الدرس في كتاب الطهارة 22، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح هذا الفصل أهمية غسل اليدين ثلاث مرات عند الاستيقاظ من النوم قبل لمس الإناء أو استعمال الماء، ويبين الحكم الشرعي وراء ذلك.
يتطرق هذا الفصل إلى تفاصيل الحكم الشرعي لغسل اليدين عند الاستيقاظ، ويشمل نوم الليل والنهار، ويبين أن النهي للكراهة عند جمهور أهل العلم.
يتناول هذا الفصل مسألة تنقية الماء واستعماله بعد غسل اليدين، ويبين أن الماء لا يتنجس إلا بتغير أحد أوصافه الثلاثة.
يشرح هذا الفصل أداب استعمال الماء والوضوء، ويشير إلى أهمية التعبير اللطيف عن الأمور المستقذرة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله: وحدثنا نصر بن علي الجهضمي، وحامد بن عمر البكراوي. حامد بن عمر البكراوي، حامد بن عمر بن حفص بن عمر بن عبد الله بن أبي بكرة، نفيع بن الحارث الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه، فنسب حامد إلى جده، نسبة إلى جده، فقيل: حامد بن عمر البكراوي، يعني نسبة إلى أبي بكرة. قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن خالد، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده». قال رحمه الله: وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، وأبو سعيد الأشج، قال: حدثنا وكيع، ومن جراح. وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، كلاهما عن الأعمش، عن أبي رزين، وأبي صالح، عن أبي هريرة. في حديث أبي معاوية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي حديث وكيع، قال: يرفعه بمثله. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمر الناقد، وزهير بن حرب، أبو خيثمة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، محمد بن مسلم، عن أبي سلمة. وحدثنيه محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق بن همام الصنعاني، قال: أخبرنا معمر، وهمام بن منبه، عن الزهري، محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله بن شهاب، عن ابن المسيب، كلاهما عن أبي هريرة، كلاهما -يعني ابن المسيب وأبا سلمة- عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. قالوا: حدثني سلمة بن شبيب، قال: حدثنا الحسن بن أعين، قال: حدثنا معقل، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي هريرة، أنه أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استيقظ أحدكم، فليغسل على يده ثلاث مرات قبل أن يدخل يده في إنائه، فإنه لا يدري فيما باتت يده». في هذا السند، يروي جابر رضي الله عنه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. قال: وحدثنا قتيبة، وسعيد بن جميل، وطريف بن عبد الرحمن، أبو رجاء البغدادي، قال: حدثنا المغيرة -يعني الحزام- عن أبي الزناد -عبد الله بن ذكوان- عن الأعرج -عبد الرحمن بن هرمز- عن أبي هريرة. قال: وحدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن هشام، عن محمد، عن أبي هريرة. وحدثني أبو كريب، قال: حدثنا خالد -يعني ابن مخلد- عن محمد بن جعفر، عن العلاء، عن أبي هريرة. وحدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة. وحدثني محمد بن حاتم، قال: حدثنا محمد بن بكر. وحدثنا الحلواني، وابن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال -جميعا-: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني زياد، أن ثابتا، مولى عبد الرحمن بن زيد، أخبره، أنه سمع أبا هريرة. في روايتهم جميعا عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث، كلهم يقول: حتى يغسلها، ولم يقل واحد منهم: ثلاثا، إلا ما قدمنا من رواية جابر، وابن المسيب، وأبي سلمة، وعبد الله بن شقيق، وأبي صالح، وأبي رزين، فإن في حديثهم ذكر الثلاث. وهذه الأسانيد ساقها الإمام مسلم رحمه الله، والروايات يبين دقة الإمام مسلم رحمه الله واحتياطه في الرواية، وفي الألفاظ، فذكر هذه الطرق ليبين فيها ذكر الحديث بلفظه، وما حصل فيه من اختلاف. ومن ذلك ذكر الثلاث، فقد ذكرها بعض الرواة، ولم يذكرها الآخرون. ومثل ذلك إذا كان الرواة الذين اختلفوا في ذكر هذه اللفظة هم في درجة واحدة، أو من ذكرها أوثق، فمثل هذه تقبل. وأما إن كان من لم يذكرها هم الأوثق والأحفظ والأكثر، فيكون ذكرها شاذا. لكن أراد الإمام مسلم رحمه الله أن يبين أن منهم من ذكرها، ومنهم من لم يذكرها، من باب التثبت في الرواية والتدقيق في ذلك. وإلا فهي ثابتة. هذا الحديث في أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء» -الإناء الذي فيه الماء-، ينهى النبي عليه الصلاة والسلام من استيقظ من النوم أن يغمس -يعني يضع يده داخل الإناء الذي فيه الماء- حتى يغسلها -يعني قبل أن يغمسها يغسلها في الخارج- يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده -يعني لا يدري أين ذهبت يده وأين وقعت- والإنسان في حال نوم لا يشعر بما يحصل له في حال النوم، فربما تذهب يده في بعض المواضع التي هي مظنة الوسخ أو شيء من ذلك، فكان من الاحتياط أن يغسلها قبل أن يغمسها في الإناء. فهذا الحديث فيه النهي عن غمس اليد في الإناء عند الاستيقاظ من النوم. وهذا النوم يختص بنوم الليل، أو أنه عام لنوم الليل والنهار؟ جمهور أهل العلم على أن هذا الحكم عام لنوم الليل ولنوم النهار، سواء قام من نوم الليل -وهو الأغلب- أو كذلك أيضا قام من نوم النهار، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من نومه». ونوم هنا أضيف، فيدل على الجمع والعموم. وكذلك أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر العلة في ذلك، وهو قوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده». فقوله: «لا يدري أين باتت يده»، هذا يحصل في نوم الليل، ويحصل كذلك في نوم النهار، خاصة إذا كان النوم مستغرقا، فإنه كذلك لا يدري أين باتت يده. إذا العلة مذكورة، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فعلى هذا إذا استيقظ من نوم -سواء كان من نوم نهار أو نوم ليل- فإنه لا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها. وذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أن هذا يختص بنوم الليل، واحتج بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فإنه لا يدري أين باتت يده». والبيتوتة تكون خاصة بالليل. لكن الصحيح قول الجمهور، وذلك كما سمعنا؛ لأن العلة معلومة، فيشمل ذلك نوم الليل ونوم النهار. قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس» -هذا نهي- نهي عن غمس اليد في الإناء. وهل هذا النهي للكراهة أو للتحريم؟ جمهور أهل العلم على أنه للكراهة، وأنه يكره للمستيقظ من النوم أن يغمس يده في الإناء، ولا يحرم. وذهب بعض أهل العلم، وقول الظاهرية، إلى أنه يحرم، وذلك أن الأصل في النهي أنه للتحريم. وهذا هو الأصل، وإذا لم يوجد ما يصرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهة، فإنه يبقى على الأصل. لكن جمهور أهل العلم عندهم قاعدة، وهي أن النهي إذا كان في شيء من الآداب، فإنه يحمل على الكراهة، إلا إذا دلت قرينة على إرادة التحريم، فإنه حينئذ يحمل على التحريم. وعلى كل، فالمسلم يجنب غمس يده في الإناء إذا استيقظ من النوم -سواء قلنا بالكراهة أو بالتحريم-؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فالواجب أن يجنب ويبتعد، فلا يغمس يده في الإناء. وهل إذا غمسها يتنجس الماء؟ هل إذا غمسها في الإناء يتنجس هذا الماء الذي في الإناء؟ قال بهذا بعض أهل العلم. والصحيح أنه لا يتنجس؛ وذلك أن الماء لا ينجس إلا إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة: لونه، أو ريحه، أو طعمه، بنجاسة تقع فيه. ولو وقعت فيه نجاسة ولم تؤثر فيه، فهو طاهر، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الماء طهور، لا ينجسه شيء». إذا لماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم؟ نقول: إن الأمر لأجل عدم تقدير الماء -يعني قد يكون طاهر لكن قد يقذره بوجود شيء من المكروبات أو الأوساخ التي تستكن في يده عند نومه- أو كذلك أيضا ربما تقع يده في بعض المواضع المستقذرة -كذكره أو دبره أو نحو ذلك- وهو نائم لا يشعر بنفسه، فمن أجل هذا أمر أن يغسل يده قبل أن يضعها في الإناء. لكن ليس المقصود أنه إذا غمسها في الإناء تنجس الماء، فإن الماء لا يتنجس إلا كما سمعنا: بتغير أحد أوصافه الثلاثة. فإذا أراد أن يغمسها في الإناء، أولا يغسلها ثلاثا خارج الإناء، بأن يغرف من الوعاء أو الإناء الذي فيه الماء، ويغسل يده في الخارج، ثم يغمس يده في الإناء. قال: «فإنه لا يدري أين باتت يده» -يعني عند النوم لا يدري أين تذهب يده وأين تطيش في حال النوم- والإنسان لا يشعر بنفسه حال النوم، والنوم يعد الموت الصغرى، يعد الموت الصغرى. الله يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في منامها، فيمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى. فلهذا الإنسان لا يشعر بما يحصل له في حال نومه، فلذلك إذا استيقظ فإنه يغسل يده ثلاثا، ثم يرعى في الإناء. وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «فإنه لا يدري أي نبات تأتيده»، هذا فيه أيضا أدب من الآداب التي يراعيها الشرع كثيرا في حسن استعمال الألفاظ، والكنايات عن الأمور المستقذرة والمستقبحة، فلا تجد في الشرع التصريح بها، بل تجد الكناية والإتيان بكلمات تعبر عن المقصود بكلمات وعبارات لطيفة، وهذا من حسن التعبير، وكذلك حسن الأدب في المخاطبة، أن الإنسان يأتي بالكلمات الحسنة، وكذلك أيضا الكلمات اللطيفة عن الأشياء، أو في التعبير عن الأشياء المستقذرة. انظر هنا، قال: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، لم يقل: «فإنه لا يدري هل يده وقعت في كذا أو في كذا، في فرجه أو دبره أو كذا». نحن، هذه الألفاظ وهكذا تجد مثل هذا الأدب في القرآن، مثلا في قول الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾، تغشاها بمعنى جامعها، عبر عن الجماع بالتغشي. وهكذا أيضا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾. وكذلك أيضا قول الله جل وعلا: ﴿إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ أَوْ جَاءُوا الْغَائِطَ أَوْ لَامَسُوا النِّسَاءَ فَلَمْ يَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، وغير ذلك كثير. وهكذا يبقى يكون المسلم عنده أدب في التلفظ، وفي استعمال الكلمات، ولا يكون عنده فحش في القول. ولهذا كان من خلق النبي عليه الصلاة والسلام أنه لم يكن فاحشا ولا متفحشا، ما كان فاحش القول عليه الصلاة والسلام، يأتي بالكلمات الفاحشة والكلمات القبيحة، بل كان يتكلم عليه الصلاة والسلام بالكلام الطيب والكلام الحسن. وهكذا ينبغي كما سمعنا أن يكون المسلم. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس المسلم بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء». البذاءة في اللسان، وفي الأفعال، هذا من خلق المسلم، ومن صفات المسلم، أن يكون فاحش القول، بذيء اللسان، سباب، شتام، طعان، لعان، هذا من سوء الخلق، وقلة الأدب. فالمسلم مطالب -العلم على جهة الخصوص- أن يحرص على التخلق بالأداب الحسنة، والأخلاق الحسنة، واستعمال الكلمات الطيبة، والعبارات الحسنة. فهذا الحديث، الشاهد منه: نهي النبي عليه الصلاة والسلام أن يغمس المتوضئ عند وضوئه يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، ثم بعد ذلك يغمسها في الإناء ويستعمل الماء. وهذا الحكم قلنا بأنه إذا كان ينهى عن غمسها في الإناء، فإنه يجب عليه أن يغسلها أولا. يجب عليه أن يغسلها أولا، هذا عند الاستيقاظ من النوم. أما إذا كان مستيقظا وأراد أن يتوضأ، فإن غسلها قبل الوضوء مستحب. غسل اليدين قبل الوضوء ثلاثا، هذا مستحب في قول عامة أهل العلم. لكن يجب غسلها عند الاستيقاظ من النوم بهذا الحديث، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.