبد الأحياء والأموات، كمن يرتمي على العتابات ويشرك من دون الله جل وعلا في الدعاء والنداء والاستنجاد والاستمداد، ويعتقد الضر والنفع في غير الله، فوقع في أمتنا من الشرك في الألوهية والشرك في الربوبية والشرك في الأسماء والصفات. بل حتى أن في ألفاظنا ما خلق من الشرك: «لولا الله وفلان»، و«رأس أبيك»، و«بالكعب»، هذا كله من الشرك. وسيذكر لنا المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الرسالة أنواعًا من الشرك، أكان فعليًا أو كان لفظيًا، فالشرك متعدد. ولهذا كان من شرط من أراد أن الله جل وعلا يسبغ عليه نعمة المغفرة، عليك بتحقيق هذا القيد أن تكون موحدًا كلية في قولك وفعلك واعتقادك، ظاهرا وباطنا. قال: «يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة». هنا إخواني في الله أنبه على مسألة، وأختم بها المقام. هذا الحديث من الأحاديث التي لربما يتكأ عليها جماعة من الناس ممن قل علمهم، أو خف دينهم، وهم ممن يتكلون على سعة رحمة الله كهذا الحديث. فيقول: بما أني موحد وآتي بلا إله إلا الله، فأنا مهما فعلت من ذنوب ومعاصي وسيئات وخطيئات، فهي تحت مغفرة الله. ولهذا تجد من الناس من يتمادى في فعل الذنوب والمعاصي. أهكذا يكون الأمر يا عبد الله؟ أهكذا يفهم من هذا الحديث؟ «يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة»، بمعنى أنك تملأ الأرض ظلمًا وجرمًا وفعلًا للمحرمات، ثم بعد ذلك تحرص على التوحيد، فهذا يكفيك؟ أهكذا يفهم؟ الجواب: لا. والرد إخواني في الله على هذا الفهم السقيم لطوائف من الناس يكون من عدة أمور. الأمر الأول ما يتعلق بفهم هذا الحديث، كيف فهم العلماء هذه النعمة المذكورة وهذه البشارة المبسوطة في هذا الحديث. قال العلماء: فهموا هذا الحديث على أمرين اثنين، يفهم على أمرين اثنين. الفهم الأول: أنك يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا مما قد تبت منها، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة. أي أن هذه الذنوب والسيئات، ولو كانت كثيرة ولو كانت عظيمة، لكنها محفوفة بالتوبة، وجئت موحدًا، فالله جل وعلا لن يأخذك بجريرة جرائمك وما كان من ذنوبك، لا بل إن الله عز وجل سيتقبل منك التوبة بما كان من توحيدك. هذا الفهم الأول للحديث، أن هذه السيئات في حق التائبين. الأمر الثاني: قال العلماء في فهم هذا الحديث: «ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة»، قال العلماء: هذا بقيد مشيئة الله، إذا شاء سبحانه وتعالى. فإن مغفرة الله لعبده من ذنوبه متعلق بمشيئته، بدليل ما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. إذا غفران الذنوب هذا يعود إلى مشيئة، إن شاء الله غفر لك، وإن شاء عذبك. فهذا الحديث: «لأتيتك بقرابها مغفرة»، هذه المغفرة في حق من شاء الله أن يغفر لهم، فهي ليست لكل أحد، بل هذه متعلقة بمشيئة الله. هذا هو الرد الأول على من بارز الله بالمعاصي متكئًا على ذريعة أنهم موحدون. فهم الحديث فهو يحمل على التائبين، أو أنه يحمل على ما كان بمشيئة الله. الفهم الثاني أو الرد الثاني: الرد الثاني على هؤلاء ممن يستخف بالذنوب والمعاصي متكئًا على قضية التوحيد. قال العلماء: أن هذا في حق من يضمن نفسه أن يموت على التوحيد، لأن الله يقول: «ثم لقيتني»، أي كنت موحدًا ولا زلت على التوحيد حتى تلقاني. هذا في حق من مات على التوحيد. فهل أنت يا أيها العاصي تضمن وعندك ضمان أنك تموت موحدًا؟ الجواب: لا. القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، فلا أنا ولا غيري ولا أنت يا عبد الله عندك ضمانة بأنك ستموت على التوحيد. بل الأمور بيد الله. بل كم من إنسان لربما كان موحدًا في بداية أمره، فما مرت عليه الليالي والأيام إلا ومات ملحدًا أو يهوديًا أو نصرانيًا. إذا كان في الحديث الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». هذا في حق من يعمل أعمالًا صالحة، فما ظنك يا عبد الله وأنت تجاهر الله بمعاصيك متكئًا على الرجاء؟ فأنت لا تملك يا عبد الله ضمانًا على أنك تموت موحدًا. وانظر يا عبد الله في مثل هذه الأزمان مع كثرة الدعايات المغرضة وحملات الإلحاد وفعل المستشرقين من خلال المنظمات، فكم نسمع من أناس قد كفروا؟ فإنسان إخواني في الله يسأل ربه عز وجل الثبات، فلا يغتر بهذا الحديث لأنه يموت موحدًا، فالله أعلم. ولهذا كما قال بعض السلف: «ما أبكى الأوائل؟ ما أبكاها؟ الماذا؟ الختام هذا الذي يخيف العباد، لأن الأعمال بالخواتيم». زد على ذلك من باب الفائدة: أنك يا عبد الله بفعلك للمعاصي فإنك تمهد للكفر. وقد قال سلفنا الصالح: بأن المعاصي بريد الكفر، أن المعاصي بريد الكفر توصل للكفر، معصية مع معصية، كبيرة مع كبيرة، فإن ذلك مما يؤثر في القلوب. وقد جاء في الحديث الصحيح: أن الإنسان إذا فعل ذنبًا نكت في قلبه نكتة سوداء، فلا يزال القلب يسود حتى يضرب عليه الران، فحينها لا يتعظ بمواعظ الله، ويقع منه الخروج عن الدين والملة. وما وقع من وقع من أمتنا في الشرك والكفر والإلحاد والضلال والرد إلا بسبب ذنوب تراكمت عليه فصرفته عن الهدى. فأنت يا عبد الله يا أيها العاصي عندما تفعل وتشتغل بفعل الذنوب تلو الذنوب، فأنت في الحقيقة تأتي على نفسك بما يكون وسيلة إلى الدخول في الكفر والعياذ بالله. نسأل الله السلامة والثبات. الرد الثالث على من فهم هذا الحديث على أنه بإمكانه أن يبارز الله وأن يكثر من المعاصي بحجة أنهم موحدون. قال العلماء: هذا الحديث - حديث أنس - الذي بين أيدينا ذكر فيه ربنا جل وعلا ثلاثة أسباب من أسباب المغفرة. الأمر الأول: الدعاء، «إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي». الأمر الثاني: الاستغفار، «لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك». الأمر الثالث: الموت على التوحيد، «ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة». فعندي في هذا الحديث ثلاثة أسباب من أسباب مغفرة الله: الدعاء والاستغفار والموت على التوحيد. السؤال هو: ما الذي أنت يا عبد الله تملكه؟ وما هو الذي بمقدورك؟ لا شك أن الأمر الأول والثاني هذا بمقدورك. أنك تكثر من الدعاء، هذا يتأتى، أنك تكثر لله عز وجل دعاءً وتبتلًا وتضرعًا ليل نهار، صباحًا مساءً، ما هناك أحد يردك. الثاني: الاستغفار، هذا أنت تملكه، فمن هذا الذي يمنعك، يصدك عن استغفارك لربك في كل وقت وفي كل آن وحين؟ لكن الثالث وهو أن تموت على التوحيد، هذا لا أنت لا تملكه، بل هذا بأمر الله جل في علاه أن يقضي عليك الموت متى ما شاء. فيا سبحان الله في الأمور المقدورة عليك أنت تبتعد عنها، فلا تنشغل بالدعاء ولا تنشغل بالاستغفار، وإنما تتمسك بالأمر الثالث الذي ليس هو لك ولا أنت تملكه، وليس في قدرتك. هل هذا من العقل؟ لا يا عبد الله، هذا من العطب في العقول. والمسلم إخواني في الله، هذا الحديث يستمسك بالأمر الأول والثاني، يكثر من الدعاء ويكثر من الاستغفار، ويسأل ربه جل وعلا أن يموت على حسن الختام، وعلى توحيد، وعلى كلمة لا إله إلا الله. لأنك تعلم أنك تنشغل بالمعاصي والذنوب. رابعًا إخواني في الله، الرد على هذا الحديث ومن يرى أن هذا الحديث باب من أبواب الرجاء، نقول: نعم، هذا الحديث كما قال العلماء من أعظم أحاديث الرجاء. لكن اعلم أن الرجاء ليس أماني ولا تمني، ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، وإنما ما وقر في القلب وصدقه العمل. إذا كنت يا عبد الله ترجو مغفرة الله، ففتح الرجاء لابد أن يكون محفوفًا بعمل صالح، لا بعمل سيئ. بدليل قال الله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾. فإذا كنت يا عبد الله تتطلع لما عند الله من الرحمة والمغفرة والمنة والجنة، فعليك يا عبد الله أن تحف هذا الرجاء بالعمل الصالح. لأنك تحف هذا الرجاء بفعل السيئات والموبقات، فهذه إخواني في الله ردود أربع تذكر في هذا المقام، في حق من لم يفهم هذا الحديث حق فهمه، فظن أن هذا الحديث مسوغ له في أنه يمضي قدما في فعل الموبقات والسيئات بحجة أنه موحد. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.