كتاب الحدود 3

الدرس في كتاب الحدود 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعريف المرتد وأحكام الردة

المرتد هو من خرج عن الإسلام بفعل أو قول أو اعتقاد، ويجب استتابته ثلاثة أيام فإن رجع وإلا قتل. الردة تكون بفعل أو قول أو اعتقاد يخالف الإسلام.

تفاصيل حكم المرتد وتوبة الردة

المرتد يستتاب ثلاثة أيام فإن رجع وإلا قتل، والتأويل يمنع الحكم بالكفر. تقبل توبته إذا نطق بالشهادتين وأقر بما جحد من الدين.

تتمة الكلام عن توبة المرتد وخلاف أهل العلم

هناك خلاف بين أهل العلم حول قبول توبة من تكررت منه الردة. المرتد يقتل إذا لم يرجع عن ردة، وتقبل توبته إذا نطق بالشهادتين.

ختام الكلام حول أحكام الردة

المقطع يشير إلى انتهاء الحديث حول موضوع الردة ويؤكد على أن الله تعالى هو الأعلم. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين أبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام السعيد رحمه الله في كتابه «منج السالكين وضيح الفقه في الدين»: باب حكم المرتد. قال: والمرتد هو من خرج عن دين الإسلام إلى الكفر بفعل أو قول أو اعتقاد أو شك. قد ذكر علماء رحمهم الله تفاصيل ما يخرج به العبد من الإسلام، وترجع كلها إلى جحد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو جحد بعضه غير متأول في جحد البعض. فمن ارتد استتيب ثلاثة أيام، فإن رجع وإلا قتل بالسيف. هذا الباب في بيان حكم المرتد. والرد لغة هو الرجوع، هو الرجوع، من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ يعني ترجع. وكذا بقوله جل وعلا: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾، ردوكم يعني يرجعوكم. وأما شرعا، فهو من خرج عن دين الإسلام إلى الكفر طوعا، لأنه لو حصل ذلك كرها فهو معذر، لا يكون بذلك مرتد في قول الله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾. ولكن من شرح بالكفر صدرا، وسواء ترك دين الإسلام إلى ملة أخرى من ملة الكفر كاليهودية والنصرانية والمجوسية أو غيرها، أو ارتد من غير أن يعتنق ملة كفرية، مثلا فيعتبر مرتد، ويكون بذلك قد وقع في الكفر. قال: بفعل أو قول أو اعتقاد أو شك، هذه الأربعة هي أصول الردة. إما أن يكون بالقول أو بالفعل، كمن سجد لغير الله أو ذبح لغير الله أو نحو ذلك من الأفعال التي توصل بصاحبها إلى الكفر. أو بقول مثل من استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو دعا غير الله جل وعلا كذلك فيما لا يقدر عليه إلا الله من كشف الكربات وقضاء الحاجات، هذا قد وقع في الكفر. وهكذا من سب الله ورسوله كذلك، هذا القول يوقع صاحبه في الردة. أو استهزأ بشيء من الدين أو نحو ذلك. أو اعتقاد، كأن يعتقد اعتقادا يخالف دين الإسلام، كاعتقاد مثلا اعتقاد الروافض أن جبريل خان الرسالة جعلها لمحمد وهي لعلي، أو اعتقاد أن الصحابة كفار، أو اعتقاد أن القرآن ناقص، أو كذلك كاعتقاد الجهمية أن القرآن مخلوق، نحو ذلك. أو شك، إذا شك في أمر من أمور الدين اليقينية، مثل الشك في وجود الله سبحانه وتعالى، أو شك في وجوب الصلاة أو في وجوب الصيام أو وجوب الزكاة، أو حرمة الخمر والزنا، أو شك في وجود الجنة والنار، أو شك في البعث والنشور إلى آخر ذلك، فيكون بذلك قد وقع في الردة. وكما أشار المصنف رحمه الله إلى أن تفاصيل الردة كثيرة، وهي ترجع إلى جحد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. فمن جحد شيئا مما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام أو بعضه، ولم يكن هناك تأويل، فإنه يكون بذلك قد وقع في الكفر. وقوله: غير متأول في جحد البعض، لأنه إذا حصل التأويل هنا لا نحكم عليه بالكفر، لأن التأويل مانع من موانع الكفر. ومن ذلك ما حصل من بعض الصحابة، وأن الله عليهم حين تأولوا قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾، فتأولوا هذه الآية على أن من اتقى وآمن لا حرج عليه أن يشرب الخمر، ففعلوا ذلك، وقام عليهم عمر رضي الله عنه الحد، أي حد جلد الشرب، لكن لم يكفروا بذلك بسبب التأويل، وإلا من يعني أباح شرب الخمر أو قال شرب الخمر حلال قد وقع بالكفر، لكن بسبب التأويل لم يحكم عليهم بالكفر. قال: فمن ارتد استتيب ثلاثة أيام، فإن رجع وإلا قتل بالسيف. نعم، من وقع في الردة فإننا نستتيبه ثلاثة أيام، نقول له تب، لعله يراجع أمره ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى. وقد جاء في الموطأ إمام مالك أن عمر رضي الله عنه أتى على رجل قد قتل، قال: ما هذا؟ قالوا: ارتد. فقال: هل حبستموه ثلاثا وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتيبتموه؟ وكذا يعني طلبت منه التوبة لعله يتوب ويراجع أمر الله. ثم قال: «اللهم إني لم أحضر ولم أرض إذ بلغني»، وذلك أن الردة ربما تكون بسبب شبهة، وهذه شبهة تحتاج إلى بيان، ومثل هذا لا يحصل في الحال، فيجعل لهذا المرتد فرصة يراجع فيها أمره، وكذلك تبين له هذه الشبهة التي ربما وقعته في الردة. فإن أصر بعد ذلك عليها أقيم عليه الحد. فإن رجع يعني عن هذه الردة وإلا قتل بالسيف، نعم يقتل. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من بدل دينه فاقتلوه». حيث العباس: «لا يحل دم المسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»، وهو المرتد. قال: وإلا قتل بالسيف، يقتل بالسيف لأن السيف هو آلة القتل، ولأنه كذلك أرفق وأحسن في القتل. قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة». ولا يحرق بالنار لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التعذيب بالنار، «لا يعذب بالنار إلا رب النار». وفي المختصر قال: «لا تعذبوا بعذاب الله»، أي النار. طيب، هنا مسألة: المرتد لا تد هل إذا تاب تقبل توبته؟ الجواب: نعم تقبل توبته، وتكون توبته بالنطق بالشهادتين، أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وإن كان سبب الردة جحود شيء من الدين، فيقر بما جحد، فيقر بما جحده أيضا. من مسألة الردة: ذكر العلم أن الردة قد تقع من المميز، يعني من كان دون سن البلوغ إذا ارتد وقع عليه الردة وأصبح من أهل الردة، لكن لا يقتل حتى يستتاب، وهذا بعد البلوغ، يستتاب بعد البلوغ. نعم، وإذا وقع الإنسان في الردة وله مال، فإنه يمنع من التصرف في هذا المال، وتقضى منه ديونه، وينفق عليه وعلى عياله من هذا المال. وإن مات صار فيء لبيت مال المسلمين. طيب، تأتي مسألة أخرى، وهي ما لو تكررت منه الردة، ارتد ثم أسلم ثم ارتد ثم أسلم ثم ارتد، هل تقبل توبته بعد ذلك؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. فعند الإمام مالك رحمه الله لا تقبل، يقول: لا نقبل توبته، هذا متلدد يرتد ويرجع يرتد ويرجع. استدل بقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾، إذن هذا ليس لهم مغفرة، فلا نقبل توبته. وذهب الإمام أحمد والشافعي إلى قبول توبته، لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف. هذا علم أي شيء بما يتعلق بهذا الباب، والله تعالى أعلم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.