شرح كتاب التوحيد 60

شرح كتاب التوحيد 60

الدرس في شرح كتاب التوحيد 60، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شرح حديث أبي واقد الليثي

يبدأ الشرح بحديث أبي واقد الليثي في باب التبرك، حيث خرج مع رسول الله إلى حنين وكان حديث عهد بكفر. يبين المقطع سبب الخطأ الذي وقع فيه وهو حداثة عهدهم بالإسلام.

تحليل اعتقادات الجاهلية وعلاقتها بالشرك

يشرح المقطع اعتقادات الجاهلية في تعظيم الشجرة واعتقاد البركة فيها، ويبين أنها من الشرك. يقارن بينها وبين ممارسات مشابهة في العصر الحديث مثل الاعتكاف عند القبور.

تحذير النبي من اتباع سنن الأمم السابقة في الشرك

يشرح المقطع قصة صحابة سألوا النبي أن يجعل لهم شجرة تعلق عليها أسلحتهم، فوبخهم النبي على ذلك وبيّن أن فعلهم يشبه شرك بني إسرائيل. يحذر من اتباع سنن الأمم السابقة في الشرك.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أبي واقد الليثي... سيذكر لنا المؤلف رحمه الله تعالى حديثًا من الأحاديث المتعلقة بباب التبرك. أشرنا في دروس خلت ما يتعلق بالتبرك بأقسامه، بأنواعه، بصوره، ثم كان بالأمس الإشارة إلى الدليل الأول في قوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزة﴾ والعلاقة بين هذه الآية وبين باب التبرك، كيف أن اللات عبارة عن صخرة كان يقعد عندها رجل يلت السويق، فتبرك الناس بها حتى عبدت من دون الله. وهنا بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بذكر الحديث الثاني الذي يتعلق بمسألة التبرك، فقال: وعن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، وحنين اسم وادي وهو شرقي مكة، شرقي مكة ومعروف. قال: خرجنا مع رسول الله إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر. هذه العبارة من هذا الصحابي فيها بيان لحال هؤلاء الذين خرجوا مع رسول الله، أنهم كانوا حدثاء عهد بكفر، أي أنهم جدد، جدد على الإسلام، جدد على هذا الدين. ما الذي أراده أبو واقد الليثي حينما يعبر بهذا التعبير عن نفسه وعن من كان على هذه الشاكلة؟ قال: ونحن حدثاء عهد بكفر، أراد رحمه الله تعالى في هذا الباب بيان الاعتذار لما وقع منهم، لأنه سيأتي معنا في مخرجهم مع رسول الله، صدر منهم أمرا من الأمور العظيمة والتي ما ينبغي أن يقع فيها. فلما حصل منهم هذا الوقوع في هذا الخطأ، أراد أبو واقد رضي الله تعالى عنه أن يبين سبب الخطأ الذي أوردهم إلى هذا المورد، وهو أنهم كانوا حدثاء عهد بكفر. هذا عذرنا، فهذه الفائدة الأولى. الفائدة الثانية المستفادة من ذلكم: وطبعا قد يقول قائل وماذا أراد بحدثاء عهد؟ لأنهم هؤلاء كانوا من مسلمة فتح مكة، أسلموا قريبا ثم خرجوا مع رسول الله، أسلموا ثم خرجوا مع رسول الله إلى هذا السفر إلى واد حنين، وكانوا ألفا ونيفا، أي جماعات من ألف من الناس بمن أسلموا حديثا ثم خرجوا مع رسول الله. فبين أبو واقد أن سبب الخطأ أنهم حدثاء عهد، فهذا أراد بيان العذر لهذه المسألة. الثاني: فيه بيان على أن من تقدم إسلامه لم يقع في هذا الأمر، من كان قديما في الإسلام، من كان له سابق في الدين والإيمان لم يقع في هذا الخطأ، وإنما هذا الأمر قد وقع فيه من كان من الجدد. ثالثا: في هذا التعبير بيان على أن الإنسان لربما إذا اعتاد على أمر من الأمور الباطلة ثم انتقل إلى الحق المبين، فلربما قد يبقى معه شيء مما كان عليه، من اعتاد على أمر كان من الأمور الباطلة فانتقل إلى أمر حق، فإنه قد يبقى ليس هذا باللازم، لكن أحيانا قد يبقى شيء من الشوائب التي فيه. ولهذا قال أبو واقد: ونحن حدثا عهد بكفر، فصدر منها الذي صدر. وكما سيأتي معنا قال: وللمشركين سدرة يعكفون عندها، أي مروا على سدرة، والسدرة هي الشجرة، ولا تطلق إلا على الشجرة الكبيرة الضخمة. قال: وللمشركين سدرة، أي هذه السدرة وهذه الشجرة كانت معظمة عند الكفار، ولهذا أضيفت إليهم. قال: وللمشركين سدرة يعكفون عندها، أي يلازمونها، وهذا هو الاعتكاف، الاعتكاف هو الملازمة الشيء، ملازمة الشيء والإقامة عنده، بغض النظر عن المدة، لربما طالت أو قصرت. فدل ذلك على أن الاعتكاف عبادة، وأن من صرف الاعتكاف لغير الله فقد وقع في الشرك. فمن اعتكف في بقعة ويعتقد فيها أنها تضر وتنفع فقد وقع في الشرك الأكبر، وهذا الذي كان أهل الجاهلية هؤلاء يعملونه ويفعلونه، كانوا يعتقدون في هذه الشجرة، وكانوا يعكفون أي يعتكفون عندها التماسا ماذا؟ لما فيها من النفع والضر. قال: وللمشركين سدرة يعكفون عندها، قال: وينوطون بها أسلحتهم. وينوطون: أي يعلقون أسلحتهم. السؤال هو: لماذا هؤلاء الكفار يعلقون الأسلحة في الشجرة؟ هل حماية لها من عدم السرقة؟ الجواب: لا، ما أراد هذا، وإنما أراد من تعليق الأسلحة على الشجرة أن الشجرة تمد الأسلحة بالقوة، فهم يلتمسون بركة الشجرة. هذا السلاح، هذا السيف إذا أراد العرب الجاهلي أن يكون بطلا يعلقونه على الشجرة، فيرون أن هذه الشجرة تعطي القوة لأسلحتهم. ثم يجد أن القوة وهم واعتقاد فقط، يرى أن السلاح قد استمد قوته، أو التروس ما يحتمى بها، أو الخوذة الذي تغطى بها الرؤوس، وقس على ذلك أنواع من الأسلحة التي كان العرب يعلقونها، كل ذلك التماسا لبركة الشجرة، وأنها تعطيهم من القوة، وتمدهم بالشجاعة. هذا الاعتقاد من الاعتقادات الجاهلية، فكان الجاهلي في هذا الحديث: وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحة، وقعوا في ثلاثة أمور عظام: المسألة الأولى: التعظيم. المسألة الثانية: الاعتكاف. المسألة الثالثة: اعتقاد البركة بها، وكل ذلك من مكام الشرك. ولهذا ما عبدت الأشجار، ولا عبيدت الأحجار، ولا عبيدت الأضرحة إلا بعدما وقعت في أذهان أصحاب هذه الأمور الثلاثة. وهذا نجده مليا، تجده مليا العكوف عند القبور. أذكر فيما أذكر ذهبنا إلى مصر، فكان هناك مسجد شهير بني على قبر، فمن خلال المرور على هذه الحجرة والغرفة التي فيها القبر، نعم ترى والله الاعتكاف، تجد أن الناس جلوس فقط لا يحركون ساكنا، جلوس، ومنهم من يلتمس البركة من هذا الضريح. فدل على أن الاعتكاف هذه عقيدة عند الجاهليين القدامى، ولا زالت موجودة في هذه الأزمان، إذا اعتقد في بقعة ما أنها معظمة، فإنهم يحبسون أنفسهم صمتا وسكوتا استلهاما لنفعها. وإذا كان هناك لمس ونحو ذلك، فإذا ذلك التماسا لبركتها، وكل ذلك مما كان عليه أهل الجاهلية. فالشاهد أن هؤلاء الصحابة مروا على هذه الشجرة وهي بهذه صورة، فماذا قالوا؟ قالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. هذا الذي لأجله اعتذر أبو واقد الليثي عنه، هذا الذي لأجله اعتذر أبو واقد الليثي رضي الله تعالى عنه، أنهم سألوا رسول الله أن يجعل لهم شجرة كهذه الشجرة. هم طبعا ما أرادوا التعظيم لغير الله، هم أرادوا شيء يقربهم إلى الله، أرادوا شيء ليعطيهم قوة حتى ينتصر على أعداء الدين، على الكفار، على المشركين. فظنوا أن هذه وسيلة، ظنوا أن هذه الطريقة وسيلة نافعة تنفع في باب الجهاد والقتال، فطلبوا من رسول الله ما يكون في استمداد القوة لأنفسهم ولأسلحتهم. فكان من طلبهم: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال عليه الصلاة والسلام: الله أكبر، الله أكبر. قال العلماء: إنما تكبيره عليه الصلاة والسلام تعجبا، تعجبا أن يطلب مثل هذا الطلب، وقيل: تكبيره منه عليه الصلاة والسلام تعظيما لله جل في علاه أن يجعل معه شريكا. فقال عليه الصلاة والسلام: الله أكبر، إنها السنن -كما بلفظ الضم- إنها الطرق، إنها السنن لتركبنا سنن من كان قبلكم. وهذا على من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام، إذ أخبر أن هذه الأمة ستمشي على ما مشت عليها الأمم قبلها، فما من هنة وما من زلة وما من مصيبة وقعت عند الكفار وعند اليهود والنصارى إلا ونجد من أتباع الأمة المحمدية من وقع فيها. قال: قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بني إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، إنكم قوم تجهلون. فشبه نبينا صلى الله عليه وسلم مقالتهم: اجعل لنا ذات أنواط، شبه بمقالة بني إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. وفي ذلك بيان إخواني في الله على أن الشرك شرك، بغض النظر عن صوره. فبعض الناس ممن لربما يصطاد بالماء العكر، وأراد أن يضحك على عامة خلق الله، لربما إنما هو يغير المصطلحات، فتارة لربما يخرج الشرك للناس باسم التبرك بذوات الصالحين، ثم يأمرهم بالتعلق بهم، أو ما يكون من التعلق بغير الله باسم التوسل. وكله يا عبد الله إذا رأيت إلى حقيقة الأمر وجدت أن فيه التعلق بغير الله، وهذا هو الشرك المبين الذي جاء الإسلام بمنعه. قال عليه الصلاة والسلام: إنها السنن، والذي نفسي بيده -فيه الحلف على الفتية- لا بأس أن الإنسان يحلف على الفتية إن كانت الفتية عظيمة كهذا المقام في مقام تعظيم الله جل وعلا. قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بني إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. فشاهد من هذا الباب إخواني في الله من الحديث بطوله، أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن مما كان عليه أهل الجاهلية: خطية التبرك، ونعني بالتبرك الممنوع، وما يكون من التبرك بالبقاع وبالأزمنة والأمكنة على خلاف شرع الله، وخاصة ما يكون من اعتقاد أنها تنفع وتضر من دون الله جل في علاه. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.