الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الاستغاثة بغير الله تعتبر شركًا لأنها دعاء لدفع ضر أو جلب نفع، والله وحده القادر على ذلك. من يستغيث بغير الله فقد أشرك به.
دعاء غير الله ضلال، ومن يدعى من دون الله لا يستجيب، والاعتقاد بأن هناك من يستجيب غير الله شرك في الربوبية. الله وحده يجيب المضطر إذا دعاه.
قصة إسلام عكرمة بن أبي جهل تبين تعلقه بالله في الشدة، بينما ينتقد شرك بعض الناس في هذا الزمان الذين يستغيثون بغير الله حتى في الشدائد.
حديث منكر عن الطبراني يدل على عدم جواز الاستغاثة بالنبي، مع الإشارة إلى ضعف هذا الحديث واحتمالية رواية ابن لهيعة له.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره. فالاستغاثة هي طلب الغوث، والمراد بالغوث هو الدعاء في الشدة والكرب، وغالبًا يكون لدفع ضر، لكن أيضًا تكون لجلب نفع. والفرق بينها وبين الاستعانة أن الاستعانة عامة، أن الاستعانة تدخل فيها الاستعاذة والاستغاثة، لأن الاستعانة هي دعاء لدفع ضر أو جلب نفع، لكن إذا كان في شدة يسمى استغاثة، وإذا كان القصد منه اللجوء والاعتصام يسمى استعاذة. قال الله تعالى: ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم﴾. هذه الآيات فيها نهي ربنا سبحانه وتعالى عن دعاء من دونه سبحانه وتعالى ما لا ينفع ولا يضر، فمن دعا غير الله فإنه دعا من لا ينفعه ولا يضره. فإن اعتقد في غير الله النفع والضر فهو اعتقد في مخلوق ما يختص بالله جل وعلا، وهذا شرك، وإذا كان يعتقد أن هناك من ينفع ويضر غير الله شرك في الربوبية، لأن شرك في أفعال الله عز وجل، وشرك في أفعال الله معنى شرك في الربوبية، لأن الضر والنفع من أفعال الله. فلهذا الذي يعتقد أن هذه الأصنام أو هذا الأموات أو غيرهم ينفعون ويضرون من دون الله معنى بذاتهم، فهذا يعتبر مشركًا شركًا أكبر في الربوبية. وهذا لم يعتقدوا حتى كفار قريش، فهم قالوا: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾، فهم يعبدون الأصنام ويتقربون إليها وهم يعلمون أن تقربهم هذا إنما تقرب إلى الله، يجعلونها واسطة بينهم وبين الله. ولأن القبورية يفعلون هذا ويظنون أن هذا ينفعهم، بعضهم يقول: نحن نعلم أن هؤلاء لا ينفعون ولا يضرون، لكن هذا بعضهم، وإلا بعضهم غالبه إنهم يقول: يأتي بذلك الحديث لو اعتقد أحدكم بحجر لنفع، فكيف بأولياء الله؟ هكذا يقولون. لكن بعضهم يقولون: نحن نعتقد أنهم لا ينفعون ولا يضرون إلا بإذن الله، لكن نرجو منهم النفع، في معنى نتقرب إليهم حتى يكونون شفعاء لنا عند الله فيشفعون لنا في الدنيا والآخرة. وهذا هو اعتقاد المشركين قديمًا، نفس الاعتقاد، هم ما عبدوهم لأجل أنهم يعتقدون فيهم النفع والضر أو عبدوهم لأنهم يستحقون العبادة لا، إنما عبدوهم ليشفعوا لهم عند الله أو ليقربوهم إلى الله جل وعلا، فالسبب واحد. وقال تعالى: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو﴾، الدعاء بكشف الضر هو الاستغاثة، ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله﴾. والذي يدعو لكشف الضر وخاصة في الشدة هذا استغاثة، وهي نوع من أنواع الدعاء كما ذكرنا، ونوع من أنواع الاستعانة في الله عز وجل. قالوا: قوله جل وعلا: ﴿فابتغوا عند الله الرزق وعبدوه واشكروا له وإليه ترجعون﴾، إذا دعوتم أردتم الرزق فادعوا الله عز وجل، ﴿فابتغوا عند الله الرزق وعبدوه واشكروا له﴾، فبين أن دعاء الرزق لا بد أن يكون من الله، فمن دعا غير الله ليجعل أن يرزقه فهو أشرك بالله. قالوا: قوله جل وعلا: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾. هذه الآية تبين أن كل من دعا غير الله فهو قد ضل الطريق، بل قالوا: من أضل، أي لا أحد أضل منه، لا أحد أضل من هذا الذي يدعو من دون الله جل وعلا بشرًا أو حجرًا أو غير ذلك. قال: ﴿من لا يستجيب له إلى يوم القيامة﴾، معنى ذلك أن بعض الآن أهل القبور يقولون: نحن ندعو ناس يستجيبون لنا، ندعو هؤلاء الأولياء فهم يستجيبون لنا. والله قال: ﴿من لا يستجيب له﴾، فهل هذه شبهة صحيحة؟ لا، هذا باطل. قوله: ﴿من لا يستجيب له﴾، أي كل أحد لا أحد يستجيب إلا الله سبحانه وتعالى. فالذي يقول أن هناك من يستجيب غير الله فهو معناه أشرك أيضًا في الربوبية، لأنه يعتقد أن هناك من يعلم كل شيء ويسمع في كل مكان. فلهذا كما هو معروف أن الذي يدعو غير الله ويطلب من غير الله عز وجل أنه يغيثه في كل مكان، مثل ما يعتقد أهل التصوف أو أهل القبور، أهل القبور هؤلاء في الأقطاب ما يسمونهم بالأقطاب. فهؤلاء الأقطاب يعتقدون أو القطب يعتقدون فيه أنه يغيث من كل مكان ويسمع من كل مكان، فأي وقت تستغيث به يسمعه، وهذا شرك في الربوبية كذلك، لأنهم أعطوا هؤلاء سمعًا كسمع الله جل وعلا، ومعنى سمع الله عز وجل، وكذلك رؤية كرؤية الله سبحانه وتعالى، وهذا الشرك في الخصائص، خصائص الربوبية. قال: ﴿وإذا حشر الناس وكانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾، فليس لهم دليل في هذه الآية أبدًا، وإنما هذه الآية خرجت كما يقولون مخرج الغالب، أو يسمونها صفة كاشفة لا مفهومة لها، مثل قول الله عز وجل: ﴿ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون﴾. فقول هنا: ﴿لا برهان له به﴾، هل معنى أنه إذا كان له برهان أو له دليل على أن هذا الذي يدعوه يستجيب له يكون صحيحًا؟ لا، ليس هذا المراد، وإنما المراد أنه ليس هناك برهان أبدًا، ليس هناك برهان ولا دليل على من يدعو من دون الله عز وجل، وإنما جاءت هنا ليست على مفهوم المخالفة، وإنما هي صفة كاشفة لا مفهومة لها. قال: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض﴾، أي لا إله مع الله، قليلًا ما تذكرون هذه الآية، كما قلنا فيها إجابة دعاء المضطر، وأنه لا أحد يجيب المضطر إذا دعاه إلا الله سبحانه وتعالى. فمن اعتقد أن هناك من يستجيب للمضطر فهو مشرك، المضطر الذي يكون في شدة، في مثلًا غريق في بحر، أو أصابه هدم تحت الهدم أو غيرها من هذه الأشياء التي يكون فيها شدة، فيضطر إلى دعاء الله عز وجل. وقد كان أهل الجاهلية إذا حصل لهم هذا الشيء، أي إذا حصل لهم الاضطرار والشدة فإنهم يدعون الله عز وجل ولو كانوا من المشركين، وإذا مسهم الضر في البحر ظل من تدعون إلا إياه، ﴿وإذا مسهم الضر في البحر ظل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر إذا هم يشركون﴾. فهؤلاء أهل الشرك من أهل الجاهلية تجدهم إذا اضطروا لا يستغيثون إلا بالله، معنى ما يستغيثون بغير الله، يعلمون أنه لا أحد ينقذه إلا الله. فلهذا أقر الإمام النسائي رحمه الله بإسناد صحيح أن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه، عكرمة ممن قاتل في فتح مكة، قاتل في المسفلة في الخندمة. أن التقى مع جيش خالد بن الوليد، دخل النبي صلى الله عليه وسلم من الثنية العليا، ولم يلق أحدًا، لكن خالد دخل من الثنية السفلى، وهو في المسفلة الآن، فلقي عكرمة ومجموعة من أوباش قريش، فلم يستطيعوا أن يصمدوا مع أهل الإسلام، أبطال، عكرمة يعتبر بطلًا من أبطال العرب. وأيضًا كذلك له حروب عظيمة في ردة أبي بلاء عظيم مع المسلمين، فعكرمة كان يود أن يفعل شيئًا، لكن لما رأى هذا الجيش العظيم المؤيد من الله ما استطاعوا أن يقفوا حتى أمامه، فكان هروب عكرمة إلى ساحل البحر، ووجد سفينة وطلع معه يريد الحبشة ويريد مكانًا آخر. فلما كانوا في البحر وتوسطوا البحر جاءتهم الأمواج، جاءت أمواج كبيرة، فلم يستطيعوا أن يمشوا، فرأى عكرمة أن الناس يدعون الله، يدعون الله: يا رب اخرجنا من هذا، وكذا، فقال لهم: هيا، عكرمة لما رأى الناس يدعون الله، قال لهم: هذا الذي تدعونه الآن هو ينجيكم أيضًا في البر. معنى الآن أنتم تدعونه في البحر، فهو أيضًا ينجيكم في البر كذلك إذا دعوتموه في البر نجاكم، وأيضًا أعطاكم، فلماذا تدعونه هنا ولا تدعونه هناك؟ أنا أتذكر أن هذا شيء أمر لا بد منه. فلهذا قال: والله إن نجاني الله عز وجل لأضعن يدي في يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وذكرت أيضًا قصة أخرى في إسلامه، وأن زوجته جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم واستأمنت له، ثم ذهبت تبحث عنه حتى وجدته، وقد يقال أنه هو أسلم، معنى نوى الإسلام، ولما جاءت زوجته وهو ناوي الإسلام أصلا خرج من البحر، نجاهم الله عز وجل وخرج وبايع النبي عليه الصلاة والسلام. فالمهم أن هذه القصة تثبت ما ذكره الله عز وجل، وكما هو معلوم من أصدق من الله قيل، فربنا جل وعلا قد حكى عنهم، ويكفي هذا، لكن من باب معرفة هذا بالعيان، معنى هذا حصل لعكرمة ومن معه لما توسطوا البحر دعوا الله. وقال لهم: كيف تدعونه هنا ولا تدعونه في البر؟ أنا في البر تشركون به، والآن تدعونه، هذا إنكار من عكرمة رضي الله عنه على المشركين أيضًا، معنى وإذا مسهم الضر في البحر ظل من تدعون إلا إياه، ﴿وإذا مسهم الضر في البحر ظل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر إذا هم يشركون﴾. فالمشركون كانوا يستغيثون بالله، أما مشركو هذا الزمان فهم يستغيثون بغير الله حتى في الشدة، حتى في الشدة، وهذا قد حصل لكثير من الناس. الشيخ ذكر قصة حصلت له في البحر، له كتاب، وذكر أنهم كانوا يصيحون: يا عيد الروس، يا فلان، يا فلان. فقلت لهم: ادعوا الله، بدل أنتم ما تدعون هؤلاء، ادعوا الله، قال: فنظروا إلي نظرة غضب، أنا كيف هؤلاء أولياء الله؟ نحن ندعوهم، هم يدعون الله، طيب أنتم ادعوا الله، ليش تتخذون واسطة؟ ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾. فهؤلاء كما ذكرنا قبل أيضًا أحدهم كان يتكلم من القبورية، تكلم أمام الناس، قال: حصلت قصة في البحر أن أناسًا كانوا يقولون: يا الله، يا الله، غرقوا في البحر، يا الله، ما أنقذهم الله ولا استجاب لهم الله، قالوا: يا محضار، فما وجدوا أنفسهم إلا في البر. عذاب الله، ذكروا اسمهم فقط وجدوا أنفسهم في البر، أنقذهم المحضار ولم ينقذهم الله، واستجاب لهم المحضار ولم يستجب لهم الله، هذا عين الشرك. وأيضًا هذه القصص غالبًا مؤلفة، ليست صحيحة، وإن كانت صحيحة فهو استدراج من الله لهؤلاء. قال: وروى الطبراني بسناده أنه كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه لا يستغاث به، وإنما يستغاث بالله». وهذا الحديث لا يصح، والشيخ الظاهر لم يرَ حديثًا حتى يذكره في هذا الباب، فذكر هذا الحديث واحتمل رواية ابن لهيعة. لأن هذا الحديث من منكرات ابن لهيعة، فكأنه احتمل رواية ابن لهيعة، فلهذا ذكر هذا الشيخ، وإلا في الحديث لا يصح، وهو منكر. لكن لو ذكر القصة عكرمة كان أفضل من ناحية أنها شاهد في هذا الباب.