الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 30، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
تناول المقطع الأول مشروعية التسليمتين في الصلاة مستندا إلى أحاديث نبوية، بينما شرح المقطع الثاني كيفية التسليم وفقًا للسنة النبوية. يُفهم من ذلك أن التسليمتين مشروعة عند جمهور أهل العلم.
يُوضح أن التسليم ركن من أركان الصلاة عند جمهور أهل العلم، مع ذكر كيفيات مختلفة واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم للتسليم عن اليمين واليسار.
تناول المقطعان الثالث والرابع مسألة رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة، حيث استدل بحديث ابن عباس على أن النبي كان يكبر إذا فرغ من صلاته، وأنه كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إبراهيم بن الحجاج أبو الحسين الأنيسي الواسطي القشيري رحمه الله في صحيحه: قال حدثنا زهير بن حرب، وهو ابن شداد، أبو خيثمة النسائي، وهو ثقة ثبت، قال حدثنا يحيى بن سعيد، وهو ابن فروخ، وهو أيضا ثقة متقن حافظ، عن شعبة بن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، عن الحكم بن عتيبة، ومنصور بن المعتمر، عن مجاهد بن جبر، إمام الحديث والتفسير، تلميذ عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: عن أبي معمر، وهو عبد الله بن سخبرة، وهو ثقة، قال: إن أميرا كان بمكة يسلم تسليمتين، يعني في الصلاة، فقال عبد الله، يعني ابن مسعود: أين أتى بهذا؟ قال الحكم في حديثه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمتين. قال: وحدثني أحمد بن حنبل، وهو الشيباني، إمام أهل السنة والجماعة، صاحب المسند، وهو صاحب المذهب الذي ينتسب إليه مذهب الحنابلة، قال: وحدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله، قال شعبة: رفعه مرة، أن أميرا، أو رجلا، سلم تسليمتين، فقال عبد الله: أين أتى بهذا؟ يعني من أين أتى بهذا؟ قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، وابن مخلد، قال: أخبرنا أبو عامر العقدي، وهو عبد الملك بن عمير، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد، عن أبيه، أي سعد بن مالك بن وهيب، وابن أبي وقاص، قال: كنت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره، حتى أرى بياض خده. هذه الأحاديث فيها مشروعية التسليمتين في الصلاة، أن يسلم المصلي تسليمتين، الأولى عن يمينه، والأخرى عن شماله، في حديث عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، وفي حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: كنت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره، حتى أرى بياض خده. وهذا قول جمهور أهل العلم، أي مشروعية التسليمتين. وخالف في ذلك الإمام مالك رحمه الله، وطائفة من أهل العلم، لم يروا أن يسلم المصلي تسليمتين، وإنما يسلم تسليمة واحدة، واستدلوا ببعض الأحاديث الواردة في ذلك، أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم تسليمة واحدة، رواها بعض الإمام الطبراني في معجمه، وغيره، وفيها شيء من الضعف. أهل العلم الواردة بالتسليم الواحد فيها شيء من الضعف، بعض أهل العلم حسّنها بمجموع طرقها، كالشيخ الألباني رحمه الله، وغيره، وبعضهم يرى ضعفها. وعلى صحتها، فإنها تحمل على أنه يجوز فعل ذلك أحيانا، يعني أن يسلم المصلي تسليمة واحدة، لكن الأصح مما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام هو التسليمتان، أنه يسلم تسليمتين، تسليم عن يمينه، والأخرى عن يساره. وذكر الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم، أن أهل العلم أجمعوا على أن الذي يجب هو التسليمة الأولى، التي تجب هي التسليمة الأولى، وأما الثانية فمستحبة، يعني لو أن الإنسان اقتصر على تسليمة واحدة، فصلاته صحيحة. فلو فعل هذا أحيانا، على أنه مما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فلا بأس، والأفضل أن يسلم تسليمتين، لأن هذا هو الأصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يسلم تسليمتين، تسليم عن يمينه، والأخرى عن يساره. وهذه الكيفية المذكورة في حديث سعد، هي المستحبة في كيفية السلام، أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله، عن يمينه، ثم السلام عليكم ورحمة الله، عن يساره، حتى يرى بياض خده، يعني يرى من المأموم الذي خلفه يرى بياض خد النبي عليه الصلاة والسلام. هكذا يقول سعد: قال حتى أرى بياض خده، أي خد النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يكون بميل الرأس إلى جهة اليمين، ثم بميله إلى جهة اليسار. ولو سلم المصلي من غير أن يميل جهة اليمين أو اليسار، فصلاته صحيحة، يعني لو كان وجهه السلام تلقاء وجهه، لم يحرك يمينا ولا شمالا، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، خرج من الصلاة، وصلاته صحيحة. أو كذلك لو سلم التسليمتين عن اليمين: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، أو سلم التسليمتين عن اليسار: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، الصلاة صحيحة، لكن فعل هذا خلاف الأفضل، ترك الأفضل والأكمل، وهو أن يسلم عن يمينه وعن شماله. والتسليم في الصلاة ركن من أركان الصلاة، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، أنه كان يخرج من الصلاة بالتسليم، ولم يصح عنه في حديث واحد أنه خرج من الصلاة بغير سلام، مع قوله عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وكذلك أيضا في حديث عليه في السنن، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»، هذا قول جمهور أهل العلم، خلافا للحنفية، الحنفية قالوا: يخرج من الصلاة بأي عمل ينافي الصلاة، كأن يتكلم أو يقوم أو يحدث في آخر الصلاة. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كيفيات في السلام، ذكرها الشيخ الألباني رحمه الله في كتاب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، منها أن يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله. والكيفية الثانية، وهي المشهورة: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله. الثالثة: أن يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره: السلام عليكم. والثالثة هي الاقتصار بتسليمة واحدة عن جهة اليمين: السلام عليكم. طيب هذه الأخيرة، كما سمعتم، فيها شيء، يعني الواردة فيها شيء من الضعف، وكما سمعتم أن الشيخ الألباني رحمه الله حسّنها بمجموع طرقها، وإن كان الضعف فيها شديد، فيه انقطاع، والآخر فيه إسناد ضعيف. قال رحمه الله: وحدثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، أبو محمد الهلالي، عن عمرو بن دينار، قال: أخبرني بذلك أبو معبد، واسمه نافع، قال: ثم أنكره بعد، يعني أنكر ما حدث به عمرو، قال: ثم أنكره بعد، عن ابن عباس، قال: كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير. قال: وحدثنا ابن أبي عمر، وهو محمد بن يحيى، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد، مولى ابن عباس، أنه سمعه يخبر عن ابن عباس، قال: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير، قال عمرو: فذكرت ذلك لأبي معبد، يعني أنه حدثه بهذا الحديث، قال: فأنكره، وقال: لم أحدثك بهذا. قال عمرو: وقد أخبرنيه قبل ذلك، يعني أنه نسي هذا، يسميه أهل الحديث في رواية: من حدث ونسي، إذا حدث الشيخ التلميذ بحديث، ثم حدث عنه هذا التلميذ بهذا الحديث، فأنكره الشيخ، قال: أنا ما حدثت بهذا، متى حدثتك؟ فيقول: نعم، حدثتني، فيقول: لا أذكر. فقال أهل العلم: إذا لم يجزم بالإنكار، ويقطع به، وإنما قال: لا أذكر، متى حدثتك؟ وكذا، فحينئذ لا بأس، والراوي عنه تلميذه ثقة، فلا بأس أن يحدث عنه، لا بأس أن يحدث بهذا الحديث عنه، ويقول: بثل ما ذكر هنا، أنه حدثه، ثم نسي ما حدثه به. قال: قال وحدثنا محمد بن حاتم، وهو النميري، وهو صدوق، ربما وهما، والحديث في الشواهد، قال: أخبرنا محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز، قال: وحدثني إسحاق بن منصور، واللفظ له، قال: أخبرنا عبد الرزاق، وهو ابن همام، أبو بكر الحميري، المشهور بالصنعاني، الإمام صاحب المصنف، مصنف عبد الرزاق، عبد الرزاق بن همام الصنعاني، ولد في سنة 126 من الهجرة، ورحل إلى الحجاز والشام والعراق، ورحل إليه الأئمة، كالإمام أحمد، وابن معين، وابن المديني، وإسحاق بن راهويه، رحلوا إلى هذا الإمام لأخذ الحديث منه. وكان الإمام أحمد رحمه الله، وهؤلاء الأئمة، يجلون الإمام عبد الرزاق، وهو كذلك كان يجلهم. نعم، ودخل عليه التشيع بسبب جعفر بن سليمان، ضعيف، اغتر بحسنه وسمته، فدخل عليه التشيع، وهذا يدلنا على أن أهل البدع، أو من عنده شيء من البدع، ينبغي الحذر من أخذ العلم منهم، وخاصة إذا كان هذا العلم موجودا عند أهل السنة والجماعة، فلا ينبغي للمرء أن يعرض نفسه للوقوع في الخطر والزلل. قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أن أبا معبد، مولى ابن عباس، أخبره، أن ابن عباس أخبره، أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة، كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه قال: قال ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك، إذا سمعته. ومن باب الفائدة أيضا، أن عبد الرزاق رحمه الله كان يقول: لا تطيب نفسي أن نقدم عليا على أبي بكر وعمر، فرحمهم الله ورحم الله عثمان وعليا، نعم، ثم ذكر أنه يتقرب إلى الله جل وعلا بحبهم، وهذه رواية ثابتة عنه رحمه الله، وهذه يدل على أنه لم يكن غاليا في التشيع. فالحديث ثابت وصريح في أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكبر إذا فرغ من صلاته، فهذا يدل على مشروعية ذلك، وذكر الإمام النووي رحمه الله في الشرح، نقلا عن ابن بطال وغيره، أن أصحاب المذاهب، أي المذاهب الأربعة، وغيرهم، متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير، أنهم لم يستحبوا ذلك. وذكر عن الإمام الشافعي، أنه حمل هذا الحديث، أنه جهر وقتا يسيرا، حتى يعلمهم صفة الذكر، لأنهم جهلوا دائما، واختار الإمام الشافعي للإمام والمأموم، أن يذكر الله بعد الفراغ من الصلاة، ويخفيان ذلك. والشاهد من هذا، أن الذين ينتسبون الآن إلى الشافعية، ينتسبون إلى مذهب الإمام الشافعي، هم الآن يجهرون بالذكر بعد الصلاة، ويستمرون على ذلك، بل ليس فقط بصوتهم الطبيعي، بل بمكبرات الصوت، ثم يدعون أنهم على مذهب الإمام الشافعي، وهذا الإمام الشافعي يرى عدم رفع الصوت، وإخفاء الذكر. ولو سلم المصلي من غير أن يميل جهة اليمين أو اليسار، فصلاته صحيحة. والتسليم في الصلاة ركن، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، أنه كان يخرج من الصلاة بالتسليم. قال: وحدثنا محمد بن حاتم، قال: أخبرنا محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أن أبا معبد، مولى ابن عباس، أخبره، أن ابن عباس أخبره، أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة، كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.