الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 58، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول الرد على مزاعم الروافض بإسلام أبي طالب ويبين تناقضهم في ذلك، ويستدل على كفره بالأدلة الصحيحة. يبرز الحكمة من بقائه على الكفر لحماية النبي.
يشرح الفوائد من موت أبي طالب على الكفر، مبينًا أن الهداية بيد الله وحده، ويجوز الاستعانة بالكفار إذا أمنت الفتنة. يبين أن النبي لا يستطيع هداية أحد.
يتناول كيفية تعامل النبي مع أعمامه المختلفين، ويبرز الفروق في التعامل مع أبي طالب وأبي لهب. يستخلص درسًا في التعامل مع المخالفين بحسب مواقفهم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ومواصل إخواني في الله عما كنا فيه في درس أمس حول ذكر الناظم رحمه الله تعالى لقوله: وبعد تسع من سين رسالته مات أبو طالب ذو كفالته وبعده خديجة توفيت من بعد أيام ثلاث مضت. أشرنا إلى هذا البيت وما فيه من مسائل تاريخية وحقبة زمنية، وما ذكرناه من أقوال العلماء حول وفاة أبي طالب ووفاة خديجة رضي الله تعالى عنها. وكان مما وقفنا عنده من الفوائد ما فيه إيضاح لموت أبي طالب على الكفر، كما جاء ذلك في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على هدايته، فكان يقول له: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، إلا أنه أبى، وقال: ومات على ملة عبد المطلب. هذه الحادثة، إخواني في الله، تستفاد وتبين لنا عدة مسائل، نشير إليها إشارة. ومن عظيم هذه المسائل أولاً: فيه الرد على من زعم أن أبا طالب مات مسلمًا. وهل أحد يقول بهذا؟ نعم، الروافض الشيعة الروافض يدعون بأن أبا طالب مات على الإسلام، بل هم يشنعون على أهل السنة هذه المسألة، يقولون: كيف تتجرؤون على رمي أبي طالب بالكفر، وهو عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي كفله، وهو الذي دافع عنه، إلى آخر ترهاتهم. ولربما السر، إخواني في الله، السر في دفاعهم المستميت لأبي طالب ليس فقط حبًا لرسول الله، بل لأن أبا طالب هو والد إمامهم، وهو علي بن أبي طالب، الذين قد غلوا فيه حتى جعلوا من قدرة علي بن أبي طالب أن يغير الملكوت، وهذا قد علم في اعتقاداتهم. فكيف لا يستطيع علي بن أبي طالب أن يؤثر على أبيه؟ فاستعظموا هذا، ولهذا هم يشددون في هذه المسألة، ويثبتون أن أبا طالب، وهو والد علي بن أبي طالب، إنما مات على الإسلام. وهنا مسألة، وهي فائدة ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ويُدلل على عظيم تناقض الروافض في هذه المسألة. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، كما في «منهاج السنة»: «فهم يقدحون في العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي تواتر إيمانه، ويمدحون أبا طالب الذي مات كافرًا باتفاق أهل العلم، كما دلت عليه الأدلة الصحيحة». تأمل إلى التناقض: أتوا إلى عم من أعمام رسول الله، وهو العباس، وهو بالاتفاق مات على الإسلام ومات على الإيمان، ومع ذلك يكفرونه. وأتوا إلى أبي طالب، والذي قد دلت الأدلة باتفاق العلماء على أنه مات كافرًا، ويرمونه بالإسلام وأنه من أهل الإيمان. انظر للتناقض، كيف أن الله جل وعلا طمس على بصائرهم. وهذا عمه، وهذا عمه، صلوات ربه والسلام عليه، إلا أن العباس مات على الإسلام، وأما أبو طالب فالذي عليه العلماء قاطبة أنه مات على الكفر. فهذا مما يستفاد من هذه الحادثة. كذلك مما يستفاد، إخواني في الله، في موت أبي طالب على الكفر، ما كان فيه من حكمة أرادها الله جل وعلا، إذ أن بقاء أبي طالب على الكفر فيه حماية وصيانة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، إذ أن أبا طالب لو أسلم، لقلت هيبته، ولذهب هذا الدرع عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولتصدّى الكفار على نبينا. فكان من حكمة الله أن الله جل وعلا، لعدله ولحكمة أرادها، أبقى أبا طالب على الكفر. ولهذا يقول إمام بن كثير رحمه الله تعالى، مشيرًا لهذه الحكمة، كما في «البداية والنهاية»: «مع أنه -يعني أبا طالب- مع أنه على دينهم وعلى ملتهم، إلا أن الله قد امتحن قلبه بحب رسول الله حبًا طبيعيًا لا شرعيًا. وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى، ومما صنعه لرسول الله من الحماية، إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشرك قريش وجاهة ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ولا يحترمونه». إلى أن قال رحمه الله: «وربك يخلق ما يشاء ويختار، وقد قسم خلقه أنواعًا وأجناسًا». فكان ذلك من حكمة الله سبحانه وتعالى. كذلك من الفائدة المستفادة في هذا الحديث، وفي موت أبي طالب على الكفر، الفائدة الثالثة: فيها أن الهداية بيد الله، وأن نبينا عليه الصلاة والسلام، مع ما كانت له من فضائل ومقام سامع عند ربه سبحانه وتعالى، إلا أنه ما استطاع أن يهدي عمه، لأن هداية القلوب بيد الله. هداية القلوب بيد الله، ليست بيد أحد من خلق الله. ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى، ومخاطبًا النبي: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. فالهداية بيد الرب، جمع الله في علمه، فلا. فمن ظن -وقد ذكر هذا العلماء- أن من اعتقد في أحد من خلق الله، كمن يعتقد في رسول الله أو يعتقد في ولي من أولياء الله أو في أحد من الصالحين أن بإمكانه كشف الكروب وهداية القلوب، فقد كفر. فقد كفر. وقد ذكر الإجماع على هذه المسألة، لأن هداية القلوب ليست بأحد، ولو كان أحد يهدي قلب أحد لكان نبينا سارع إلى هداية قلب عمه، لكن هذا ليس له. ولهذا قاله رب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. نعم، نبينا له نوع آخر من أنواع الهداية، وهي هداية الدلالة والإرشاد، هذه ثابتة لرسول الله، لرسول الله، ثابتة للعلماء، ثابتة للدعاة. ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. هداية الدلالة والإرشاد، بمعنى أنك توضح الطريق، إضاح الطريق للناس، هذه قد آتاها الله لمن شاء من خلقه، الأنبياء يوضحون الطريق، هذا حلال، هذا حرام، هذا ينبغي، هذا لا ينبغي، هذا دين الله، هذا دين الكافرين. الإضاح والبيان والدلالة، هذا بإمكان الأنبياء، بإمكان الرسل، بإمكان الدعاة، بإمكان العلماء. هذه هداية قد أتاحها الله لخلقه. ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي تدل. هذا ثابت، لكن هداية القلوب، هذا لا يمكن. أنا أهدي فلانًا، ولكن ما أستطيع. كم حريص نوح على هداية ابنه ما استطاع. إبراهيم حريص على هداية أبيه ما استطاع. لوط حريص على هداية أهله وزوجه ما استطاع. نبينا حريص على هداية عمه ما استطاع، لأن هذه هداية ليست بيد أحد من خلق الله. كذلكم الفائدة الرابعة المستفادة من هذا الحديث، وما كان من موت أبي طالب على الكفر، فيه مسألة ألا وهي: نبينا صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وأيضًا بعد البعثة، لا زال في حماية عمه، وعمه على الكفر. لأن كما قلنا: مات عمه في السنة العاشرة من بعثته، يعني لا زال بعد البعثة بعشر سنين، ولا زال نبينا في جوار عمه، وعمه يدافع وينافع. هل يستفاد من ذلك جواز الاستعانة بالكفار؟ هل يستفاد من ذلك جواز الاستعانة بالكفار، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بجواره بعمه؟ الجواب: نعم، يجوز الاستعانة بالكفار، لكن لكن إذا أمنت الفتنة، وإذا دعت الحاجة. إذا أمنت الفتنة، بحيث أنك تستعين بكافر وتأمن من خبثه، من غدره، من خيانته، أن لا يطعن في ظهرك، تأمن خيانته، فإن لم تأمن فلا تستعين به. ثانيًا: أن تكون الحاجة ملحة وماسة وضرورية، في أنك لا بد تستعين به في هذا الأمر من الأمور. حينها يجوز، حينها يجوز، بدليل هذه الواقعة، وغيرها من الوقائع. لكن قد يشكل، قد يشكل في هذا الباب، ما ثبت في صحيح مسلم من أن النبي صلى الله عليه وسلم في أحد الغزوات، جاءه رجل وأراد أن يجاهد مع رسول الله، وكان هذا الرجل على الكفر، كان كافرًا، وأراد أن يعاون نبينا في القتال، فيقاتل معه في صفه، فرده نبينا عليه الصلاة والسلام، وقال: «إني لا أستعين بمشرك». لا أستعين بمشرك. نعم، هذه اللفظة استدل بها من استدل من أهل العلم، والمسألة الخلافية بين العلماء على أن الكافر لا يستعان به مطلقًا. «إني لا أستعين بمشرك»، مشرك نكرة في سياق النفي، تدل على عموم المشركين، لا يستعان بهم في قتال، في قتال. لكن نبينا رده بهذه المقالة: «إني لا أستعين بمشرك». فكيف هذا ونحن ندلل الآن على أنه يمكن أن نستعين، وأن المسلم يستعين بمشرك؟ فعلى ماذا يحمل قول نبينا عليه الصلاة والسلام: «إني لا أستعين بمشرك»؟ قال العلماء: يحمل أن النبي رد هذا الرجل لإحدى احتمالات ثلاث: إما أن هذا الرجل غير مأمون، ما أتأمنه، يخشى أن يجعله في جيشه ثم يغدر بهم، رده. هذا يحتمل. الاحتمال الثاني: أن النبي ما أراده لأنه ما هناك حاجة، ما عسى رجل واحد أن ينفع، ما عسى هل يقدم يؤخر في كفة الحرب، في كفة ميزان القتال؟ لربما ما يؤثر. واحد بإخلاف لو كانوا جامع الأمر يختلف، لكن واحد يدخل، فالحاجة ليست ماسة، ولهذا كان نبينا في غنى عنه، فرده. هذا الاحتمال الثاني، وهو قوي. الاحتمال الثالث: قال علماء أن النبي خرج منه هذا الكلام على وجه التهديد، على وجه التهديد، عل وعسى أن هذه الكلمات تزجره وتمنعه. ولهذا جاء في رواية هذا الحديث: نعم، أنها أثرت فيه، لأنه جاء المرة الأولى رده نبينا، قال: «أتؤمن؟» قال: لا. قال: «إن الله استعيني مشرك». رجع. قال: «دعني أقاتل» قال: «دعني أقاتل معكم». قال: «أتؤمن؟» قال: لا. قال: «إني لا أستعين بمشرك». ثم في الثالث، ثم قال: «أتؤمن؟» قال: نعم. قال: نعم. إلا أن هذا الكلام من رسول الله كان له وقع، فلهذا حمل العلماء مقالة الرسول عليه هذا الرجل من باب التهديد والتوبيخ والتزيير، لعل ينزجر عن شركه، وكان ذلك حقًا. ولهذا الصحيح في هذه المسألة: أن الاستعانة بالمشركين تجوز عند الحاجة، وكذلك إذا أمنت الفتنة. ويراجع في ذلك هيئة كبار العلماء، وخاصة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، فله فتوى مطولة في هذا المقام، ودلل بالأدلة الدالة على أن نبينا صلى الله عليه وسلم استعان بالمشركين في بعض الوقائع، وكل ذلك تحت ما سمعنا، عند الحاجة، مع ماذا؟ الأمن من الفتنة. أخيرًا، إخواني في الله، مما يستفاد من حادثة موت أبي طالب، ما كان من تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع هذا العم. مر معنى كيف أنه في سكرات موته حضر بنفسه عليه الصلاة والسلام، ولا يزال يلح: يا عم، قل لا إله إلا الله، يا عم، قل لا إله إلا الله، ومع ذلك مات على الكفر. هل تركه؟ لا، ما تركه. ولهذا سأل الاستغفار لعمه، فنهاه ربه: لا تستغفر. ثم عاود بالشفاعة، فشفع فيه. بقي هذا الفعل من رسول الله مع عمه. لو وزن هذا الفعل مع عم آخر، وانتبه لكلامي، هذا الأفعال، وهو ما كان من حرص رسول الله على عمه، والذي مات على الكفر، في حياته، في آخر حياته، وفي بعد ما مات. لكن لنبينا عم آخر، وهو عبد العزة بن عبد المطلب -بين قوسين أبو لهب- هو كذلك عم لرسول الله عليه الصلاة والسلام. هل نبينا تعامل مع أبي لهب كما تعامل مع أبي طالب؟ الجواب: لا، ما تعامل هذا مع هذا، مع أن الكل أعمام لرسول الله، لكن هنا مع أبي طالب له شأن آخر في حسن التعامل معه، بخلاف أبي لهب. طبعًا يأتي السؤال: لماذا هذا التميز في معاملة رسول الله بين أعمامه؟ الجواب: إنما كان هذا التعامل على حسب ما كان تعاملهم هم مع الإسلام. فلما كان أبو طالب ممن دافع، ممن نافع، ممن ذب عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، كانت له معاملة تليق بأمره، مع كفره. ولما كان أبو لهب على خلاف ذلك، كان مؤذيًا لرسول الله، كان يرميه بالحصى، كان يسبه، كان يشهر به على رؤوس الأشهاد، فلما كان كذلك، ما عامل نبينا بهذه المعاملة. وهنا تأتي الفائدة التربوية المنهجية الدعوية، وهو في كيفية التعامل مع المخالف، في كيفية التعامل مع المخالف. التعامل مع المخالف يختلف بحسب تعامل هذا المخالف لدين الله جل وعلا. والمخالف، أعني به على المستوى العام: من الكافرين، من المشركين، أو بوجه خاص: من المبتدعة، من المعرضين. فهم على حسب تفاوتهم في تعاملهم، يكون تعاملنا معهم. فمن كان من المخالفين داعمًا لبدعته، داعمًا لشركه، داعيًا، مناصرًا، متلسًا، يرد، يتكلم، يثير الشبهات، فتعاملنا معه من الزجر والهجر والتحذير والتشهير، ليس كتعاملنا مع غيره من المخالفين ممن هو من أمره السكوت والصمت. ففرق بين هذا وهذا. فإن قال القائل: وأين الدليل على التفريق؟ قل: ما كان في تعامل رسول الله مع عمه أبي طالب، مع عمه أبي لهب، مع أن الكل مات على الكفر، لكن لخلاف التعامل مع رسول الله، كانت تعامل معهم ظاهره واضحة من رسول الله إليهم. فهذا، إخواني في الله، مما يذكر من فوائد هذه الحادثة التي مرت على رسول الله، وذلك في موت عمه أبي طالب، مع حرصه عليه الصلاة والسلام على موته على الإسلام. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.