التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 19

التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 19

الدرس في التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 19، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية بيان معايب الرواة

يشرح الإمام مسلم أهمية بيان معايب الرواة لتحذير المسلمين من الضعفاء، ويبين أن هذا من باب النصيحة. يجب على أهل العلم بيان أحوال الرواة.

مسائل جرح الرواة وتعديلهم

يشرح النووي مسائل جرح الرواة واختلاف العلماء في اشتراط ذكر سبب الجرح، ويبين شروط قبول الجرح المجمل والمفسر. يُقبل الجرح المجمل لمن لم يسبق تعديله.

توجيهات رواية الأحاديث الضعيفة

ناقش المقطع توجيهات رواية الأحاديث الضعيفة ليعرف ضعفها ويستشهد بها، وقسم الكاذبين في الحديث حسب دوافعهم. الأئمة يروونها للاستشهاد وليس للاحتجاج.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم الحجاج بن يسابور القشيري رحمه الله في مقدمة صحيحه: قال مسلم، أشباه ما ذكرنا من كلام أهل العلم في متهم رواة الحديث وإخبارهم عن معايبهم كثير يطول الكتاب بذكره على استقصائه، يعني ورود استقصاء كلام العلماء في الرواة وذكر معايبهم وما يجرحون به، لا طال الكتاب. قال: وفيما ذكرنا كفاية لمن تفهم وعقل مذهب القوم فيما قالوا من ذلك وبينوا. وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقل الأخبار وأفتوا بذلك حين سئلوا، لما فيه من عظيم الخطر، إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل أو تحريم أو أمر أو نهي أو ترغيب أو ترهيب. فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، يعني بمحل للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته، كان آثمًا بفعله ذلك، غاشًا لعوام المسلمين، إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو يستعمل بعضها. فهو يبين رحمه الله أن كلام هؤلاء العلماء في هؤلاء الرواة ممن يذكر بعضهم وبيان حالهم هو من باب النصيحة للمسلمين، إذ من علم أن هذا الراوي ضعيف أو كذاب أو متهم، واجب عليه أن يبين ذلك للمسلمين حتى يحذروا من الأخذ منه. ولو أنه سكت، فكان غاشًا للمسلمين، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من غشنا فليس منا». فالسقوط عن المجروحين والمتهمين وعن أهل الباطل هذا من الغش للمسلمين. فلذلك تكلم العلماء وجرحوا من يستحق الجرح لأجل تحذير المسلمين من ذلك. وربما يسمع الواحد منهم الخبر والحديث فيظن أنه صحيح فيعمل به. وكما ذكر أن الأخبار في أمر الدين إما تأتي بتحليل أو تحريم، وإما أمر أو نهي أو ترغيب أو ترهيب، فهو إذا سمع هذا الخبر أو الحديث وظن أنه صحيحًا، والعامي مما يفرق بين الصحيح والضعيف، ربما من يسمع له يظن أن قوله صواب وأنه صحيح فيعمل بذلك. فلهذا وجب بيان حال هؤلاء الرواة، بل هذا الأمر كما قلنا واجب، يجب بيان حالهم حتى يحذر منهم المسلمون. وهذا من باب النصيحة، ليس من باب الغيبة، إنما هو من باب النصيحة. نعم، وهذا الأمر قام به من قام من أهل العلم، بمن عنده معرفة بأسباب الجرح والتعديل، ومن يستحق أن يجرح. وكذلك أيضًا ممن كان من أهل العدالة في هذا العلم، فهم الذين قاموا بمثل هذا الواجب العظيم. وأما إن قام به من لا معرفة له بعلم الحديث وعلم الجرح والتعديل، وما أسباب الجرح، وما هي الأسباب التي يطعن فيها الراوي، فهذا كما قال أهل العلم: كلامه في الرواة يعتبر غيبة، لأنه ليس أهلًا أن يتكلم في الرواة وأن يبين أحوالهم. فبهذا يُعلم أن الأمر خطير، وليس لكل أحد أن يتكلم في الناس أو في الرواة في بيان أحوالهم إلا من كان أهلًا لذلك، مع وجود الورع والخوف من الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿وَلَعَلَّهَا وَأَكْثَرَهَا أَكَاذِيبٌ لَا أَصْلَ لَهَا﴾، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يُضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع. أهل القناعة كما قال النووي رحمه الله: أي الذين يُقنع بحديثهم لكمال حفظهم وإتقانهم وعدالتهم. قال: ﴿وَلَا أَحْسِبُ كَثِيرًا مِمَّن يُعَرِّجُ مِنَ النَّاس عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَالْأَسَانِيدِ الْمَجْهُولَةِ وَيَعْتَدُّ بِرِوَايَتِهَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِمَا فِيهَا مِنْ التَّوَهُّنِ وَالضَّعْفِ إِلَّا أَنَّ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى رِوَايَتِهَا وَالِاعْتِدَادِ بِهَا إِرَادَةُ التَّكْثُرِ بِذَلِكَ عِنْدَ الْعَوَامِ﴾، يعني يقول: لا أظن أن ممن يروي هذه الأحاديث الضعيفة والأحاديث التي بيّن العلماء حالها بأنها في روايتها مجهولين ومثل هذه لا يحل الرواية بها، ما يعمد إليها ويرويها للناس. قال: «إلا من يريد التكثُر بذلك عند العوام حتى يقول: فلان ما شاء الله عنده أحاديث كثيرة، عنده أحاديث كثيرة، فيتكثَّر بذلك». قال: «ولأن يُقال: ما أكثر ما جمع فلانٌ من الحديث وألَّف من العدد، ومن ذهب في العلم هذا المذهب وسلك هذا الطريق، فلا نصيب له فيه، وكان بأن يُسمَّى جاهلًا أولى من أن يُنسَّب إلى العلم». يعني من كان همه في رواية الأحاديث أن يُقال: إن فلان عنده أحاديث كثيرة وروايات متعددة، إذا كان هذا المقصد وهذا هو المطلب، فهذا ليس بأهل أن يُنسَّب إلى العلم وأن يكون من أهله. لأن العالم عنده خشية من الله جل وعلا وخوف من الله، ما ينظر إلى الناس ومدح الناس له أو ما يُرَغِب الناس، لكن يُنظر ما يُقرِّبه إلى الله جل وعلا، فهو يتحرَّى الصحة في رواية الأحاديث، وما كان ثابتًا، وما كذلك أيضًا يكون فيه النفع للمسلمين مع الصدق والإخلاص وإرادة ما عند الله جل وعلا من الأجر والثواب، لا أن يمدحه الناس أو يُثني عليه الناس أو يتكثر بالعلم لأجل الناس، فهذا من المقاصد السيئة. ومن المقاصد كذلك التي تُنافي الإخلاص في هذا الباب، في باب العلم، وذكر النووي رحمه الله هنا بعض المسائل فيما يتعلَّق بجرح الرواة. منها ما ذكرنا من وجوب جرح الرواة وبيان أحوالهم نصيحةً للمسلمين، وأن ذلك ليس من الغيبة. وذكر مسألة وهي: هل يُشترط ذكر سبب الجرح إذا جرح العالم راويًا من الرواة؟ هل يجب أن يُبين سبب الجرح أو لا يجب؟ فقال: اختلفوا في ذلك. قال: فذهب الشافعي وكثيرون إلى اشتراطه، لكونه قد يعدهم مجروحًا بما لا يُجرح لخفاء الأسباب ولاختلاف العلماء فيها. قال: وذهب القاضي أبو بكر من باقلاني في آخرين إلى أنه لا يُشترط. وقال: وذهب آخرون إلى أنه لا يُشترط من العارف بأسبابه، ويُشترط من غيره. نعم، والأولى في ذلك -الله أعلم- أن من جرح ولم يكن قد سبق بتعديل، فإنه يُقبل فيه الجرح مجملًا، يُقبل فيه الجرح مجملًا من غير تفسير. وأما من وثق ثم جرح، فلابد من تفسير الجرح، نعم، لأنه قد يُجرح بشيء ليس بجارح. ولأنه قد سبق أن قد وثق وعدل، فلابد من بيان الجرح. وربما أن هذا المعدل والموثق قد علم بهذا السبب، قد علم بهذا السبب وبين أنه ليس بجارح له، ففي مثل هذه الحال لابد من بيان سبب الجرح. نعم، ذكر أيضًا مسألة أخرى، وهو أن كثيرًا من الأئمة رووا عن بعض هؤلاء الضعفاء والمجروحين، كما مر معنا في بعض الآثار رواية بعض الأئمة عن أمثال هؤلاء. فكيف يروون عنهم مع كونهم قد جرحوا؟ فذكر رحمه الله أن على ذلك أجوبة. منها أنهم رووها ليعرفوها وليبينوا ضعفها، رووا هذه الأحاديث عن هؤلاء الضعفاء ليبينوا ضعفها حتى لا يلتبس الأمر عليهم. والأمر الثاني مما يوجه به فعل هؤلاء الأئمة أن الضعيف يكتب حديثه ويستشهد به في الشواهد والمتابعات، فإذا كان الضعف يسيرًا فإنه يقبل في الشواهد، فيكتب حديثه. ومنها أيضًا من التوجيهات أن رواية هؤلاء الضعفاء منها ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف، فيكتبونها حتى يميز أهل الحديث وأهل العلم ما صح منها مما لم يصح. قال: وبهذا احتج سفيان الثوري رحمه الله حين نهى عن الرواية عن الكلبي، فقيل له: أنت تروي عنه؟ قال: أنا أعلم صدقه من كذبه. منها أيضًا أنهم قد يروون من الحديث ما يتعلق بالترغيب والترهيب وفضائل الأعمال والقصص وحديث الزهد ومكارم الأخلاق، وغير ذلك مما لا يتعلق بالحلال والحرام وسائر الأحكام. وهذا النوع من الحديث ربما يتساهل فيه أهل الحديث ما لا يتساهلون في باب الأحكام وما يتعلق بالتحليل والتحريم. نعم، ربما تساهل في رواية الحديث فيما يتعلق بهذه الأبواب، ورووا عن الضعفاء في هذا الباب، لأنه لا يتعلق بذلك إثبات حكم. أما ما يتعلق بالأحكام فإنهم مشددون في ذلك. كذلك أيضًا ذكر رحمه الله مبحثًا فيما يتعلق بأصناف الكاذبين في الحديث، قد نقله من قول القاضي عياض رحمه الله. قال: هم على ضربين. الأول: من عرفوا بالكذب في حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، يعني من عرف منهم الكذب في حديث النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وهم أنواع نذكرهم على جهة الاختصار. قال: منهم من يضع عليه ما لم يقله أصلا، يعني يأتي بحديث من رأسه ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام أبدًا. وهذا كفعل الزنادقة الذين يريدون الطعن في الدين بنسبة هذه الأحاديث إلى النبي عليه الصلاة والسلام. ومنهم من يفعل ذلك تقربًا وتدينًا، كجهلة المتعبدين، يضعون أحاديث في الفضائل وفي الترغيب والترهيب حتى يرغبوا الناس في الخير في أبواب البر كما زعموا، فكذبوا على النبي عليه الصلاة والسلام. ومنهم من يفعل ذلك إغرابًا وسمعة، كفسقة المحدثين، يفعل ذلك من باب السمعة والإغراب، يأتي بالأحاديث الغريبة حتى يلتفت الناس إليه ويسمعوها منه ويشتهر بين الناس. قال: «وَإِمَّا تَعَصُّبًا وَاحْتِجَاجًا كَدُعَاةِ الْمُبْتَدِعَةِ وَمُتَعَصِّبِي الْمَذَاهِبِ»، يأتي بحديث ينصر به مذهبه وينصر به بدعته. نعم، فيضع حديثًا مكذوبًا وينسبه إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «وَإِمَّا تِبَاعًا لِهَوَى أَهْلِ الدُّنْيَا فِيمَا أَرَادُوهُ وَطَلَبَ الْعُذْرِ فِيمَا أَتَوْهُ»، اتباعًا لهوى أهل الدنيا، كما وضع بعض من يضع شيئًا من الأحاديث يتقرب بها إلى الملوك السلاطين حتى يوافق ما يحب ويهواه ذاك السلطان أو الملك، فينال ما ينال من عرض الدنيا. فهذه أغرض المقاصد وضع الأحاديث والكذب على النبي عليه الصلاة والسلام. وكما مر معنا أن الأصل أنه لا يجوز الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام لأي مقصد من المقاصد. والكذب عليه عليه الصلاة والسلام من كبائر الذنوب، «من كذب عليه متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار». قال: «إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد»، «إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد». ثم تكلم الإمام مسلم رحمه الله بعد ذلك على مسألة الاحتجاج بالحديث المعنعن، وهل يشترط ثبوت اللقاء أو يكفي إمكان اللقاء إذا حصلت تعاصر؟ هذا -إن شاء الله- نتركه في الدرس القادم بإذن الله. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.