الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 31، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل مشروعية تحسين الصوت عند قراءة القرآن وأهميته في زيادة تأثير القرآن في القلب وجلب الثواب. يشير إلى أن تحسين الصوت يجب أن يكون مع مراعاة أحكام التجويد وبدون تكلف.
يناقش هذا الفصل ضوابط تحسين الصوت، حيث يشير إلى أن التحسين يكون بتحسين الصوت دون تكلف أو تصنع، ويصنف العلماء هذا التحسين إلى جائز ومذموم بناءً على حدود الطبيعة أو التكلف.
يتناول هذا الفصل أهمية حسن الصوت في القراءة والصلاة، حيث ينبغي لمن آتاه الله صوتا حسنا أن يخشى الله ويجعل قراءته دعوة للناس. يشير إلى أن نية القارئ تحدد أثر حسن صوته.
يختتم هذا الفصل الدرس بالصلاة على النبي وآله وصحبه، ويعد بمتابعة الموضوع في الدرس القادم. يعبر عن امتنان الشيخ لله وحرصه على الاستمرار في إيصال العلم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، المتوفى سنة ستين وثلاثمائة للهجرة، في كتابه «أخلاق حملة القرآن»: قال: «باب في حسن الصوت بالقرآن، وهذا الباب هو خاتمة هذا الكتاب، ذكر فيه رحمه الله ما يتعلق بمشروعية تحسين الصوت بالقرآن، والمراد بتحسين الصوت، وأنه تزينه وتجميله عند تلاوة القرآن بالصوت الطبيعي الذي منّ الله سبحانه وتعالى به على الإنسان، وأنه تزين الصوت بالقرآن مما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام، وهو مما يزيد القرآن حسنا، ويكون له أثرا في قلب السامع. وليس المراد من ذلك ما يقع من بعض القراء من التكلف والمبالغة في نطق الحروف وإخراج الحروف، أو كذلك في إبانة صفاتها، والمبالغة في المدود والتمطيط ونحو ذلك، فمثل هذا قد ذمه السلف، الخروج عن الاعتدال في القراءة مذموم. بل ينبغي تحسين الصوت بالقرآن مع مراعاة أحكام التجويد وقواعده من غير مبالغة وتكلف». قال: «أخبرنا الفريابي، قال: حدثنا صفوان بن صالح، قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: أنبأنا الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله، أنه حدثه عن فضالة بن عبيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى القينة". قال الأوزاعي: أذانا يعني استماعا. لله أشد أذنا، أي استماعا لقارئ القرآن». فالحديث فيه حث على قراءة القرآن وتحسين الصوت به، وأن الله عز وجل يستمع لقراءة القارئ وتلاوة التالي، كلما زين صوته وحسن قراءته كان ذلك أقرب إلى الله سبحانه وتعالى في الطاعة، وفيه كذلك حصول الثواب والأجر. وتحسين الصوت بالقرآن مما يزيد العبد إيمانا وخشية وتدبرا لكلام الله سبحانه وتعالى. قال: «وأخبرنا الفريابي، قال: حدثنا أبو قدامة وعمر بن علي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "زينوا القرآن بأصواتكم". والحديث صحيح، وقد أخرجه أبو داود، وصححه الألباني رحمه الله». قال: «وحدثنا جعفر الصندلي، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، أي أحمد بن حنبل، قال: قلت له - أي صالح بن الإمام أحمد يسأل أباه -: قوله صلى الله عليه وسلم: "زينوا القرآن بأصواتكم"، ما معنى هذا؟ قال: التزين أن يحسنه، التزين أن يحسن يعني يحسن صوته بالقرآن، وذلك أن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا، كما جاء عند الإمام الدارمي رحمه الله: "الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا". فالقرآن حسن بأصله؛ لأنه كلام الله سبحانه وتعالى، فهو أصدق الكلام وأصدق الحديث، ولما اجتمع عليه من معاني عظيمة وأحكام كذلك كثيرة، ومواعظ وترغيب وترهيب، فإذا ازداد مع ذلك حسن الصوت بتلاوته وقراءته، زاد القرآن حسنا، وكان له أثر في قلب المستمع من الخشوع والتدبر والتأثر بسماع كلام الله سبحانه وتعالى». وتزين القرآن بالصوت قسمه العلماء إلى قسمين: قسم يكون من الجائز المباح، وهو ما كان بحدود الطبيعة، بما آتاه الله سبحانه وتعالى هذا الإنسان من الصوت الحسن، فيزين صوته في قراءته للقرآن مع تعلمه لأحكام التجويد وقواعد القراءة من دون تكلف، فهذا محمود. والقسم الثاني ما يكون بالتصنع والتكلف، وربما قرأ القرآن بتعلم شيء من الأوزان أو مقامات القراءة أو نحو ذلك، فهذا مذموم، وهذا قد ذمه السلف. قال محمد بن الحسين: «ينبغي لمن رزقه الله حسن الصوت بالقرآن أن يعلم أن الله عز وجل قد خصه بخير عظيم، قد خصه بخير عظيم، أن الله عز وجل أنعم عليه باستقامة لسانه وسلامة قراءته وتلاوته، وقد سلمه من أن يكون في لسانه شيء من اللكنات أو الثقل أو نحو ذلك، فهذا خير عظيم. فليعرف قدر ما خصه الله به، أي من هذه النعمة، وليقرأ لله لا للمخلوقين، أي يقرأ لله يجعل قراءته ولله، يريد بها الأجر والثواب من الله، لا يريد المدح والثناء من الناس». قال: «وليقرأ لله لا للمخلوقين، وليحذر من الميل إلى أن يستمع منه ليحظى به عند السامعين رغبة في الدنيا، والميل إلى حسن الثناء والجاه عند أبناء الدنيا، يعني لما رزقه الله بالصوت الحسن أصبح يرغب في ثناء الناس عليه بأنه ذو صوت حسن، وأنه كذا وأنه كذا، فيحب المدح والثناء بسبب ذلك، أو يحب القرب من أبناء الدنيا من أبناء الملوك والرؤساء والمسؤولين. قال: والصلاة عند الملوك دون الصلاة بعوام الناس، وهذا من دلائل رغبته في الدنيا، إذا قال له عامة الناس: اقرأ لنا، تقدم، صلي بنا، يمتنع، وإذا طلب ذلك منه من يصلي بهم من أبناء الملوك وذوي الأموال والجاه والغنى استجاب وسارع؛ لأنه يريد شيئا مما في أيديهم من متاع الدنيا». قال: «فمن مالت نفسه إلى ما نهيته عنه خفت أن يكون حسن صوته فتنة عليه، وهو كذلك إذا كان هذا مقصده وهذا ميوله وهذه رغبته المدح والثناء والميل لأصحاب الدنيا، أصبحت ما أتاه الله سبحانه وتعالى من حسن الصوت فتنة له. قال: وإنما ينفعه حسن صوته إذا خشي الله عز وجل في السر والعلانية، وكان مراده أن يستمع منه القرآن لينتبه أهل الغفلة عن غفلتهم، فيرغبوا فيما رغبهم الله عز وجل، وينتهوا عما نهاهم. فمن كانت هذه صفته انتفع بحسن صوته، وانتفع به الناس». يعني يقول: ينبغي لمن آتاه الله صوتا حسنا أن يخشى الله في السر والعلانية، يكون عبدا تقيا لله جل وعلا في الظاهر والباطن، وفي السر والعلانية، يريد ما عند الله سبحانه وتعالى، ويجعل ما أتاه الله سبحانه وتعالى من حسن الصوت دعوة يدعو بها الناس إلى طاعة الله وإلى عبادة الله، فيستمع المستمع لقراءته فينتبه الغافل، ويتذكر الساهي، فيرغب العبد في طاعة الله سبحانه وتعالى، ويقبل على الله بالتوبة والإنابة، لما تمر عليه آيات الوعيد تؤثر في قلبه، فينكف عن الذنوب والمعاصي، ولما يسمع آيات الوعد بنعيم الجنة يرغب في طاعة الله ويقبل على عبادة الله، فهذا الذي ينفع نفسه وينفع الناس بما أتاه الله سبحانه وتعالى من حسن الصوت الذي منّ الله سبحانه وتعالى به عليه. طيب، نقف هنا، ونكمل في الدرس القادم بإذن الله. إلى هنا صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.