الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 56، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يستفاد من حادثة الهجرة إلى الحبشة العذر بالجهل للأفراد البعيدين عن ديار الإسلام. حيث إن الصحابة الذين هاجروا لم يكونوا على علم بالأحكام والنواهي التي نزلت على النبي.
يظهر تأثير التوراة على النصرانية في اعتمادهم على التوراة في الأحكام الشرعية. كما أن الإنجيل يحتوي على المواعظ أكثر من الأحكام التفصيلية.
أسلم حمزة بن عبد المطلب في السنة السادسة من البعثة، وكان له منزلة عالية لشجاعته ونصرته لدين الله ورسوله. لقب بسيد الشهداء لما أظهره من بطولة في غزوة أحد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في حادثة الهجرة إلى الحبشة وما كان فيها من ذكر فوائد، وهكذا مساء العلمية نستفيدها، وقبل ذلك استفادها العلماء من هذا الحدث من الأحداث المهمة التي وقعت في حياته وفي الفترة الجهرية. وأيضًا من المسائل المذكورة في هذا الباب ما استفاده العلماء من العذر بالجهل، ما استفاده العلماء من العذر بالجهل، إذ أن الإنسان لربما لا يؤدي ما أمر الله جل وعلا به وذلك بحجة عدم علمه. وإذا ربما كان عدم العلم يكون لقربه ولكونه حديث عهدٍ بإسلام، أو كان لبعده عن بلاد المسلمين. وهذا الذي وقع في حق من هاجر إلى بلاد الحبشة، إذ أن بلاد الحبشة بلاد بعيدة جدًا عن موضع نبينا عليه الصلاة والسلام في مكة، بعيدة جدًا تبلغ أشهر لمن أراد أن يصل إليها. فلربما كان ينزل الوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام فيه من الأحكام وفيه من النواهي والأوامر، ومن كان بأرض الحبشة لا يدري بها ولا يعلم بها، فلا يطبقها ولا يمتثلها. فما حكمه؟ حكمه أنه يعذر، أنه يعذر لما كان من بعده ولعدم علمه. وبهذا استدل العلماء بهذه الحادثة، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال ولما زيد في صلاة الحضر لأن صلاة الحضر أول ما شرعت عبارة عن ركعتين ركعتين ثم أتمت فأصبحت أربعا، أي بعد ذلك. فقال شيخ الإسلام: ولما زيد في صلاة الحضر حين هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فمن كان بعيدا عنه مثل من كان بمكة أو بأرض الحبشة يصلي ركعتين، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة الصلاة، أي أن هؤلاء لربما جلسوا فترة يصلون الفرائض ركعتين ركعتين على ما فرضت أولا، وما بلغهم أن الصلاة قد أتمت في الحضر. فما حكم ذلك؟ حكم ذلك أن النبي لم يأمرهم بإعادة الصلاة لأنهم عذروا بهذا الجهل، وذلك لما كان من بعدهم عن ديار الإسلام. وهكذا على إثره ما ذكره الإمام الذهبي رحمه الله تعالى، قال: فلا يؤثم أحد إلا بعد العلم، أي لا إثم إلا بعد العلم، قال: وبعد قيام الحجة. وقد كان سادة الصحابة بالحبشة، وانظر يا عبد الله كيف أن هذه الحوادث لا تمر على أهل العلم مرور الكرام، بل يستفيدون منها الفوائد التربوية والفوائد المنهجية والفوائد العقدية والفوائد الفقهية. فحياة الرسول وما كان من تفاصيل سيرته من الأمور العلمية التي يستفيد منها الناس قديما وحديثا ولا زالوا. فقال إمام الذهبي رحمه الله تعالى: قال فلا يؤثم أحد إلا بعد العلم وبعد قيام الحجة، وقد كان سادة الصحابة بالحبشة ينزل الواجب والتحريم على النبي صلى الله عليه وسلم فلا يبلغهم إلا بعد أشهر، فهم في تلك الأمور معذورون بالجهل حتى يبلغهم النص، أي أنهم في حال جهلهم وذلك لعدم وصول هذه الآثار إليهم، فإن الله عذرهم. فالشاهد أن يستفاد من هذه القصة ومن حادثة الهجرة إلى الحبشة ما يكون من العذر بالجهل. كذلكم إخواني في الله مما يستفاد من حديث الهجرة إلى أرض الحبشة، وخاصة ما كان من الحوار الذي دار بين النجاشي وبين من كان في مجلسه، نعلم مدى تأثير التوراة على النصارى، مدى تأثير التوراة على النصارى. نعم، النصارى أنزل الله جل وعلا إليهم الإنجيل ونبيهم عيسى، إلا أن النصارى يتأثرون جدا بالتوراة وما كان من دين موسى عليه السلام. وهذا التأثر إخواني في الله يظهر من مسألة مهمة، وهي على أن شريعة موسى عليه السلام بما كان من نصوص التوراة فيها من الأحكام والشرائع أكثر بكثير مما هي موجودة في الإنجيل. ولهذا في الحقيقة الإنجيل يعد أنه كتاب وعظ وإرشاد وآداب والسلوك ورقائق، هذه مظنة الإنجيل. وكثرة النصوص في الإنجيل تدور على هذا المحك. ولهذا معنى الإنجيل في اللغة العبرانية بمعنى البشارة، وبينما التوراة معناها بالعبرانية الشريعة، معناها بالشريعة. وتأمل يا عبد الله إلى هذه القضية موجودة في حديث النجاشي، لما سمع النجاشي من جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وما ذكره من أمر ما قرأ من سورة مريم في بيان حال عيسى عليه السلام، ما الذي قاله النجاشي؟ قال: إن هذا والله والذي جاء به موسى، أشار إلى موسى، إن هذا والذي جاء به موسى، وفي رواية: والذي جاءت به التوراة ليخرج من مشكاة واحدة، ليخرج من مشكاة واحدة. ليس هذا الحوار فقط، بل حتى ورقة بن نوفل وكان ورقة من النصارى من كبار النصارى ممن وجدوا في جزيرة العرب، وعندما خاف نبينا من مسألة نزول الوحي عليه في غار حراء، فقامت خديجة رضي الله تعالى عنه وأخذت برسول الله إلى ورقة، ورقة يعد ماذا؟ من النصارى. فلما سمع بالذي سمعه من الوحي الذي نزل على رسول الله، ماذا قال ورقة؟ قال: هذا والله هو الناموس الذي كان ينزل على موسى. معنى نصراني لكن يحيل، فتجد أن النصارى عندهم تأثر بشريعة موسى وبشريعة التوراة، لذلك لأن النصارى في باب الأحكام هم عالة على التوراة، عالة على التوراة. ومما يذكر في هذا الباب أن النصارى يحفظون من التوراة ويحفظون من الإنجيل ولابد. ومن قرأ في الكتب السماوية يسمع بهذا المصطلح بالعهد القديم والعهد الجديد، ما الذي يستفاد من هذا المصطلح؟ هذا المصطلح عند النصارى عندهم الكتب السماوية والكتب المقدسة منها ما يسمى بالعهد القديم ومنها ما يسمى بالعهد الجديد. العهد القديم عندهم هو الذي كتب وأنزل قبل نزول الإنجيل متى؟ في عهد موسى، فعندهم العهد القديم هي الأسفار التي كانت تتنزل على موسى. والعهد الجديد عندهم أيضًا هو الذي كان يتنزل في زمن عيسى وهو الإنجيل، وألحق به ما كان من أقلام تلامذته وطلابه. ولهذا النصارى الآن في كتبهم يطبعون هذا الكتاب المقدس طباعة العهد القديم والعهد الجديد، أي أجزاء من التوراة مع الإنجيل، هذا عند النصارى يرجعون ولابد إلى التوراة، بخلاف اليهود، اليهود لا ما يعترف إلا بالذي عندهم، اليهود ما يعترفون إلا بالتوراة ولا يعترفون بالإنجيل ولا بالقرآن. ولهذا إخوانا في الله نعلم أن التوراة لها أثر عظيم على النصارى من باب الأحكام، وتجد وكما قلنا فالتوراة مليئة بالأحكام، بخلاف الإنجيل التي هي مليئة بالمواعظ. ومن هنا كان من أقبل من اليهود على التوراة ما الذي تخرجه؟ تخرج الأحبار العلماء، ومن كان من النصارى أقبل على الإنجيل ما الذي تخرجه؟ تخرج ماذا؟ الرهبان وهم العباد. فأهل التوراة علماء، وأهل الإنجيل عباد، من أين جاء هذا التخرج؟ لما كان في كتبهم، فالتوراة مليئة بالأحكام فكان أهلها علماء، ولما كانت الإنجيل مليئة بالرقائق والمواعظ كان أغالب صفة أهلها أنهم عباد. وكان من عبارات سلفنا الصالح أنهم قالوا: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا فله شبه من النصارى، لأن هذا قد علم. فالشاهد أن يستفاد من هذه القصة إخواني في الله ما كان من تأثير التوراة على ماذا؟ على النصرانية، فإنهم يرجعون إليها ولابد. هذا إخواني في الله ما نذكره في هذه المسائل المتعلقة بحديث الهجرة إلى أرض الحبشة. ثم تتم لهذا البيت والذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى إلى حديث الهجرة، ثم قال رحمه الله تعالى: قال ثم قد أسلم في السادس حمزة الأسد، أي مما يذكر من الحوادث في العهد أو في الفترة الجهرية من دعوة عليه الصلاة والسلام إضافة إلى حديث الهجرة إلى أرض الحبشة ما كان من إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه. والذي عناه بقوله ثم قد أسلم في السادس حمزة الأسد، وحمزة هو حمزة بن عبد المطلب وهو أحد أعمام النبي عليه الصلاة والسلام، وهو كذلك مع أنه عمه هو كذلك أخوه من الرضاعة. وقد مر ذلك معنا في أوائل هذه الرسالة في ذكر حواضنه ومرضعاته عليه الصلاة والسلام أن ممن ارتضع مع النبي حمزة، حمزة فهو عم الرسول وهو كذلك أخوه من الرضاعة. فقال رحمه الله تعالى: ثم قد أسلم في السادس، أي في السادس في السنة السادسة من بعثته عليه الصلاة والسلام في هذا العام أسلم حمزة، طبعًا وهذا على القول الشهير وعلى القول المشهور، وهذا الذي اشتغر في كتب التاريخ والسير. لكن من العلماء من يرى خلاف ذلك ويرى أن حمزة ما تأخر ما تأخر في إسلامه، بل كان من المسارعين. حتى أن من العلماء من يرى أن حمزة أسلم في السنة الثانية أسلم في السنة الثانية من البعثة، وقد جزم بذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى كما في كتابه الإصابة، وهكذا جماعة من كتب في السيرة النبوية كالصالح وغيره مال إلى ما مال إليه الحافظ ابن حجر أن إسلام حمزة كان في السنة الثانية وليس في السنة السادسة. لكن على المشهور والذي سار إليه عليه المؤلف رحمه الله، وحمزة رضي الله تعالى عنه عندما أسلم حسن إسلامه، وكان من خيار أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. وكان من مناقبه رضي الله تعالى عنه أنه شهد بدرًا، وأنه أحد من صلى إلى القبلتين، القبلة الأولى إلى بيت المقدس أدركها، وكذلك صلى بعد ذلك إلى الكعبة المشرفة. وكذلك ممن هاجر مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقتل يوم أحد قتل يوم أحد رضي الله تعالى عنهم. وقد كان في إسلامه نصر للإسلام والمسلمين. وقول النظم رحمه الله تعالى: ثم قد أسلم في السادس حمزة الأسد، حمزة الأسد هذا إشارة إلى لقب من ألقابه رضي الله تعالى عنه بأنه أسد الله، بأنه أسد الله. نعم، جاءت روايات إخواني في الله تشير إلى هذا اللقب، فمن ذلكم ما رواه الإمام الحاكم في مستدركه من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أن حمزة رضي الله تعالى عنه كان يقول يوم أحد: أنا أسد الله، كان يقول يوم أحد: أنا أسد الله، إلا أن هذه الرواية فيها إرسال. وكذلك روى ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى عن حمزة أنه كان يقول: أنا أسد الله وأسد رسوله، أنا أسد الله وأسد رسوله. وهذا الحديث والأثر قال عنه الذهبي الهيثمي رحمه الله تعالى في المجمع: قال رجاله إلى قائله رجال الصحيح، رجاله إلى قائله رجال الصحيح. فهذه الأثار نعم وإن كان بعضها فيه من العلل، لكن بعضهم يرى أنها تنتهض إلى صحة هذا اللقب المضاف إلى حمزة وأنه أسد الله، وهكذا أسد رسوله. إلا أن هناك كذلك لقب آخر وهذا ثابت لحمزة رضي الله تعالى عنه وهو سيد الشهداء، أنه سيد الشهداء. فقد ثبت في مستدرك الحاكم بإسناد صحيح، وأورده العلامة الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله. فالشاهد في قول نبينا أن حمزة هو سيد الشهداء، فهذا من ألقابه رضي الله تعالى عنه لما كان من شجاعة وحميته وحميته لدين الله ونصرته لرسول الله عليه الصلاة والسلام. فهذا ما يذكر إخواني في الله في قول الناظم ثم قد أسلم في السادس حمزة الأسد، إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.