الدرس في التعليق على مقدمة صحيح الإمام مسلم 20، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش شرط الاتصال في رواية الحديث وآراء العلماء حول رواية العنعنة، حيث يرى الإمام مسلم أن رواية العنعنة محمولة على الاتصال إذا تعاصر الراوي ومن روى عنه. بينما يرى آخرون مثل الإمام البخاري اشتراط ثبوت اللقاء بينهما لصحة الرواية.
يناقش شرط البخاري وآخرين للقاء الراوي لمن روى عنه لصحة الرواية، ويرد على من يرفض رواية الراوي بالعنعنة، ويؤكد أن خبر الواحد الثقة حجة يجب العمل به إذا كانت هناك إمكانية للقاء.
الإمام مسلم يرد على من يطعن في الرواية بالعنعنة، فيقول إن هذا الطعن يستلزم رفض جميع الأحاديث المعنعنة إلا إذا ثبت السماع في كل طبقات السند، وهذا يخالف منهج جمهور العلماء.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج: «قال يسابور القشيري رحمه الله في مقدمة صحيحه: وقد تكلم بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد وتسقيمها بقول لو ضربنا عن حكايته وذكر فساده صفحًا لكان رأيًا متينًا ومذهبًا صحيحًا، إذ الإعراض عن القول المطرح أحرى لإماتته وإخمال ذكر قائله، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيهًا للجهال عليه. نعم، هذا فيه فائدة بأن القول المطرح الذي هو غير معتبر، وكذلك غير صحيح، ينبغي إماتته وإخماله وعدم ذكره؛ لأن في ذكره إحياء له، وأيضًا في عدم ذكره فائدة أخرى، وهو أنه قد يغتر به الجهال إذا ذكر، فيسمعه الجاهل فيظن أنه قول المعتبر أنه يعمل به، فبسبب جهله يأخذ بهذا القول، فلذلك الأولى طرحه وعدم ذكره. قال: غير أن لما تخوفنا من شرور العواقب واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد أجدى على الأنام وأحمد للعاقبة إن شاء الله. الأنام معنى الخلق، الناس. قال: وزعم القائل الذي افتتحنا الكلام على الحكاية عن قوله والإخبار عن سوء رويته أن كل إسناد لحديث فيه فلان عن فلان، وقد أحاط العلم بأنهما قد كانا في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عما روى عنه قد سمعه منه وشافهه به، غير أنه لا نعلم له منه سماعًا، ولم نجد في شيء من الروايات أنهما التقيا أو تشافها بحديث. أن الحجة لا تقوم عنده بكل خبر جاء بهذا المجيء، حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا من دهرهما مرة فصاعدًا، أو تشافها بالحديث بينهما، أو يرد خبر فيه بيان اجتماعهما وتلاقيهما مرة من دهرهما فما فوقها. فإن لم يكن عنده علم ذلك، ولم تأت رواية صحيحة تخبر أن هذا الراوي عن صاحبه قد لقيه مرة وسمع منه شيئًا، لم يكن في نقله الخبر عن من روى عنه ذلك، والأمر كما وصفنا حجة، وكان الخبر عنده موقوفًا حتى يرد عليه سماعه منه لشيء من الحديث قل أو كثر. في هذا الكلام الإمام مسلم رحمه الله يؤكد أن رواية الراوي عن من روى عنه برواية عنعن، وهي الرواية بالعنعنة عن فلان عن فلان، أنها محمولة على الاتصال إذا تعاصر كان هذا الراوي عاصر من روى عنه وأمكن لقيه به، أمكن اللقاء به، وإن لم يثبت لقاءه. أنه إذا كان الأمر كذلك فهي محمولة على الاتصال، وهذا القول هو قول جماهير علماء أهل الحديث أن رواية العنعنة تحمل على الاتصال إذا كان الراوي غير مدلس، وأما إن كان مدلسًا فلابد أن يصرح بالسمع، وإن كان غير مدلس فإنها تحمل على الاتصال. إلا أن الإمام مسلم يكتفي بمجرد المعاصرة مع إمكان اللقي، وشنع رحمه الله على من اشترط ثبوت اللقاء، وهذا القول الذي أنكره وشنع على قائله هو قول جماعة من المحققين من أهل الحديث كالإمام البخاري، وهكذا ابن معين وغيرهم من أهل العلم، فإنهم اشترطوا ثبوت اللقاء من الراوي عن من روى عنه. فالإمام مسلم رحمه الله شنع على هذا القول، لكن الصحيح أن قول الإمام البخاري وما ذهب إليه غيره كابن المديني وغيرهم، هذا أقوى في ثبوت صحة الحديث أن يكون الراوي ثبت لقاءه ممن روى عنه ولو مرة واحدة، لا شك أن هذا أقوى في صحة الحديث؛ لأن رواية الراوي عن من روى عنه ولم يثبت له لقاء به فيها شيء من الشك. يعني أن من يعلم هل لقيه أو لم يلقه، وهل هناك واسطة بينه أو ليس هناك واسطة، بخلاف لو ثبت لقاءه، فهذا لا شك أنه أثبت في روايته عنه وأنه قد سمع منه، فقول البخاري ومن معه واشتراطه هذا الشرط لا شك أنه أقوى. فلا وجه لتشنيع الإمام مسلم رحمه الله على من ذهب إلى هذا القول، إلا أن قول الجمهور أن رواية الراوي بالعنعنة عن من روى عنه محمول على اتصال إذا حصلت المعاصرة مع إمكان اللقي، وأما القول بردها مطلقًا وأنها لا تقبل، هذا قول مردود بإجماع السلف؛ لأن العلماء قبلوا الرواية بالعنعنة ولم يردوها. قال: وهذا القول يرحمك الله في الطعن في الأسانيد قول مخترع مستحدث غير مسبوق، صاحبه إليه ولا مساعد له من أهل العلم عليه، وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة والحجة بها لازمة. إلا أن يكون هناك دلالة بينه أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه أو لم يسمع منه شيئًا، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدًا حتى تكون الدلالة التي بيناها. يعني يقول أن الذي اتفق عليه أهل الحديث والعلم بالأخبار والروايات أن الرواية الثقة عن من روى عنه وإن لم يصرح بالسماع إذا كان قد عصره وأمكن لقاؤه به فإنها مقبولة، فإنها مقبولة ومحمولة على السماع إلا إذا ثبت عدم لقائه به بأن يأتي مثلاً أحد الحفاظ فيقول إن فلانًا لم يلق فلان الذي روى عنه، فهنا تكون الرواية منقطعة. قالوا: أما لم يوجد من يقول وينفي ثبوت اللقاء، فإننا نحملها على أن اللقاء قد ثبت وأنه قد سمع منه. قال: فيقال لمخترع هذا القول الذي وصفنا مقالته أو للذاب عنه: قد أعطيت في جملة قولك أن خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجة يلزم به العمل، ثم أدخلت فيه الشرط بعد فقلت: حتى نعلم أنهما قد كانا التقيا مرة فصاعدًا أو سمع منه شيئًا، فهل تجد هذا الشرط الذي اشترطه على أحد عن أحد يلزم قوله؟ وإلا فهل من دليل على ما زعمت؟ قوله: قد أعطيت في جملة قولك أن خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجة يلزم به العمل، هذا القول قول أهل السنة والجماعة أن خبر الواحد يجب العمل به، ولا يجوز رده وعدم قبوله، فهذا شأن أهل الأهواء من المعتزلة ومن نحوهم ممن رد أخبار الآحاد ولم يقبلها لكونها غير متواترة، والصحيح قبول خبر الواحد ما دام أنه ثقة ممن يقبل خبره، فيجب العمل بخبره. والله جل وعلا أرسل إلينا الرسل وأرسل لكل أمة الرسول، ولقد بعثنا في كل أمة الرسول أن نعبد الله واجتنب الطاغوت، وأوجب على الناس قبول خبر الرسول مع أنه واحد، وأوجب عليهم قبول خبره وعدم رده ووجوب الإيمان به، فهذا يدل على وجوب قبول خبر الواحد. والنبي عليه الصلاة والسلام كان يرسل الرسل والدعاة إلى سائر البلدان، وهم واحد بين الواحد والإثنين، وأوجب على الناس قبول خبرهما والعمل بما معهما من العلم، وهذا يدل كذلك على وجوب قبول خبر الواحد. وهل يفيد العلم؟ هل يفيد خبر الواحد العلم؟ قول جمهور أهل العلم أنه لا يفيد العلم، وإنما يفيد الظن إلا إذا حفته القرائن إذا حفت الخبر الواحد القرائن التي تدل على ثبوته أو ترفعه إلى درجة العلم، فهنا يفيد العلم كأحاديث الصحيحين التي تلقتها الأمة بالقبول، فإن هذه قرائن تحف بها تدل على ثبوتها يقينًا، فبذلك تفيد العلم، وهذا قول جماهير أهل العلم. أما غير ذلك من الأخبار الآحاد التي لم تحفها القرائن، فإنها تفيد الظن لاحتمال أن يقع المخبر الواحد بالخطأ أو كذلك أن يقع بالكذب، بخلاف ما لو حفته قرائن فإنه يفيد العلم. على أن بعض أهل العلم كأبي حازم رحمه الله وغيره ذهبوا إلى أن خبر الواحد الثقة يفيد العلم إذا كان ثقة وثبت قوله، وكمثل كالحديث الواحد الذي يروى ورواته ثقات حفاظ عندهم ضبط وإتقان، فمثل هؤلاء يفيد خبرهم العلم، ويجزم ويوقن بأن هذا الحديث قاله النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا القول يعني لا يبعد عن الصحة. ثم أدخلت فيه الشرط بعد، يعني في خبر الثقة كانوا يقولون: لا تقبل خبره إلا إذا ثبت لقاءه ممن روى عنه ولو مرة واحدة، فهل من دليل على ذلك على اشتراط هذا الشرط حتى يعمل به؟ فإن ادعى قول أحد من علماء السلف بما زعم من إدخال الشرط في تثبيت الخبر، طولب به، ولن يجد هو ولا غيره إلى إيجاده سبيلًا، وإن هو ادعى فيما زعم دليلًا يحتج به، قيل له: ما الدليل؟ فإن قال: قلته لأني وجدت رواة الأخبار قديمًا وحديثًا يروي أحدهم عن الآخر الحديث ولم يعينه ولم يعاينه، ولم يلقَه ولا سمع منه شيئًا قط. فلمًا رأيتهم استجازوا رواية الحديث بينهم هكذا على الإرسال من غير سماع، والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة. الإمام مسلم رحمه الله ينقل هنا عدم قبول الأحاديث المرسلة، وما هو الحديث المرسل؟ ما أضافه التابعي أو من دونه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأما قول البيقوني: ومرسل منه الصحابي سقط، ليس بصواب؛ لأن إذا كان الساقط صحابيًا هذا لا يضر في الحديث؛ لأن الصحابة عدول، فلا يضر في الحديث، لكن أن يضيف التابعي فمن دونه الحديث للنبي عليه الصلاة والسلام، فهنا يجهل الساقط من الذي سقط، يحتمل أن يكون واحد ويحتمل أن يكون اثنان، وما ندري ما حالهم، هل هم ثقة أو غير ثقة؟ فلذلك يتوقف في الحديث المرسل. فالإمام مسلم يقول: والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة، هذا قول قال به جماعة من أهل الحديث رد المرسل مطلقًا، وذهب بعض أهل الحديث كالإمام مالك وأبي حنيفة وأحمد إلى الاحتجاج بالمرسل، ومنهم من احتج به بشروط كالإمام الشافعي رحمه الله، ولعل قوله هذا أرجح الأقوال. فالأصل في المرسل أنه من قسم الضعيف، هذا هو الأصل كما قال الإمام مسلم رحمه الله، لكن إذا روي من طرق أخرى واختلف مخرج الحديث أو أيده شيء من أقوال الصحابة أو نحو ذلك، فهنا يحتج به. قال: احتجت لما وصفت من العلة إلى البحث عن سماعي راوي كل خبر عن راويه، فإذا أنا هجمت على سماعي منه لأدنى شيء ثبت عندي بذلك جميع ما يروي عنه بعد. قال: فإن عزب عني معرفة ذلك، عزب بمعنى ذهب، ذهب عني، أوقفت الخبر ولم يكن عندي موضع حجة لإمكان الإرسال فيه. فيقال له: فإن كانت العلة في تضعيفك الخبر وتركك الاحتجاج به إمكان الإرسال فيه، لزمك ألا تثبت إسنادًا معنعنًا حتى ترى فيه السماع من أوله إلى آخره. طيب، هنا يعني يرد الإمام مسلم رحمه الله على من رد رواية الراوي بالعنعنة، أنه يقول: إذا كنت تزعم أن رواية من روى بالعنعنة لا تثبت ولا تقبل إلا إذا ثبت السماع لاحتمال الإرسال، فيقول رحمه الله: فيلزمك بذلك أنك ما تقبل حديثًا معنعنًا إلا إذا ثبت السماع من أول السند إلى آخره، أن يقول كل راوي: سمعت أو حدثني فلان. لماذا؟ لاحتمال الإرسال، يعني أنه أرسله ولم يسمعه مما روى عنه، وإذا كان كذلك فسيلزم من ذلك رد الحديث المعنعن وعدم قبوله، وهذا خلاف ما عليه جمهور العلماء من أهل الحديث وغيرهم. طيب، نقف لهنا عند قوله: حتى نرى فيه السماع من أوله إلى آخره.