الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 59، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
اجتمعت قريش في خيف بني كنانة وقررت مقاطعة بني هاشم وبني عبد المطلب، وكتبوا صحيفة بهذا القرار وعلقوها في الكعبة. انحاز بنو هاشم وبنو عبد المطلب إلى شعب أبي طالب حماية لرسول الله.
استمرت المقاطعة لمدة ثلاث سنوات، وتعرض المحاصرون للجوع والتعب، وسعى بعض العقلاء من أهل قريش لإنهاء هذه المقاطعة. يذكر ابن القيم تفاصيل الحصار والأحاديث الصحيحة التي تدل على صحة هذه القصة.
يُنهي المقطع بالتأكيد على علم الله تعالى والدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر المقطع الختامي للكلام بالدعاء والصلاة على النبي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فيما وقفنا عليه إخواني في الله في هذه المنظومة والموسومة بالمئية، وقفنا عند قول الناظم رحمه الله: وبعد تسع من سني رسالته مات أبو طالب ذو كفالته وبعده خديجة توفيت من بعد أيام ثلاث مضت. وذكرنا ما يتعلق بوفاة خديجة رضي الله تعالى عنها، ثم أشرنا إلى ما يتعلق بمسألة موت أبي طالب وما يتبعه من مسائل. وهنا مما يناسب ذكره إخواني في الله أن نشير إلى مبحث من المباحث المهمة في السيرة النبوية، وكذلك من الحوادث التي فاتت الناظم رحمه الله تعالى، وكذلك من ذكرها في منظومته، وهي من الحوادث الشهيرة، ألا وهي ما يتعلق بأمر المقاطعة العامة المعروفة بالمقاطعة العامة. وهي من الحوادث التي وقعت في العهد المكي، وقد تتابع العلماء ممن ألف في التاريخ وفي السيرة النبوية على ذكرها وعلى بيان مسائلها. ونذكر في هذا المقام إخواني في الله ملخص هذه الحادثة وما يتعلق بها، ونذكر بعد ذلك ما يتعلق بفوائدها ومسائلها. وخلاصة هذه الحادثة إخواني في الله أن الإسلام لما انتشر أمره، ورأت قريش أن المسلمين ممن ذهب إلى أرض الحبشة قد أصاب أرض أمن وأمان واستقرار، ثم ما كان من انتشار الإسلام بين أيديهم في مكة، وكيف أن الصحابة يزدادون عددا، ثم ساءهم - وهذا أعظم ما ساءهم - ما وجدوا من تعاطف من بني هاشم وبني عبد المطلب لأهل الإسلام، إذ كانوا يناصرونهم وكانوا يسكتون عنهم. فحينها اجتمع الكفار في خيف بني كنانة. والخيف أصله في اللغة هو ما حدر من غلظ الجبل وارتفع عن مسير الماء. وبني كنانة وهم القبائل العربية الشهيرة كانوا يسكنون مكة، وخاصة عند الأبطح في منطقة يقال لها المحصب. وكان حينها على هذا الوصف مكانهم في من حدر من غلظ الجبل، فكان هناك مستقرهم. الحاصل أن قريش ومن معها اجتمعت في هذا المكان على ما سمعنا من ظهور الإسلام وما كان من انتشاره في الداخل في مكة وفي الخارج في أرض الحبشة، فاجتمعت قريش في خيف بني كنانة، ثم وصل بهم الأمر إلى مقاطعتهم المقاطعة العامة لبني هاشم وبني عبد المطلب، فهم لا يناكحونهم ولا يبايعونهم ولا يجالسونهم ولا يخالطونهم ولا يدخلون بيوتهم ولا يكلمونهم ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا، ولا تأخذهم فيهم رأفة حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. بهذا القيد بأن يسلموا رسول الله ويرفعوا أيديهم، وأنتم افعلوا ما شئتم، أما أنكم تنتقمون له أو تثأرون له، لا، سلموا طواعية حينها نتفاهم معه. فكان هذا هو الصلح الذي توصلوا إليه، وكتبوا في ذلك صحيفة وعلقوها في جوف الكعبة. وهذا الذي يسمى بالمقاطعة العامة. وكان ذلك في السنة السابعة من بعثته، وبدايتها كان في شهر الله المحرم، في بداية محرم، أول محرم من السنة السابعة من البعثة. والخلاف حاصل بين المؤرخين من الذي كتب هذه الصحيفة الجائرة والتي فيها قطع للأرحام وظلم لعباد الله. قيل كتبها رجل يقال له بغيض بن عامر، وقيل أن النبي دعا عليه فشلت يده. والله أعلم بهذا. وقد أوردها ابن سعد رحمه الله تعالى وذكر جماعة من أهل العلم. وقيل أن الكاتب غيره. الحاصل هذه إخواني في الله ما يتعلق ببدء وضع هذا القانون الجائر من كفار قريش لبني عبد المطلب وبني هاشم لما كان من تعاطفهم مع رسول الله بالمقاطعة العامة. حينها انحاز بنو عبد المطلب وبنو هاشم إلى شعب أبي طالب. إن الحياز هنا حتى لا تتفاقم الأمور، تخيل أنت تعاشر في قوم في مجتمع وهؤلاء قد رفعوا راية الهجر والقطيعة والعداء وكشروا عن أنيابهم، فأدنى الالتماس ربما كان يودي إلى القتال والقتل. وزيادة على ذلك أن بني هاشم خافوا على رسول الله أن يغتال، فأرادوا أن يكون بين أعينهم لا يغب عنهم. فكانت الحكمة حينها أن ينحازوا جميعا ويخرجوا من بيوتهم ويكونوا في مكان يجتمعوا مع بعض بعدا عن الفتن وما يؤدي إليه، وحماية لرسول الله عليه الصلاة والسلام. فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب، مؤمنهم وكافرهم، ليس فقط الخطاب والدفاع تم من أهل الإسلام، بل حتى الكفرة من كان على دين المشركين لكنه ينتمي لبني عبد المطلب وينتمي لبني هاشم حمية، دخل مع القوم. فانحاز الجميع إلى الشعب وظل هناك محصورين في هذا الشعب لمدة ثلاث سنوات، وهي مدة طويلة جدا. البعض عندما يسمع بمسألة المقاطعة والحصار يظنه أنها أشهر بالكثير لا سنوات. بدأت في بداية محرم من السنة السابعة وانتهت في محرم من السنة العاشرة من بعثته على المشهور الذي أورده العلماء. في فترة وجود هؤلاء سعى جماعة من العقلاء من أهل قريش، مما رأوا أن في هذا ظلم وفيه هضم وجور على أناس أبرياء ما فعلوا شيئا، وخاصة أن هؤلاء كانت تربطهم بينهم وبين عبد المطلب وبين بني هاشم قرابة ورحم وصلة. فحينها وجدوا أنه لابد من التعاون. وهذا الكلام خاص مع جماعة من أهل قريش وليس الكل، وكل من العقلاء ممن قذف الله في قلوبهم الرحمة والرأفة إزاء هذا الظلم الذي وقع على بني طالب وبني هاشم. وكان ممن سعى إلى نقض هذه الصحيفة وعلى رأسهم هشام بن عمرو بن الحارث، هو الذي قام بهذه المبادرة وأخذ يلتمس من من العقلاء والكبراء والوجهاء الذي معه نفس هذه الفكرة في أن هذا ما ينبغي أن يستمر سنة تلو السنة، والصغار والكبار والضعفة والمساكين والأبرياء يكون عرضة للموت والجوع. فاستطاع هشام من خلال تتبعه أن يأتي بجماعة من الوجهاء، فوجد من هؤلاء زهير بن أمية والمطعم بن عدي والبختري بن هشام والزماع بن الأسود. فهؤلاء الأربعة معه كانوا خمسة، خمسة وجهاء من أهل قريش كانت تربطهم صلة وقرابة في أصحاب الحصار، وما كانوا على رضا بالذي قد وقع عليهم. فاجتمعوا في ناديهم العام، وطبعا هذا الاجتماع كما يذكر العلماء أنه لم يكن يعلم به أهل النادي، وإنما الكل كأنه يبدي رأيه من عند نفسه. فلما اجتمعت الكبراء من أهل قريش في ناديهم العام المعتاد، قام كل واحد من هؤلاء الخمسة يقوم ويظهر ما كان من رأيه بأن هذا ظلم وأن هذا ما ينبغي ولن يستمر، ثم قام الثاني ثم قام الثالث ثم قام الرابع ثم قام الخامس. فكانت هذه الطريقة المحكمة من قبل هؤلاء كانت عامل ضغط على من كان في المجلس على أن التحالف الذي شكل في أول مرة قد انقض. لأن الأمر الأول كان عبارة عن التحالف الجميع اتفقوا على المقاطعة، لكن من خلال هذه المعارضة التي دبت هنا وهنا وهنا تضعضع الصف، فأظهر هؤلاء الخلاف وأن الأمر ليس مجمع عليه، وأنهم قد اختلفوا في هذا، وأنهم يرون إيقاف الحصار وإلغاء الصحيفة، وأن يلغى على إثره الحصار المضروب على بني هاشم. هذا إخواني في الله خلاصة هذا المبحث الذي يسميه العلماء في أهل السير بالمقاطعة العامة، وما كان من ظلم أهل قريش لرسول الله خاصة ولمن كان معه من بني طالب وبني عبد المطلب وبني هاشم. التفاصيل هذه قد ذكرها العلماء، لكن نبقى كأدلة صحيحة، هل هناك أدلة صحيحة يمكن من خلالها أن نثبت صحة هذه القصة؟ الجواب نعم. هناك أحاديث جاءت في السنة المطهرة تدل على صحة هذه القصة. أما التفاصيل فالأمر في ذلك سهل، لكن الأدلة صحيحة تذكر على أن حصارا وقع لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن بني هاشم وبني المطلب ماذا كانوا مع رسول الله ووافقوه على حصاره. من ذلك ما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر». هذا الحديث في البخاري فيه إشارة وتذكير لما كان من التحالف الأول قد مر معنا أن كفار قريش عندما تحالفوا تعال في هذا المكان في خيف بني كنانة. فالنبي صلى الله عليه وسلم ما خفي عليه هذا المحل، فلما جاء في موسم الحج أعطى لهذا المكان إظهار شريعة الحج وهو البيات في المحصر، وفي التحصيب وهو مسألة خلاف بين العلماء من ذهب إلى الاستحباب المبيت في هذا المكان في المحصر. علق ابن القيم رحمه الله تعالى على قوله عليه الصلاة والسلام: «نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر». قال ابن القيم رحمه الله: فقصد رسول الله إظهار شعائر الإسلام في المكان الذي أظهر فيه شعائر الكفر والعداوة لله ورسوله. فهذا الحديث يدلل على صحة ما كان من اتفاق الكفار في هذا المكان على محاصرة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وجاءت زيادة خارج الصحيح في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح قال: «حيث تقاسموا على الكفر وذلك أن قريشا وكنانة تحالفوا على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليه النبي صلى الله عليه وسلم». وجاء عند أسامة بن زيد قال: «ولا يؤوهم». فهذه الزيادات جاءت عند الترمذي وجاء في مسند الإمام أحمد، ففيها كذلك دلالة على صحة هذه القصة. وأيضا مما يدلل به على صحة القصة وأن لها أثرا في الصحيح ما جاء أيضا في صحيح البخاري أن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وجبير بن مطعم لم ذهبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي يأخذ من مال الخمس، وذلك خمس خيبر من مال خمس خيبر، وذلك حينما علموا أن النبي أعطى بني هاشم وبني عبد المطلب فنحن أولى ونحن في منزل واحدة. فلما ذهبوا إلى رسول الله قال عليه الصلاة والسلام: «إنما عبد المطلب وبنو هاشم شيء واحد». وفي رواية: «لم يفارقوني لا في جاهلية ولا في إسلام». الشاهد ما قوله وما الذي أراد النبي بقوله: «لم يفارقوني في جاهلية»؟ قال شراح الحديث: أي لما كان في الحصار حين وقف بنو طالب مع بني هاشم في مسألة الوقوف بجنب رسول الله عليه الصلاة والسلام. فالشاهد إخواني في الله أن الأحاديث الصحيحة تدل على صحة قصة الحصار، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حوصر في هذا المكان. ومما أختم به هذا المقام إخواني في الله أن نعلم أن طيلة هذه المدة وقع من الجهد والعناء والتعب الذي وقع لرسول الله خاصة ولعامة من معه. لأن الحصار إخواني في الله ليس فقط أنه مستوطن مكان وانتهى، لا، الحصار كان حصارا جغرافيا في محل واحد، وهكذا حاصرهم في البيع والشراء كما مضى، حتى أن الواحد من أهل الحصار وأراد أن يذهب إلى الأسواق كما ذكر أهل السير، وأراد أن يشتري سلعة له ولعياله يقوم الكفار ويرفع السلعة حتى هذا ما يستطيع أن يجد ما يشتريه، فيرجع إلى أهله وهو خال الوفاض، فما اشترى لهم طعاما ولا زادا. فكان الجوع يلتهم من كان في الحصار حتى كانت تسمع أصوات وصراخ البكاء النساء والصبيان. وكان هذا الذي أودى بعقلاء الخمسة الذين سمعتموهم سلفا أنهم قاموا بنقض الصحيفة لعظيم ما بلغهم من الظلم والتعب والجهد والنكد الذي بلغ لأهل الحصار. واستمع يا عبد الله إلى هذه القصة والتي وقعت لسعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وذكرها أبو نعيم في الحلية من طريق محمد بن إسحاق، وفيه يقول سعد رضي الله تعالى عنه قال: ويحكي عن نفسه أنه خرج ذات يوم للبول وفي أيام الحصار خرج للبول، فلما بال سمع قعقعة تحته، سمع قعقعة وهذا قد تكب الماء على شيء تسمع شيء يرد الصوت كأن هناك شيء خشن موجود. قال: فسمع قعقعة تحته، فإذا هو بجلد بعير بجلد بعير فأخذه فغسله ثم حرقه ثم سحقه ثم جعله في الماء، وكان يشربه وكان يشربه لمدة ثلاثة أيام يتقوى به. هذا طعامه جلد بعير وجده فعل به الذي فعل من تنظيفه ومن إحراقه ثم سحقه جعله فتاتا ثم يجعله في الماء ويجعله زاده لمدة ثلاثة أيام يتقوى به. وهذه القصة إسنادها صحيح. وكذلك ما جاء من حديث عتبة بن غزوان والحديث أصله في صحيح مسلم قال: «قد رأيتني سابع سبعة وأنا ورسول الله سابع سبعة مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، ما لنا طعام إلا أوراق الشجر حتى قرحت أشداقنا». كان طعامهم أوراق الأشجار يضربون الشجرة فتأتي بهذه الأوراق ثم يأكلونها، فكان هذا زادهم وكانت هذه في الأوقات الشديدة إذا قلت عليهم الميرة وقلت طعام والمؤونة. فشهد إخواني في الله هذا كان عبارة عن ملخص ما وقع لنبينا في أيام الحصار. وإن هذه الحادثة لا نستلهم منها العديد من المسائل والفوائد، يترك الكلام والحدء والحديث عنها بإذن الله في درس غد. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.