الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 23، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُناقش أهمية التعامل بلطف واحترام مع الشيوخ والعلماء لضمان الحصول على العلم، ويُفسر معنى طاعة أولي الأمر في القرآن بأنها تشمل العلماء والأمراء. يُبرز أهمية طاعة كلا الفريقين لإصلاح الدين والدنيا.
ينبغي للتلميذ أن يلتزم بالقراءة التي تلقاها من شيخه الأول ولا يغيرها، لأن التغيير قد يؤدي إلى الخطأ والخلط في الحفظ. كما يناقش أهمية عدم الخلاف بين المسلمين في القراءات القرآنية الثابتة عن النبي.
يشير إلى جواز القراءة بالقراءات الأخرى إذا كان القارئ عالما بها، مع مراعاة المصالح والمفاسد في ذلك. كما يؤكد على أهمية الاستمرار في التعلم من أستاذ واحد لتجنب زهده في الاستمرار في التعليم.
عندما يرى المعلم عدم اهتمامك بالتعلم يزهد فيك وفي تعليمك، مما يحرمك من الخير الذي يمكن أن تتلقاه. هذا التحذير يشدد على أهمية الاهتمام بالتعلم لضمان استمرار تلقي العلم والخير.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر الأجري رحمه الله في كتابه أخلاق حملة القرآن: قال: أخبرنا إبراهيم بن الهيثم الناقد، قال: حدثنا أبو معمر القطيعي، قال: حدثنا سهيل، عن الزهري، عن أبي سلمة، قال: لو رفقت بابن عباس لأصبت منه علما. أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف، أحد الفقهاء السبعة في بعض أقوال أهل العلم، وهو من أكابر العلماء في زمانه، وقد أخذ العلم عن عدد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ومنهم الإمام الحبر عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما. يقول: لو رفقت بابن عباس لأصبت منه علما. وهذا الأثر أخرجه الإمام الدارمي رحمه الله في كتابه السنن، وقال: زاد في آخره كثيرا، يعني لأصبت منه علما كثيرا. ومراد المؤلف رحمه الله بذكر هذا الأثر أنه ينبغي للطالب أن يرفق بشيخه، وأن يحسن التعامل معه، وأن لا يفقد عليه بالأسئلة أو يأخذ معه في الجدل، فهذا مما يحرمه علما كثيرا. إذا رأى الشيخ من تلميذه هذا التعامل، فإنه يمنع علمه منه، ويحرم هذا الطالب من الاستفادة والانتفاع من هذا العالم. وهذا معنى قول أبي سلمة رحمه الله: لو رفقت بابن عباس، وذلك أنه كان يجادل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فأدى ذلك إلى أن يحرم كثيرا من علم ابن عباس. قال: وحدثنا أحمد بن سهل الأشناني، قال: حدثنا الحسين بن علي، قال: حدثنا الحسين بن علي، عن الأسود، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا شريك، عن مجاهد، في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، قال: الفقهاء والعلماء. قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن مفضل، عن مهلهل، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله. في هذا الأثر فسر مجاهد بن جابر رحمه الله، وهو أحد تلاميذ الحبر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، في قوله جل وعلا: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، قال: الفقهاء والعلماء، يعني معنى أولي الأمر المراد بهم الفقهاء والعلماء. وهذا التفسير وارد وثابت عن كثير من السلف أنهم فسروا هذه الآية في قول الله عز وجل: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ بأنهم العلماء والفقهاء، ومنهم من قال: الأمراء والحكام. والقولان صحيحان، فالعالم له طاعة بما أتاه الله سبحانه وتعالى من علم وحجة وبرهان، والحاكم له طاعة بما أتاه الله سبحانه وتعالى من سلطة وقوة. فكلا التفسيرين صحيح، أن أولي الأمر يراد بهم العلماء، ويراد بهم الأمراء. ولا تستقيم حياة الناس، ولا يصلح لهم دينهم إلا بهذين الأمرين: بطاعة العلماء وبطاعة الأمراء. فبطاعة العلماء يصلح الدين، وبطاعة الأمراء تصلح الدنيا. وبفساد أحدهما يفسد الآخر، إذا فسدت فسد الناس. في طاعتهم لعلمائهم فسد دينهم، إذا لم يطع الناس أهل العلم فيما أوجبه الله سبحانه وتعالى عليهم، فإن دينهم يفسد. وإذا لم يطيعوا أمراءهم فيما أمرهم الله عز وجل به ورسوله، فسدت دنياهم. فلا تستقيم أمور الناس ويستقيم دينهم ودنياهم إلا بطاعة العلماء والأمراء. قال رحمه الله: ينبغي لمن لقنه الأستاذ ألا يجاوز ما لقنه إذا كان ممن قد أحب أن يتلقن عليه. وإذا جلس بين يدي غيره لم يتلقن منه إلا ما لقنه الأستاذ، أعني بحرف غير الحرف الذي تلقنه من الأستاذ، فإنه أعود عليه بالصح لقراءته. يعني يقول: ينبغي للتلميذ إذا أخذ القرآن من أستاذه وشيخه ولقنه إياه، فلا ينبغي له أن يذهب إلى شيخ آخر ويتلقى منه هذا القرآن بحرف آخر، يعني بقراءة أخرى غير القراءة التي قرأها على شيخه الأول، لأن هذا مما يخلط عليه في الحفظ والإتقان، وربما يقع في شيء من الخطأ بسبب ذلك. فالأفضل أن يقتصر على حرف واحد وعلى قراءة واحدة يقرأ عليها. فإذا قرأ على هذا الشيخ وأحب أن يقرأ على غيره، يقرأ بنفس الحرف، يقرأ بنفس القراءة التي قرأ بها على شيخه الأول، فإن هذا أعون له على ضبط القراءة وإتقانها. قال: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأوا كما علمتم». يعني كل يقرأ على حسب القراءة التي تلقنها. قال: حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، قال: حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: حدثنا عاصم، عن زر، عن عبد الله -يعني ابن مسعود رضي الله عنه- قال: قلت لرجل: أقرئني من الأحقاف ثلاثين آية. قال: فأقرأني خلاف ما أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت لآخر: أقرئني من الأحقاف ثلاثين آية. قال: فأقرأني خلاف ما أقرأني الأول. قال: فأتيت بهما النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه جالس، فقال علي رضي الله عنه: قال لكم: «اقرأوا كما علمتم». وهذا الأثر أخرجه الإمام أحمد رحمه الله بسند حسن، وقد حسن إسناده العلامة الألباني رحمه الله. وأثر ابن مسعود هذا أصله في صحيح البخاري، أنه قال: سمعت رجلا قرأ آية سمعت من النبي عليه الصلاة والسلام خلافها -يعني خلاف ما يقرأ هذا الرجل- قال: فأخذت بيده فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «كلاكما محسن» -يعني أنت القراءة التي حفظتها وقرأت بها صحيحة، وهذا الذي قرأ بهذه القراءة كذلك قراءته صحيحة- قال: «لا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا». هكذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، ودل هذا الحديث على أنه لا ينبغي الاختلاف، لا ينبغي الاختلاف في أمر القراءة، قراءة القرآن، لأن القرآن أنزل على سبعة أحرف، وبأي حرف قرأ المسلم فقد أصاب. وكما تعلمون أن القرآن جمع في عهد أبي بكر الجمع الأول، ثم في عهد عثمان رضي الله تعالى عنه جمع المصاحف على مصحف واحد، ومصحف عثمان الذي انتشر في العالم اليوم وهو مجمع على هذه الأحرف السبعة. فلذلك كل القراءات التي ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وقرأ بها الصحابة رضوان الله عليهم، وأخذها منهم التابعون ومن بعدهم إلى يومنا هذا بالأسانيد الصحيحة، القراءات السبعة والعشر المشهورة، كلها قراءات صحيحة. فإذا قرأ المسلم بأحد هذه القراءات، فلا ينبغي أن يحصل الخلاف بين المسلمين، لا ينبغي أن يحصل الخلاف بين المسلمين في هذه القراءات الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وإذا اقتصر المسلم على القراءة المشهورة التي يقرأ عليها الناس في تلك البلد، فهذا أفضل. لكن لا بأس لو قرأ أحيانا بالقراءات الأخرى إذا كان عنده علم بهذه القراءات، وقد تلقاها من باب معرفة الناس بهذه القراءات الثابتة، فلا بأس بذلك. قال رحمه الله: وحدثنا ابن صاعد أيضا، قال: حدثنا أحمد بن سنان القطان، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا شريك، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله رضي الله عنه، قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة، فدخلت المسجد، فقلت: أفيكم من يقرأ؟ فقال رجل من القوم: أنا. فقرأ السورة التي أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يقرأها خلاف ما أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا رسول الله، اختلفنا في قراءتنا. فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال علي رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما هلك من كان قبلكم بالاختلاف، فليقرأ كل امرئ منكم ما أقرأ». وهذا الأثر أيضا في مسند الإمام أحمد بسند صحيح، وهو أيضا يدل على ما ذكر سابقا من أنه لا ينبغي الاختلاف في القراءة أو في القرآن. وكذلك أيضا ينبغي مراعاة المصالح والمفاسد، يعني إذا أنت عندك أكثر من قراءة، وأنت تعيش في أوساط أناس جهلة لا يعرفون هذه القراءات، واختلاف القراءة للآيات والسور، وربما لو قرأت بقراءة أخرى غير التي عهدوها، أن قد ينكروا ذلك. فمثل هذه الحالة الأولى أنك لا تقرأ بغير القراءة المشهورة التي عرفها الناس. أما إذا كنت في أوساط طلاب العلم الذين يعرفون القراءات واختلاف الآيات في قراءتها ونحو ذلك، فلا بأس. فيرعى في ذلك المصالح والمفاسد. قال: قال: من قنع بتلقين الأستاذ ولم يجاوزه، فبالحري أن يواظب عليه، وحب ذلك منه. فإذا رآه قد تلقن ما لم يلقنه، زهد في تلقينه، وثقل عليه، ولم تحمد عواقبه. يقول: من قنع بتلقين الأستاذ -يعني اقتنع بهذا الأستاذ الذي يدرسه ويلقنه القرآن- فيقول: الأولى أنه لا يجاوز إلى غيره، لا يذهب إلى غيره ويتلقى من غيره، لأن هذا أدعى إلى استمرار هذا الشيخ في تلقينه والاهتمام به والاعتناء به. فلو ذهب إلى غيره وتلقن من غيره ما لم يلقنه الأستاذ الأول، ربما زهد بعد ذلك في تلقينه ويأبى أن يلقنه. فحينئذ يحرم من الاستفادة من هذا الشيخ ومن هذا الأستاذ، وحينئذ يسد على نفسه بابا كان سينتفع منه انتفاعا عظيما، وخاصة إذا علم الأستاذ الأول أو الشيخ الأول أن فلانا التلميذ الذي يقرأ عنده ذهب عند آخر يقرأ عليه، يقول: إذن هذا غير محتاج لي، إذا كان هكذا أنا سأنظر من هو بحاجة إلى أن يقرأ عليه وألقنه، ويعني أعطيه ما يتيسر من الوقت حتى ينتفع. فحينئذ يزهد فيك، يزهد في تلقينك وفي الاهتمام بك. وحينئذ كما سمعت تحرم نفسك من هذا الخير. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.