الدرس في شرح كتاب التوحيد 58، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن التبرك الممنوع وأنواع الشرك في التبرك مثل التبرك بالأصنام والأوثان. يوضح أن البركة من الله وحده.
يشرح ضوابط التبرك بالأماكن والأزمنة والحاجة إلى دليل شرعي. يحذر من التبرك بالأماكن دون دليل شرعي.
يناقش مفهوم التبرك وضوابطه الشرعية ويحذر من التبرك المبتدع بالأشخاص والأعيان. يبين الفرق بين التبرك المشروع والممنوع.
الخطيب يدعو الله أن ينفع السامعين ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، مشيرًا إلى نهاية العظة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في هذا الباب، إخواني في الله، في باب التبرك، وأشرنا في دروس خلت عما يتعلق بالتبرك المشروع، وما يكون من التبرك بالأزمنة الفاضلة والأماكن المباركة. وأشرنا إلى أن باب التبرك يقوم على أمرين اثنين، أولهما إقامة الدليل على أن هذا الأمر، زمانًا كان أو مكانًا، يعتبر من الأمور التي حلت بها البركة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأدلة الشرع ونصوص الكتاب والسنة. وبعد ذلك تأتي المسألة الثانية، وهي كيفية التبرك بهذا الأمر المبارك، وهذا كذلك يكون بالرجوع والنظر إلى أحوال الشرع. ننتقل الآن، إخواني في الله، إلى قسم آخر من أقسام التبرك، وهو التبرك الممنوع. وفي ذلك إشارة، إخواني في الله، إلى أن التبرك ليس كله على حد سواء كما يظن بعض الناس، وأن باب التبرك ليس متاحًا لكل أحد، بل إن التبرك منه ما هو مشروع لك، يا عبد الله، أن تتقرب به إلى الله، ومنه ما هو ممنوع محظور غير مسموح أن تفعله. مثاله ما كان من التبرك الشركي، والذي عليه أهل الجاهلية الأولى، كيف كانوا مع اعتقادهم بأصنامهم وآلهتهم وأوثانهم يعتقدون فيها البركة، حتى ذكر أهل السير والتاريخ أن العربي الجاهلي كان إذا أراد أن يخرج من بيته أتى إلى صنمه فتمسح به ثم يخرج، فإن عاد وإن رجع من سفره أول ما يبدأ به أن يتوجه إلى صنمه فيتمسح به. هذه عقيدة الجاهلية، فيعتقدون أن هذه الأصنام والأوثان موهبة للبركة لمن طلبها. وسأتي معنا ما يتعلق بحديث ذات أنواط، كيف أن من اعتقادات العرب أن الواحد منهم إذا أراد لسلاحه أن يكون قويًا فتيًا فإنه يعلق في شجرة، فيعتقدون أن هذه الشجرة تمد هذا السيف وهذا المتاع وهذا السلاح وهذا العداد والعدة بالقوة. فهذه الأنواع، إخواني في الله، من أنواع الشرك الأكبر. فمن اعتقد في أمر ما أنه هو الذي يوهب البركة لغيره فقد أشرك، إذ أن البركة كما قال عليه الصلاة والسلام: «البركة من الله وحده»، ما هناك أحد ينازعه جل في علاه في أنه يضع البركة في من شاء وكيف شاء جل في علاه. فمن نازع الله في هذا الباب فقد أشرك، فمن ظن أنه بنفسه هو الذي يوزع البركات فقد نازعه، حم الله سبحانه وتعالى في هذا المقام. أما من اتخذ أمرًا من الأمور معتقدًا أنه سبب، ليس موهبًا بل سببًا من أسباب هبة البركة، فهذا حينها وقع في الشرك الأصغر ووقع في الابتداع والإحداث في الدين، وذلك له صور كثيرة. من ذلك ما يكون من التبرك الممنوع بالبقاع والأماكن. فإن من التبرك المبتدع في باب التبرك بالأماكن إما ما يكون في الخطأ في كيفية التبرك، كما قلنا، مثاله المساجد، كهذه المساجد هي من بيوت الله وهي محل للبركة، فالمساجد أماكن مباركة. فلو أتى أحد ثم إذ نجده يلتمس السواري ويتمسح بالأبواب ويقبل النوافذ، يقال: ماذا؟ هذا فعل مبتدع ابتدع في دين الله جل وعلا. فلو زعم أنه يلتمس بركة المسجد لقلنا له: «ما هكذا يا سعد تورد الإبل، ما هكذا تؤخذ البركة من المساجد». بركة المساجد تكون بالصلاة فيها والمكث فيها، فهذا من الابتداع في الدين. أو أنك تختار بقعة فتجعلها بقعة مباركة ما أنزل الله بها من سلطان، كحال من يعتقد في القبور وفي الأضرحة وفي المزارات بأنها أماكن مباركة. أين الدليل؟ أين الدليل يا عبد الله على أن هذه البقعة أو هذا المزار أو هذا الضريح أو هذا القبر من الأمور المباركة؟ هذا يحتاج إلى دليل. وقد أشرنا إلى هذه المسألة، وهذه من أعظم الأمور التي بها يتأصل الإنسان في باب التبرك، لابد أن تثبت عرشك، ثبت أن هذا المكان مبارك، وإلا فإن اختيار الأماكن هذا يحتاج إلى دليل. وتأمل يا عبد الله في عمر رضي الله تعالى عنه عندما كان يقبل الحجر الأسود، قال: «إني والله لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك». إذن كان التقبيل للحجر الأسود قائمًا على الدليل، فلا تتأتى تقبل شيئًا أو تتلمس شيئًا أو تتمسح بشيء طالبًا لبركته إلا وعندك دليل على ذلك. ومن هنا لما ثبت أن عمر رضي الله تعالى عنه علم أن الناس يذهبون إلى شجرة يقال لها شجرة الرضوان، وأن الناس يتعمدون أن يصلوا فيها التماسًا لبركة هذه البقعة، قام عمر رضي الله تعالى عنه وأمر بقطعها وإزالتها فقطعت، لم يأت الدليل على أن هذا المكان مبارك حتى تلتمس منه البركة. وهكذا قس يا عبد الله سائر الأعمال والأماكن، لابد أن تفتقر إلى دليل على أن هذا المكان مبارك. ومثل ذلك الصلاة، كونك تصلي عند القبور كحال بعض الناس، لربما يتجشم عناء الذهاب إلى الزيارة الفلانية أو إلى الضريح الفلاني علَّ وعسى أن يظفر بصلاة في هذه البقعة، وهذا عين المحادة لله ورسوله. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «فأما إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء وبعض الصالحين تبركًا بهذه البقعة، فهذا عين المحادة لله ولرسوله والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن به الله». ثم ذكر إجماع المسلمين على ذلك. لا يبعد أن تأتي إلى بقعة وتشير إليها وتأمر وتندب إليها وتحث الخلق عليها على أن هذا المكان مبارك، ثم يتنافسون على هذا المكان كما يتنافس الحجاج على الروضة التي في المسجد النبوي. أرأيتم ذلك مزحة قائم على دليل، لأن تلك البقعة مباركة وحث الشرع على ذلك، لأنك تحرص على الصلاة والمكث فيها. لكن تأتي إلى بقعة إلى قبر أو بين قبور وتحث الخلق على أن يفعل ذلك، لا يا عبد الله، هذا من البدع الشنيعة وعين المحادة لله ورسوله. فهذا ما يتعلق بالأماكن. وكذلك الأزمنة، مر معنا أن التبرك بالأزمنة يقوم على الدليل، هناك أزمنة مباركة، رمضان شهر مبارك، ليلة القدر ليلة مباركة، العشر من ذي الحجة ليالي مباركة، جعل دليلًا عليها. أما أنك تأتي إلى أزمان وترى أنها أزمان مباركة وتحث الناس عليها، هذا بدعة. مثاله ليلة المولد النبوي، ليلة من الليالي، زعم الناس على فرض لو كنا جدلًا وتنزلًا على أن هذه الليلة ولد فيها نبينا صلى الله عليه وسلم، هل لها مزية؟ هل لها فضيلة على سائر الليالي؟ الجواب: لا، هي كباقي الليالي، بدليل أن شرع الحكيم، بدليل أن النبي عليه الصلاة وأفضل التسليم هو بنفسه ما احتفل بهذا، ما احتفل وما احتفى بهذه الليلة، وما اكترث بها، مع أنه عاش مدة من الدهر، مدة من العمر، وهذه الليلة ليلة المولد على حد زعمكم تمر عليه تكرارًا ومرارًا، وما انتفت إليها حتى جاءت الخلوف في هذه الأزمنة المتأخرة ورفعوا من شأنها حتى سمعنا والله من بعض الناس من يرى أن ليلة المولد النبوي أعظم عند الله من ليلة القدر. غلو وضلال، ليلة ما أنزل الله بها من سلطان أفضل من ليلة القدر التي نزل في حقها القرآن. هذا كله قصد التبرك، ثم أذنبهم يتعمدون أنهم يتبركون في هذه الليلة، ليلة المولد، أو في شهر المولد، بإقامة الزواجات، بإقامة الأنكحة، تقصدًا وترصدًا لبركة هذا الشهر. من أين جاءت هذه البركة؟ هذا من البدعة ومن الابتداع في دين الله. فحذار يا عبد الله على هذا الباب. وهكذا التبرك بالأشخاص والأعيان، قد مر معنا أن هذا الباب أن التبرك بالذوات ما يكون إلا لرسول الله فقط، عليه الصلاة والسلام، فذاته مباركة، وجاءت الأدلة على أن البركة في جسده وفي عرقه وفي شعره وفي كل عضو من أعضائه، صلوات ربي وسلامه عليه. لكن بانقضائه وانتهاء أجله أغلق هذا الباب، فلا يكون التبرك بذوات أحد من خلق الله كائنًا من كان. فلا يتبرك برجل صالح ولو كان صالحًا حقًا وصدقًا، فلا يكون تبرك بشعره ولا بسؤره ولا بلعابه ولا بنعاله ولا بثوبه ولا بقطع من ثيابه، ما يجوز هذا. لكن تبقى يبقى شيء يمكن أن نتبرك به بالصالحين، ما هو؟ التبرك بآرائهم، بأقوالهم، بإرشاداتهم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «البركة مع أكابركم». ما معنى البركة مع أكابركم؟ أن تأتي إلى كبار السن وإلى الشيبة ثم نقوم ونتمسح بهذا الشيخ وبعكازه؟ لا، ليس هذا المقصود بالبركة بكبار السن هذه الصورة الحسية. وإنما البركة مع الأكابر أن تقتفي أثرهم، لأن الله جل وعلا أكمل لهم العقول، وأكبر الأكابر هم العلماء، تلتمس البركة في منهجهم، في نصائحهم، في إرشاداتهم، أو ما كان من اجتماع الكلمة، «البركة مع الجماعة»، فإذا اجتمع الناس على رأي خذ بقولهم، فالله جل وعلا جعل البركة معهم. وهكذا قس، نعم، هذا ينفع فيه التبرك بالصالحين بآرائهم، بأقوالهم، وإرشاداتهم، أما بذواتهم، الجواب: لا. فالشاهد، إخواني في الله، في هذا الفصل علينا أن نعلم أن نفرق بين التبرك المسموح وهو المشروع، وبين التبرك الممنوع، والفيصل بينهما ما جاء في شرع الله جل وعلا، فلا يعود لأهوائنا ولا لأذواقنا ولا لما يكون من مصالح أنفسنا، وإنما هو اتباع لكتاب ربنا ولسنة نبينا صلى الله عليه وسلم. أقول قولي هذا، وأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.