كتاب الإيمان 127

كتاب الإيمان 127

الدرس في كتاب الإيمان 127، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل أمة الإسلام وكثرتها في الجنة

أمة الإسلام لها فضل كبير عند الله وتشكل نسبة كبيرة من أهل الجنة مقارنة بأمم أخرى، وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بدخول الجنة. كما دل الحديث على جواز التكبير عند سماع البشارة.

تفاصيل عدد أهل الجنة والنار

أمة النبي صلى الله عليه وسلم تشكل ثلثي أهل الجنة، ومن كل ألف شخص تسعمائة وتسعة وتسعين يدخلون النار وواحد يدخل الجنة، مما يبين كثرة أهل النار مقارنة بأهل الجنة.

أهوال يوم القيامة وفضل أمة الإسلام

يوم القيامة يحمل أهوالاً عظيمة، حيث يكلم الله آدم عليه السلام حول بعث النار، ويفرق بين أهل الجنة والنار، وتتميز أمة الإسلام بكثرة دخولها الجنة مقارنة بأمم أخرى.

الدعاء والختام للدرس

يختتم الدرس بالدعاء بأن يجعل الله القارئ من أهل الجنة ويعصمه من النار، ويتم الختام بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين القشيري، رحمه الله، بصحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا هناد بن السري، قال: حدثنا أبو الأحوص، وهو سلام بن سليم، عن أبي إسحاق، وهو السبيعي، عن عمر بن ميمون، عن عبد الله، وهو ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، أحد الذين حث النبي صلى الله عليه وسلم على أخذ القرآن منهم، قال عليه الصلاة والسلام: «من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، يعني عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه. وكان رضي الله عنه من علماء الصحابة وفقهائهم. قال: «قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟» قال: «فكبرنا»، ثم قال: «أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟» قال: «فكبرنا»، ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة»، وسأخبركم عن ذلك: «ما المسلمون في الكفار إلا كشعرة بيضاء في ثور أسود، أو كشعرة سوداء في ثور أبيض». قال رحمه الله: حدثنا محمد بن المثنى، أبو موسى العنزي، قال: ومحمد بن بشار، الملقب ببندار، واللفظ لابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، الملقب بغندر، قال: حدثنا شعبة، أمين الحجاج، أمير المؤمنين بالحديث، عن أبي إسحاق، عن عمر بن ميمون، عن عبد الله، قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة، نحوا من أربعين رجلا، فقال: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟» قال: «قلنا: نعم»، قال: «أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟» قلنا: «نعم»، قال: «والذي نفسي بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة»، وذاك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، «وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر». في هذا الحديث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة، رضوان الله عليهم، واستفهمهم بأن يكونوا أو يرضون أن يكونوا ربع أهل الجنة، فقالوا: نعم. في رواية قبلها: «فقالوا: فكبرنا»، ثم قال: «أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟» فقالوا: «نعم». وفي رواية قبلها: «فقالوا: فكبرنا»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة». فهذا الحديث فيه فضيلة لهذه الأمة، أمة النبي عليه الصلاة والسلام، أمة الإسلام، وذلك بأنها أكثر أهل الجنة. إنها أكثر أهل الجنة، فهم نصف أهل الجنة. أهل الإسلام من أمة النبي عليه الصلاة والسلام نصف أهل الجنة، وذلك أن أهل الإسلام في أهل الشرك قليل، وأهل الشرك كثير، فحالهم مع أهل الشرك كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر. والمعنى أن أهل الشرك كثر، وأهل الإسلام قل بالنسبة لهم. وأكثر أهل الإسلام من هذه الأمة، من أمة النبي عليه الصلاة والسلام، وهي أفضل الأمم، وآخر الأمم، وأكرم الأمم، فلذلك كانت هذه الأمة من أكثر أهل الجنة. وقوله رضي الله عنه: «فكبرنا»، هذا فيه جواز التكبير عند سماع البشارة، أو الشيء الذي يعجب منه الإنسان أو يفرح به، فيكبر لأجل ذلك، فهذا لا بأس به. والنبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على تكبيرهم حين أخبرهم: «أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟» قالوا: «نعم»، «فكبرنا». وما أنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، دل هذا على جواز مثل ذلك عند سماع البشارة، أو الشيء الذي يفرح به، فيكبر الإنسان. وهكذا أيضا فيه أن الجنة لا يدخلها إلا المسلمون، وذاك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، فالمشرك لا يدخل الجنة، والجنة عليه حرام، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾. فلا يدخل الجنة إلا المسلم. وهذا الحديث هل يعارضه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أهل الجنة عشرون ومئة صف، وهذه الأمة ثمانون صفا»؟ هذه الأمة، أي أمة النبي صلى الله عليه وسلم، ثمانون صفا من عشرين ومئة صف، معنى أنهم ثلثي أهل الجنة، معنى أنهم ثلثي أهل الجنة. قال أهل العلم، كما ذكر ذلك الإمام النووي رحمه الله: يحمل هذا على أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن هذه الأمة نصف أهل الجنة، ثم بعد ذلك أخبر وزيد له في الفضل، أن جعلت هذه الأمة ثلثي أهل الجنة. فأمة النبي صلى الله عليه وسلم ثلثي أهل الجنة، والثلث من بقية الأمم. وهذه فضيلة لا تساويها أحد من الأمم، تساوي هذه الأمة في هذه الفضيلة العظيمة. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبي، هو عبد الله بن نمير، قال: حدثنا مالك، وهو ابن مغول، عن أبي إسحاق، هو السبيعي، عن عمر بن ميمون، عن عبد الله، قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسند ظهره إلى قبة أدم -يعني جلد- قال: فقال: ألا لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، اللهم هل بلغت؟ اللهم اشهد. أتحبون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟» قلنا: «نعم يا رسول الله»، قال: «أتحبون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟» قالوا: «نعم يا رسول الله»، قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود». قال رحمه الله: حدثنا عثمان بن أبي شيبة العبسي، قال: حدثنا جرير، وابن عبد الحميد، عن الأعمش، السليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي، محدث، ومقره كان يقول رحمه الله: «لولا هذا العلم والقرآن، لكنت من بقالي أهل الكوفة»، يعني: كنت في بقالة أبيع فيها، ولم تكن لي منزلة، ولا شرف، وإنما هذه الرفعة بسبب العلم الذي أتاه الله جل وعلا إياه. كان الأعمش ذا طرائف. نعم، دخل عليه حلاق يحلق له رأسه، فحلق النصف، فقال الحلاق: «لا أحلق لك النصف الآخر حتى تحدثني»، فقام وخرج وترك النصف الآخر. كان رحمه الله عسيرا في التحديث، لا يحدث بسهولة. نعم، أيضا كان رجل يحدث عن الأعمش: «حدثنا الأعمش»، وهو كذاب، ما لقي الأعمش ولا حدثه، والأعمش كان موجودا، فجلس في حلقة هذا الكذاب، وجعله ينتف إبطيه، ينظف إبطيه، فقال له هذا المحدث: «ما تفعل؟ أنا أحدث، وأنت تفعل هكذا؟» قال: «أنا أفضل منك، أنا أطبق السنة، وأنت تكذب، أنا الأعمش، وما حدثك». فالتف الناس حول الأعمش رحمه الله. قال عن أبي صالح، عن أبي سعيد، وهو الخدري، رضي الله تعالى عنه، أبو سعيد سعد بن مالك الخدري، أحد السبعة الذين رووا فوق الألف من الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. فمن هؤلاء السبعة المكثرون في رواية الأثر؟ أبو هريرة، يليه ابن عمر، وأنس، والحبر، والخدري، وجابر، وزوجة النبي. هؤلاء رووا فوق الألف من الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثرهم رواية أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه. قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك. قال: يقول: أخرج بعث النار. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين». قال: «فذاك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد». قال: «فاشتد ذلك علينا»، قالوا: «يا رسول الله، أينا ذلك الرجل؟» فقال: «أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفا، ومنكم رجل». قال: «ثم قال: والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة»، فحمدنا الله وكبرنا. ثم قال: «والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرقمة في ذراع الحمار». قال رحمه الله: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، أبو جراح. وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، كلاهما عن الأعمش بهذا الإسناد، غير أنهما قال: «ما أنتم يومئذ في الناس إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض»، ولم يذكر: «أو كالرقمة في ذراع الحمار». هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل يقول لآدم عليه السلام: «يا آدم»، فيقول: «لبيك وسعديك، والخير في يديك»، فيقول: «أخرج بعث النار»، أي: ميز من يدخل النار ممن لا يدخلها، فيقول: «وما بعث النار؟» فيقول: «من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين». من كل ألف تسعمائة وتسعين إلى النار، وواحد إلى الجنة. فلما سمع ذلك الصحابة، رضي الله عنهم، وقبل ذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد، يعني أن هذا يوم القيامة، كما أخبر الله عز وجل في القرآن: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾، وكذا قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. ظاهر هذه الآية أن هذا يقع في آخر يوم من أيام الدنيا، عند زلزلة الساعة، فيشيب الصغير من هول ذلك اليوم، شدته، وتضع كل ذات حمل ما في بطنها من الحمل، من الفزع والخوف والهلع، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، يعني: يتخبطون ويتمايلون كتمايل النشوان والسكران، وما بهم من سكر، ولكن عذاب الله شديد، أي: من شدة الخوف والفزع يصبحون مثل السكارى، يتخبطون ويتمايلون. فقال الصحابة، رضي الله عنهم: «يا رسول الله، أينا ذلك الرجل الذي يكون من أهل الجنة؟ من هذا الذي يسلم من هذه الألف؟» فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفا، ومنكم رجل»، يعني: من أمة يأجوج ومأجوج ألف، وأنتم منكم رجل واحد إلى الجنة، وتسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار من يأجوج ومأجوج. ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة، رضي الله عليهم، بما يحب أن يكونوا أكثر أهل الجنة. هذا الحديث فيه أولا إثبات صفة الكلام لله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل يتكلم بصوت يسمع، وكلام له حروف. ومن الكلام النداء، من الأنواع الكلام النداء. ولهذا قال: «يقول الله عز وجل: يا آدم»، ويسمعه آدم ويجيبه. فهذا دليل من الأدلة الكثيرة الذي استدل بها أهل السنة والجماعة على إثبات صفة الكلام لله سبحانه وتعالى، وأن الله جل وعلا يتكلم بما شاء، متى شاء. ومن الصفات الذاتية الفعلية الذاتية لتعلقها بالذات، والفعلية لتعلقها بالمشيئة. فمتى شاء جل وعلا تكلم. وفيه كذلك أيضا إثبات صفة اليدين لله سبحانه وتعالى، وذلك في قوله: «والخير في يديك». والله عز وجل له يدان تليق بجلاله وعظمته، كما قال سبحانه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. وفيه كذلك بيان أن أمة يأجوج ومأجوج أمة كثيرة، حتى إنهم يدخلون النار، يعني: من كل ألف منهم، ومن أمة النبي صلى الله عليه وسلم رجل إلى الجنة. وهذا يدل على كثرتهم، وأنهم كثر. وفيه كذلك أيضا دليل على ثبوت خروج يأجوج ومأجوج، وأن خروجهم حق، كما أخبر الله جل وعلا، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، ومن نحترى نحوهم. وهكذا أيضا فيه بيان هول يوم القيامة، وعظيم شدته، حتى إن الولد الصغير ليشيب، يظهر له الشيب من شدة الهول. والمرأة الحامل تضع ما في بطنها، والناس يسبحون كالسكارى، وما هم بسكارى. وكل ذلك بسبب عظيم ذلك اليوم، وشدة هوله، كما أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه. وهكذا أيضا فيه فضيلة لهذه الأمة، أنها من أكثر الأمم دخولا الجنة. وفي هذا الحديث أنهم نصف أهل الجنة. ومر معنا أنهم ثلثي أهل الجنة، كما في الحديث الآخر: «أهل الجنة عشرون ومئة صف، وهذه الأمة ثمانون صفا منها». نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة، وأن يعيدنا من النار. وبهذا نكون انتهينا من قراءة كتاب الإيمان إلى هنا، صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.