شرح كتاب التوحيد 48

شرح كتاب التوحيد 48

الدرس في شرح كتاب التوحيد 48، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في تعليق القلائد والتمائم

يبدأ الحديث بتعليق القلائد على الدواب وتحريم التمائم، حيث كان العرب في الجاهلية يعلقون أوتار الأقواس البالية اعتقادا منها أنها تحمي الدواب من العين.

تحريم التمائم والقلائد ودعوى دفع العين

يناقش تحريم تعليق القلائد والتمائم على الدواب أو في البيوت أو السيارات لاعتقاد الناس أنها تحمي من العين والحسد، مستندا إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

أحكام التميمة والشرك وتغيير المنكر

يشرح حكم التميمة وأنواع الشرك الناتجة عنها، ويؤكد على أهمية تغيير المنكر باليد لمن لديهم السلطة، مشددا على دور أولياء الأمور في هذا السياق.

وجوب طاعة النبي وتغيير المنكر

يؤكد على وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم في تغيير المنكر مثل قطع التمائم، ويبرز سلطته المطلقة على أهل الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ومواصل إخواني في الله فيما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى تحت تبويبه «باب ما جاء في الرقى والتمائم»، قال رحمه الله تعالى: وفي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري رضي الله تعالى عنه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسولًا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في بيان حكم التمائم، وهي ما يعلق على الأبدان والأجساد لباب جلب النفع أو دفع الضر. فقوله رحمه الله تعالى: وفي الصحيح، وهذا الحديث في الصحيحين، في البخاري ومسلم، فهو متفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض أسفاره، فأرسل رسولًا، أي مبعوثًا مندوبًا ينوبه. فأرسل رسولًا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة، هنا ذكر الرقبة إنما من باب التغليب، إذ أكثر ما يعلق على الدواب ما يكون في الرقاب، وإلا القلادة المنهية عنها في أي مكان عقدت أو علقت، سواء كان في قرنها أو كان في رأسها أو كان في ذيلها أو كان في رجلها، لكن أكثر ما اعتاد الناس عليه في أن يعلق التمائم على الحيوانات والدواب إنما يكون في الرقاب، ولهذا أشار نبينا إلى ما هو المشهور عندهم فأشار إلى الرقبة. قال: أن لا يبقين في رقبة بعير، وفي قوله عليه الصلاة والسلام: يبقين، هذه اللفظة قرئت على قراءتين: يبقين ويبقين، يبقين بالفتح ويبقين بالضم، وما الفرق بينهما؟ في قول الراوي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أن لا يبقين، هذا الخطاب للحاضرين، من كان في وقته، من كان في سفره، الخطاب لهم: لا يبقين أحدكم. وعلى قراءة لا يبقين هذا خطاب للعموم، لمن كان حاضر ولمن كان غائب، فالكل يلتزم بهذا الأمر النبوي، وهذا هو الأمر الذي قد أمرنا بالالتزام به. قال عليه الصلاة والسلام: أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، الوتر المقصود به هنا وتر القوس، من عرف هيكلة القوس يقوم على الوتر الذي يشد فيرمى من خلاله السهم. كان من عادة واعتقاد أهل الجاهلية أن الوتر إذا خلولق -أي بلي- ما من شيء إلا وله مدة، فالسيف أو القوس مع كثرة استخدام الوتر مع طول المدة والأيام فإنه يذبل، فحينها يستبدل بوتر جديد، الوتر القديم أين يذهب؟ هنا العرب ينتفعون به، بماذا ينتفعون به؟ يعتقدون أن هذا الوتر البالي لا يرمى وإنما يعلق، يعلق في رقاب البعير، في رقاب الدواب والحيوانات، يعلق من أجل ماذا؟ أن يخطم، لا يعلق من أجل الخطام، يعلق من أجل الاعتقاد، يعتقدون أن هذا الوتر عنده خاصية في أنه يدفع العين، يدفع العين عن هذه البهيمة. قد الواحد منا يضحك إخواني في الله على هذه العقيدة الجاهلية المنتكسة المرتكسة، وتر إخلولق بلي، حقه أن يرمى وأن يطرح أرضًا، فإذا بالناس يعتقدون فيه الاعتقاد، فيعتقدون أنه يجلب النفع فيدفع العين، هذه أضحوكة، لا يا عبد الله، لا تضحك على العرب القدامى، إن كان من ضحك أضحك على العرب الذين فيهم في هذه الأزمان، هذا قد وجد وقد رأيناه، رأي العين، في هذه البلاد، قبل فترة ليست ببعيدة، لو ربما تجد الغنم تمشي وتجد عليها قلادة، وقد رأيناه والله، قلادة، لماذا علقت هذه القلادة؟ أصحابها يعتقدون في هذه القلادة، عبارة عن خيط وفيه قطعة نعال، من لم يستذكر فليسأل، هذا قد وجد، هنا الأضحوكة، أولئك أهل جاهلية ما عرفوا الله جل في علاه، بأن الله عز وجل له القدرة التامة. هؤلاء جاهلية، لكن تأتي إلى مسلم تربى على التوحيد، ثم يعتقد الضر والنفع في قطعة نعال، ومثل ما يعلق في البيوت، تجد بعض الناس، وقد رأينا هذا، بعض البيوت إذا أردت أن تدخل إليها في سدتها تجد نعال قد ضرب به بالمسامير، ما هذا النعال؟ يعطي ذبذبات في دفع العين، هذا إخواني، عقائد لا زالت مبثوثة موجودة في مجتمعاتنا، والتمائم كثيرة سيأتي ذكرها. فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أن لا يبقى ينَّ في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة، هنا أي قلادة عامة مطلقة، إذ أن القلادة أنواع، منها قلادة من وتر، منها قلادة من خيط، منها قلادة من معدن، كل قلادة، فهنا قول الراوي: أو قلادة، وكأن الشك هنا من الراوي، كأن الراوي شك في حديثه: هل سمع رسول الله يقول هذا أو يقول هذا؟ هل نهى عن قلادة من وتر أو نهى عن عموم القلادة؟ لكن جاء عند أبي داود في رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم ماذا جزم؟ فلم يذكر أو، وإنما قال: لا قلادة من وتر ولا قلادة، ما قال: أو قلادة. ومن أهل العلم من قال: أنه لا خلافة لأن «أو» في اللغة العربية تأتي بمعنى الواو، أو تأتي كثيرًا في القرآن وفي السنة بمعنى الواو، هذا قد عرف عند العرب، وهذا عند مذهب الكوفيين يرون أن «أو» تأتي بمعنى الواو إذا أمن اللبس، واستدل كذلك بمجيء هذا في القرآن كثيرًا: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، أكثر المفسرين على أن معنى الآية: لعله يتذكر ويخشى، فـ«أو» تأتي بمعنى الواو. إذن فعلى هذا الحديث الصحيحين في قوله عليه الصلاة والسلام: أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر وقلادة، فهنا «أو» تأتي بمعنى الواو، فالمعنى في هذا لا إشكال فيه، وليس مقام مقام تشكيك. وهذه القلادة إخواني في الله، إذن دلت على أن العرب يستخدمون لهذه الخاصية وهي خاصية دفع العين، فكان من حكم نبينا عليه الصلاة والسلام أن تقطع وأن تزال. فمفهوم هذا الحديث نستفيد عدة فوائد، منها إخواني في الله أن نعلم أن التمائم لا تبقى، بهذا الاعتبار أن تأتي إلى شيء من المعلقات كائنة ما كانت، ثم تعتقد فيها النفع والضر، هذه تميمة لا تبقى. كذلك من فوائد هذا الحديث أن حكم التعلق منهي عنه، سواء أكان فيك أو في غيرك، قد تكون التميمة في إنسان في يده في عضده في وسطه، أو تكون التميمة في غيرك، فحكمها واحد، قد تكون في الدابة كهذا الحديث في بعير، مثله ما يكون في السيارة. ودشرنا في دروس خلت عن بعض هذه التمائم التي وجدت في السيارات، بل تباع في الأسواق، تميمة تباع في الأسواق، بعضهم يتعمد أن يشتري لسيارته إذا كانت جديدة وخشي عليها من العين ومن الحسد، يأتي بهذا الكف يباع في الأسواق، كف أزرق وفي وسطه عين، ثم يجعل في المرآة الأمامية، هذه تميمة يعتقد أن هذه الكف تصد الأعين، هذه نفس الأبحوكة التي كانت عند العرب، وجدت في هذا القرن العشرين من جهلة المسلمين. فالتميمة حكمها واحد، سواء علقت في الأبدان والأساد أو علقت في الدوائب في الدواب والكائنات أو علقت في الجمادات في البيوت وفي المصانع وفي الأراضي وفي غير ذلك، فالحكم واحد. كذلك في هذا الحديث أن التميمة حكمها صاحبها بين أمرين، من علق شيئًا واعتقد فيه الضر والنفع، فإن اعتقد أنه سبب فقد وقع في الشرك الأصغر، وإن اعتقد الاستقلالية أن هذه التميمة هي بقوتها وبعظيم تأثيرها ترد العين، فقد وقع في الشرك الأكبر، إذ جعل هذه التميمة هي النافعة والضارة كما هو لله. ومن جعل شيئًا لا يكون إلا لله جعله لغير الله، فقد وقع في الشرك، فالأمر يا عبد الله ليس بالسهل. الهيئ كذلك في هذا الحديث فيه بيان لمدى اهتمام نبينا عليه الصلاة والسلام بقضايا التوحيد وبكل ما يمس بكماله وصوره، فها هو نبينا عليه الصلاة والسلام ينكر هذا المظهر أين؟ في سفره، في حال السفر الذي الواحد لربما وخاصة في تلكم الأزمان ما يجده من التعب ومن النكد من السير والحر والجوع والضمأ والرمال والشمس الحارة، حتى أنه لو ربما يكتفي بأن ينشغل بخاصة نفسه. ومع ذلك نبينا يركز على هذه الأمو، فلما التفت فرأى هذه الحبال والأوتار قد علقت أمر عليه الصلاة والسلام بإلغائها ونفيها، فهكذا يكون الإنسان الموحد همه الأول والأخير أن يبقى النقاء لتوحيد الله جل وعلا. وكذلك في هذا الحديث فيه بيان على أن تغيير المنكر يكون باليد إذا أمنت الفتنة، المنكر يغير باليد إذا أمنت الفتنة، كهذا الحديث، فنبينا صلى الله عليه وسلم لسلطته فهو للمسلمين ولي ولي أمر لهم، فهو الآمر والناهي وهو الحاكم على رقاب أهل الإسلام، فأمره ينفذ. فلما كان عليه الصلاة والسلام عنده من السلطة والقدرة كان بإمكانه أن يغير المنكر باليد، فقال: لا يبقين في رقبة بعير قلاد من وتر ولا قلاد إلا قطعت، تقطع تقطع صاحبها رضي أو لم يرضى، هذا أمر، هذا متى إخواني في الله يكون لمن عنده القدرة، كمن عنده مثلا في بيته سلطانه على أسرته وعلى أفراد أهل بيته، يأمر وينهى فيهم، ولو وصل الأمر إلى أنه يقطع المنكر ويقطع التميم بيده، ولو غضب الأولاد أو غضبت الزوجة لا يبالي بها لأنهم تحت مسؤوليته. وهكذا قس في سائر من كان ومن تملك ولاية عامة أو خاصة، فعليه أن يتق الله في سلطته فيعين على إنكار المنكر، وأعظم المنكرات التي ينبغي أن تغير ما كان فيها الضد لتوحيد الله جل وعلا. ولهذا إخواني في الله من حباه الله بسلطة من أولياء الأمور أو من كان من نوابهم، فليعيروا هذا الباب الاهتمام الأبلغ، وهو النظر إلى كل ما يمس بتوحيد الله جل وعلا، أن يغير مثل هذه الزيارات الشركية وهذه الأضرحة والعتابات ما تبقى. قد لا يمكن لأحد من أفراد المجتمع أن يكسر أو أن يغير هذا، ليس بمقدوره، لكن بمن حباه الله جل وعلا السلطة العليا المطلقة على بلده ينبغي، فهو المسؤول عند ربه جل وعلا. ولهذا قال علي رضي الله تعالى عنه لأحد أتباعه لأبي الهياج: ألا أبعثك إلى ما بعثني به رسول الله؟ أن لا تجعل صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته، هذا من صلاحيات أولياء الأمور، أولاة الأمور أنهم يستخدموا سلطتهم في تغيير المنكر، وأعظم المنكرات على الإطلاق ما كان يمس بتوحيد الله جل وعلا بكمال توحيده وأصله، وكذلك مكملاته. ولهذا نبينا صلى الله عليه وسلم لسلطته المطلقة على أهل الإسلام أمر بتغيير هذا المنكر بأن تقطع التمائم، هذا ما يذكر إخواني في الله في هذا الحديث من فوائد. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.