الدرس في شرح كتاب التوحيد 25، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الشرح بتوضيح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول من مات وهو يدعو من دون الله ندًا، ويبين معنى الند ومعاني "من دون الله". يوضح أن اتخاذ الند يكون على قسمين.
يشرح أنواع الندية، الند الأكبر والند الأصغر، ويوضح مفهوم الدعاء في الإسلام، بما في ذلك دعاء العبادة ودعاء المسألة، ويبين أن العبادات تعتبر طلبًا من الله تعالى.
يشرح الحديث النبوي حول خطورة دعاء غير الله واعتباره شركًا، ويحذر من صرف العبادات لغير الله، مشيرًا إلى أن من يموت على هذه الحالة سيدخل النار، ويؤكد أهمية الحذر من الشرك.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف -رحمه الله تعالى- وعن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار» رواه البخاري. أورد المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الحديث في بيان الخوف من الشرك، وسيأتي معنا موطن الشاهد من هذا الحديث. وهنا قال -عليه الصلاة والسلام-: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا»، ما هو الند؟ ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- بأن الند هو الشبيه، الند هو الشبيه، يقال: فلان ند فلان، أي مثله وشبهه، إذا وجدت المثلية ووجد الشبه يقول: فلان ند لفلان. فهنا قال -عليه الصلاة والسلام-: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا»، أي شبيهًا ومثيلًا ونظيرًا. وقد ذكر العلماء أن كلمة «من دون الله» دائمًا تأتي معنا سواء كان في نصوص القرآن والسنة، ما تعنيه هذه اللفظة؟ «من دون الله»، قال علماء: هي تحمل على معنيين اثنين، إذا رأيت هذه العبارة «من دون الله» فإما أن تحمل «من دون الله» بمعنى «مع»، أي مع الله، أي مع الله، هذا معنى «من دون الله»، مثلًا في هذا الحديث يكون المعنى: «من مات وهو يدعو من دون الله»، أي من مات وهو يدعو مع الله، فيجعل الندية مزاحمة مع الله سبحانه وتعالى، هذا المعنى الأول. والمعنى الثاني لكلمة «من دون الله» بمعنى «غير»، أي غير الله، فيكون معنى هذا المعنى: «من مات وهو يدعو من دون الله»، أي من مات وهو يدعو غير الله، فهنا عبد جعل للندية الاستقلالية. فانتبه لهذه المعاني وهي دائمًا تأتي معنا في نصوص القرآن والسنة «من دون الله»، «من دون الله» ما معنى «من دون الله»؟ إما أن تحمل بمعنى المزاحمة، فتكون معنى «من دون الله» أي مع الله، تجعل الله ندًا مع الله، أو «من دون الله» تأتي بمعنى الغير، ويكون معنى فيها الندية بمعنى الاستقلالية، «من مات وهو يدعو من دون الله»، أي غير الله، يدعو غير الله، فهنا تأتي بمعنى الاستقلالية. إذن هذه معاني «من دون الله»، قال -عليه الصلاة والسلام-: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا». وقد قال العلماء أن الاتخاذ اتخاذ الند يكون على قسمين اثنين، اتخاذ الند مع الله -جل في علاه- يكون على قسمين اثنين، إما اتخاذ الند يكون من النوع الأكبر، من النوع الأكبر، وهو مثلًا أن تجعل لله ندًا بمعنى النظير، بمعنى المثيل، وذلك بأن تجعل له أنواعًا من العبادات أو تصرف شيء من خصائص الرب، فحينها هذا الند ند أكبر، هذا الند يكون ندًا أكبر، مثل كمن يدعو غير الله ميتًا أو غائبًا أو يصرف له شيء من أنواع الطاعات والعبادات أو يعتقد فيه الألوهية والربوبية أو يعطيه شيء من خصائص الأسماء والصفات، هذا إذن جعل لله ندًا، وليس من شرط الندية أن تكون في كل الصفات، بل ولو في صفة واحدة بأن تجعل لله ند، وهذا الند شريك مع الله، ولو في صورة مما هي من خصائص الله أو في موطن من أنواع الطاعات والعبادات، زاحمت الند مع الله، فقد وقعت في الند الأكبر، وهو المخرج من الدين والملة، وهو المخرج من الدين والملة. إذن «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا»، وإذا كان الند الأكبر، فهذا موجب عليك يا عبد الله الخلود في النار. وأما الند الثاني، وهو الند الأصغر -إن صح التعبير- وهو ما كان من يسير الرياء، من يسير الرياء، الأصل أنك يا عبد الله تتعبد الله وحده وترجو الرجاء من الله والثواب من الله، فإذا التفت قلبك مثلًا إلى أنك تجعل نصيب لك من كلام الناس من ثناء الناس، فهنا توجهت لا أقول في أصل العبادة وإنما في ظاهر العبادة، أردت منها الثناء والرياء، فهذا نوع من أنواع الندية. كذلك ما يكون في الألفاظ، «ما شاء الله وشئت»، ظاهر اللفظ، وإن كنت تعلم أن لله مشيئة تليق بجلاله وعظمته، وأن للعبد مشيئة، وأن مشيئة العبد إنما هي تبع لمشيئة الله، لكنك قلت «ما شاء الله وشئت» في ظاهر لفظك جعلت شريك مع الله، هذه الندية، هذه الندية، لكن ليست مخرجة من الدين والملة. ولهذا لما قرأ ابن عباس -رضي الله تعالى عنه-: ﴿فلا تجعل لله أندادا﴾، قال ابن عباس: أتدرون ما الأنداد؟ أتدرون ما الأنداد؟ أن تقول: «ما شاء الله وشئت»، «ولولا كذا لكان كذا»، «ولولا كذا لكان كذا»، وهذا تفسير ابن عباس حبر القرآن، فدل بهذا الكلام على أن الندية منها ما يكون من الند الأكبر، أن تجعل مع الله شريك فيما يختص به من الخصائص، أو تجعل لله مزاح في أنواع الطاعات والعبادات، أو ما يكون من الند الأصغر، وهو الذي يكون مخرج من الملة، وهذا كيسير الرياء، أو ما كان من خطأ التعابير باللسان، كقولك: «ما شاء الله وشئت». ومما يستفاد إخواني في الله من هذا الحديث أيضًا في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا»، الدعاء هنا يشمل دعاء العبادة ودعاء المسألة. قد يقول قائل: وما هو دعاء العبادة؟ وما هو دعاء المسألة؟ هذا سيأتي معنا، أبواب ستأتي المفصل فيها ما يتعلق بأمر الدعاء، لكن من باب الإيضاح، الدعاء في اللغة وفي الشرع يتفقان على أن الدعاء هو الطلب، كل ما كان عبارة عن طلب يسمى دعاء، كقولنا: يا فلان أدعو لي فلان، بمعنى أطلبه. وعندما تدعو الله -جل وعلا- فإنك تطلب من الله، والطلب إخواني في الله، والطلب قد يكون تارة بلسان المقال، وتارة بلسان الحال، الطلب يكون تارة بلسان المقال بأنك تسأل كونك محتاج فتأتي إلى من وسع الله عليه فتطلب منهم مساعدة، فطلبك هذا قال: يقول بلسان المقال، أحيانًا أنت لا تتجرد على الطلب على السؤال فتسكت، لكنك تقف تقف عند من فتح الله عليه، أنت ما تكلمت، لكن هو يرى ينظر إلى ثوبك وإلى وضعك وإلى أنواع الذل التي ضربت عليك فيعلم أنك تريد شيئًا، فهذا ما دعاك بلسانه وإنما دعاك بلسان الحال. فعندي لسان المقال وهو طالب، وعندي لسان الحال وهو الوضع الذي أنت عليه، وهكذا قل في باب الدعاء، فأحيانًا الإنسان المسلم يقرأ أبواب السماء فيطلب من ربه: يا رب يا رب يا رب، هذا دعاء مسألة دعاء، لكن من نوع المسألة أنك تسأل ربك. وأحيانًا الدعاء ما يكون عبارة عن مسألة وإنما وضعك يكون طلب، مثل العبادات كونك تصلي، وهذا نحن قد صلينا الآن، لماذا نصلي؟ نحن بصلاتنا بحالة الصلاة هي عبارة عن طلب، ما الذي أطلبه؟ أطلب من الله المغفرة بصلاتي، أطلب من الله الرحمة بصلاتي، أطلب من الله أن يوسع حالي بالصلاة، أطلب من الله -جل وعلا- أن يمد في عمري وفي عمر عيالي، هذا الذي موجود في النوايا، فأنا أصلي لهذه الأغراض، أنا ما سألت ولا تلفظ بهذه الطلبات، لكن هي موجودة عندي، ولهذا أنا أصلي، ولهذا أنا أذكر الله، أستغفر، أقرأ القرآن، أصل الأرحام، أفعل أنواع الطاعات، كل ذلك أطلب منها أطلب من خلالها أن الله -جل وعلا- يعطيني من حظ الدنيا والآخرة. خد يقول: قال: وكيف تريد أن الله يعطيك وأنت ما طلبت؟ يقول: صلاتي، طاعاتي، عباداتي هي عبارة عن طلب لله، هذا يسمى بدعاء العبادة. وبهذا نعلم إخواني لأن كلمة دعاء يدخل فيها دعاء المسألة أني أطلب، ويدخل فيها دعاء العبادة أني أتعبد الله. ولهذا إذا معنى هذا الحديث: «من مات وهو يدعو من دون الله»، معنى «يدعو من دون الله» إما أني أسأل غير الله، كحال من يذهب إلى الأضرحة والقبور والتوابيت والمزارات والزيارات فيسألها من دون الله، ذاك يسأل المدد، وآخر يسأل الولد، فهذا من الدعاء الشركي، إذ أنه من دعاء المسألة. أو رجل لو ربما يؤدي أنواع الطاعات والعبادات للأموات، كأن يقف عند قبر وكله رجاء وكله طمع في أن هذا الميت يغفر له أو يحقق مراده، وإن لم يسأل، لكن فعله وما كان في قلبه وطلبه هذا دعاء، دعاء عبادة، وكل ذلك لا يجوز. فالشاهد إخواني في الله في قول نبينا -عليه الصلاة والسلام-: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار»، فدل هذا الحديث على حرمة هذا الفعل وأنه لا يجوز يا عبد الله أن تصرف شيئًا من أنواع الطاعات والعبادات من دون الله -جل وعلا-. وأيضًا فيما يستفاد من هذا الحديث إخواني في الله في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا»، «من مات» السؤال: متى تموت؟ السؤال: متى تموت؟ هل أحد يستطيع أن يجيب؟ لا أحد، ما أحد يستطيع أن يجيب متى سيموت؟ لا في هذا اليوم، ولا حتى بعد ساعة، ما هناك ضمانة في أنك تموت في الساعة الفلانية، قد تعمر وقد لا تعمر، إذن الموت لا يعلم به إلا الله، فهذا ماذا يجرك؟ يجرك أن تكون على حذر، لأنه متى ما جاءتك منيتك وأنت قد دعوت غير الله فأنت في النار. فهنا يأتي موضع الشاهد الذي أراده المؤلف -رحمه الله- أن تخاف من الشرك لأنك ما تدري متى ستلاقي ربك ومتى ستأتيك منيتك، إذن يبقى هذا الهاجز في ذهنك دائمًا وأبدًا ترجو أن لا تقترف شركًا حتى لا يأتيك الموت وأنت على هذا الحال فتدخل النار. وفي قوله -عليه الصلاة والسلام-: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا»، كذلك فيه الندية «ندًا» نكرة، والنكرة تفيد العموم، وهذا الند يشمل أي أحد كائنًا من كان، كائنًا من كان، من إذا دعوت ورجوت جعلت مع الله أو دعوت غير الله كائنًا من كان، سواء كان ملكًا، سواء كان نبيًا، سواء كان وليًا، فإنك يا عبد الله من أهل النار، الأمر إخواني في الله ليس بالسهل. تجد أن بعض الناس يستسيغ مثل هذه المقامات العالية من أهل الولاية من الأنبياء والصالحين فيجعلهم ندًا مع الله، أيغفر؟ لا، ما يغفر، هذا لا يجعل مع الله شريك أبدًا في عبوديته. ومن العظيم ومن الفضيع ما سمعنا أن بعض الناس يقول -لا أقول بلسان حاله بل بلسان مقاله- صرح بهذا، قال: أنا أعبد الله وأعبد محمدًا، أنا أعبد الله وأعبد محمدًا، ما حكم هذا؟ هذا لربما ما من عاقل يقول، وهذا كافر، لكن هذا تجرأ بلسانه. لكن أناس وطوائف لو ربما لم يقولوا بقوله، لكن أفعالهم تجر إلى هذا المعتقد، أنهم صحيح عبد الله وعبد غير الله، عبد الأنبياء، عبد محمدًا، عبد الصالحين، عبد الأولياء، وذلك بصرف الطاعات والعبادات لغير الله، يدعو الله ويدعو غير الله، يستغفر بالله ويستغفر بغير الله، يتوكل على الله ويتوكل على غير الله، بالمثل، بل ربما ما كان لغير الله أعظم من الله، هذا قد رأينا وسمعنا، كما قال بعضهم: قال: دعوت الله سنوات حتى يرزقني بولد فما استجاب لي، ودعوت شيخي أن يرزقني بولد فرزقني بتوأمين، فرزقني بتوأمين، ما معنى أن هذا أعظم من الله؟ كفر. فالشاهد إخواني في الله علينا أن نعلم أن «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا كائنًا من كان» فإنه من أهل النار. فهذه إخواني في الله مما يذكر من هذه الفوائد، وخاتمة هذه الفوائد أن من سلم من ذلك سلم من الشرك، سلم من الوقوع في الندية الصغرى والكبرى، فهو من أهل الجنة. ولهذا ثبت عن عبد الله بن مسعود في هذا الحديث لما قال -عليه الصلاة والسلام-: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار»، قال عبد الله بن مسعود: وأنا أقول: «من مات وهو لا يدعو من دون الله ندًا دخل الجنة»، وأنا أقول: «من مات وهو لا يدعو من دون الله ندًا دخل الجنة». إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.