كتاب المساجد ومواضع الصلاة 28

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 28

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 28، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

سجود النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءة السجدة وتواتر الأحاديث حوله

يروي مسلم في صحيحه أحاديث عن سجود النبي وأصحابه عند قراءة سور تحتوي على سجدة، ويذكر اختلاف الروايات حول ذلك. كما يذكر بعض الصحابة مثل ابن عمر وأبي هريرة سجودهم مع النبي.

حكم وكيفيّة سجود التلاوة ومشروعيته

سجود التلاوة مشروع عند قراءة آية فيها سجدة، واختلف أهل العلم في حكمه بين وجوب واستحباب، والجمهور على أنه مستحب. كما اختلف العلماء في اشتراط الطهارة واستقبال القبلة.

أحكام سجود التلاوة وتفاصيل أدائه ومتابعة النبي فيه

يشرح كيفية أداء التكبير أثناء السجود والرفع، ويبين مشروعية سجود المستمع مع القارئ، ويستدل بالأحاديث النبوية على ذلك. كما يوضح أن سجود التلاوة مستحب وليس بواجب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، من الحجاج، أبو الحسين، القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، وعبيد الله بن سعيد، ومحمد بن المثنى، كلهم عن يحيى القطان، وهو يحيى بن سعيد القطان، إمام أئمة الجرح والتعديل، قال زهير: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، فيسجد، ونسجد معه، حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته. قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ربما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فيمر بالسجدة، فيسجد بنا، حتى ازدحمنا عنده، حتى ما يجد أحدنا مكانا ليسجد فيه، في غير صلاة. قال: حدثنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت الأسود يحدث، عن عبد الله، يعني ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قرأ ﴿والنجم﴾ فسجد فيها، وسجد من كان معه، غير أن شيخا أخذ كفا من حصا، أو تراب، فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا. قال عبد الله: لقد رأيته بعد قتل كافرا. قال: حدثنا يحيى، عن يحيى، ويحيى، عن أيوب، وقتيبة، عن سعيد، ومن حجر، قال يحيى، عن يحيى: أخبرنا، وقال الآخرون: حدثنا إسماعيل، ومن جعفر، عن يزيد بن خصيفة، عن ابن قصيط، عن عطاء بن يسار، أنه أخبره، أنه سأل زيد بن ثابت، عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء. وزعم أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿والنجم إذا هوى﴾ فلم يسجد. قال: حدثنا يحيى، عن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قرأ لهم ﴿إذا السماء انشقت﴾ فسجد فيها، فلما انصرف، فأخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها. قال: وحدثني إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا عيسى، عن الأوزاعي، قال: وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد، عن أبي عدي، عن هشام، كلاهما عن يحيى، عن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمثله. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمر الناقد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة، قال: سجدنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ﴿إذا السماء انشقت﴾ وقرأ «باسم ربك». قال: وحدثنا محمد بن رمح، قال: أخبرنا الليث، عن سعد، أبو الحارث الفهمي، عن يزيد بن أبي حبيب، عن صفوان بن سليم، عن عبد الرحمن الأعرج، مولى بني مخزوم، وهو عبد الرحمن بن سعد، عن أبي هريرة، أنه قال: سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ﴿إذا السماء انشقت﴾ وقرأ «باسم ربك». قال: وحدثني حرملة بن يحيى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمر بن الحارث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثله. وعبد الرحمن الأعرج هو ابن هرمز. وبعض العلماء والمحدثين فرقوا بينهما، الأعرج: عبد الرحمن الراوي عن أبي هريرة هنا، والذي قبله الأعرج من بني مخزوم. وأن الأول هو عبد الرحمن بن سعد، مولى بني مخزوم، والثاني هذا: عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، هو المشهور. وممن فرق بينهما الحميدي، وهكذا الإمام الدارقطني، رحمهم الله. قال: وحدثنا عبيد الله بن معاذ، ومحمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن بكر، عن أبي رافع، قال: صليت مع أبي هريرة صلاة العتمة، فقرأ ﴿إذا السماء انشقت﴾ فسجد فيها. فقلت له: ما هذه السجدة؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه. وقال ابن عبد الأعلى: فلا أزال أسجدها. قال: وحدثني عمر الناقد، قال: حدثنا عيسى بن يونس، قال: وحدثنا أبو كامل، قال: وحدثنا يزيد بن هارون، قال: وحدثنا ابن زريع، قال: وحدثنا أحمد بن عبده، قال: وحدثنا سليم بن أخضر، كلهم عن التيمي، بهذا الإسناد، غير أنهم لم يقولوا: خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم. قال: وحدثني محمد بن المثنى، وابن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أبي رافع، قال: رأيت أبا هريرة يسجد في ﴿إذا السماء انشقت﴾ فقلت: تسجد فيها؟ قال: نعم، رأيت خليلي صلى الله عليه وسلم يسجد فيها، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه. قال شعبة: قلت: النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. هذه الأحاديث ساقها الإمام مسلم، رحمه الله، وهي متعلقة بسجود التلاوة. وسجود التلاوة هو السجود عند قراءة الآية التي فيها سجدة، فيشرع السجود عند قراءتها، وهذا باتفاق أهل العلم، أن سجود التلاوة مشروع. واختلفوا في حكمه: هل هو واجب أو مستحب؟ وجمهور أهل العلم على أن سجود التلاوة مستحب، وليس بواجب. وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام سجد في مواضع، وترك السجود في مواضع أخرى، فدل ذلك على أن سجود التلاوة مستحب، وليس بواجب. واختلف أهل العلم في عدد السجدات في القرآن. منهم من قال: بأنها أربع عشرة سجدة. ومنهم من قال: بأنها خمس عشرة سجدة. ومنهم من قال: بأنها إحدى عشرة سجدة. ولقول الإمام مالك، رحمه الله: لأنه لم يحسب سجدات المفصل. وأقرب الأقوال -والله أعلم- أنها خمس عشرة سجدة. وسبب هذا الخلاف هو الخلاف في سجدتي سورة الحج: هل في سورة الحج سجدتان أو سجدة واحدة؟ وهكذا أيضا في سجدة سورة ص: هل هي سجود تلاوة أو سجود شكر؟ فمن عدها سجود شكر، ولم يعدها سجود تلاوة، قال: عدد السجدات أربع عشرة، كما هو قول الإمام الشافعي، رحمه الله. ومن عدها بأنها سجود تلاوة، عدها خمس عشرة سجدة، كما هو قول الإمام أحمد، رحمه الله. ولعل هذا القول هو الأقرب للصواب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها وسجد فيها، أي سورة ص، فتكون عدد السجدات خمس عشرة سجدة. والذي صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه سجد فيها أربع سجدات، أربع مواضع سجد فيها النبي عليه الصلاة والسلام، وهي في سورة النجم، والانشقاق، والعلق، وص. هذه الأربع المواضع التي ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه سجد فيها. وأما غيرها من مواضع السجدات، فلم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه سجد فيها، لكن نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على مشروعية السجود في سائر سجدات التلاوة، أنه يشرع أن يسجد فيها. واختلف أهل العلم: هل يشترط لسجود التلاوة ما يشترط للصلاة، من الطهارة واستقبال القبلة؟ قال بهذا جماعة من أهل العلم، أنه لا بد من الطهارة واستقبال القبلة في سجود التلاوة. وذهب آخرون إلى أنه لا يشترط ذلك. وهو الصحيح، أنه لا يشترط في سجود التلاوة الطهارة واستقبال القبلة، لأن سجود التلاوة، وهذا إذا كان خارج الصلاة. أما إذا كان داخل الصلاة، فلا بد من الطهارة واستقبال القبلة. الكلام إذا كان سجود التلاوة خارج الصلاة، فلا يشترط له الطهارة أو استقبال القبلة، لأن سجود التلاوة ليس بصلاة، وإنما هو عبارة عن سجود فقط، هو عبارة عن سجود. ومثله سجود الشكر، سجود الشكر كذلك لا يشترط له الطهارة ولا استقبال القبلة. لكن إذا كان القارئ بسجود التلاوة عند عوام من الناس، هم لا يفقهون مثل هذه المسائل، فيسجد عكس القبلة، فيترتب على ذلك مفسدة، فلا يفعل هذا، يعني يتجه إلى جهة القبلة ويسجد، اتجاه القبلة، درءا للمفسدة. أما إذا كان عند طلبة علم، أو وحده، أو نحو ذلك، لا بأس أن يسجد بأي موضع، كما علمنا. وإذا كان في الصلاة، وأراد أن يسجد، يعني مر بآية السجدة، فسجد، هل يكبر عند السجود وعند الرفع، أو لا يكبر؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والأظهر أنه يكبر، يكبر إذا سجد، ويكبر إذا رفع، لعموم حديث أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكبر في كل خفض ورفع، كان يكبر في كل خفض ورفع، فإذا هو للسجود كبر، وإذا رفع من السجود كبر. والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم. ذكر الإمام مسلم، رحمه الله، هذه الأحاديث في هذا الموضع. حديث ابن عمر، أنه كانوا -يعني يسجدون- مع النبي عليه الصلاة والسلام، فيقرأ السورة فيها السجدة، فيسجد، ويسجدون معه. وهذا فيه مشروعية سجود المستمع مع القارئ، إذا سجد للتلاوة. القارئ الذي يقرأ القرآن، وأنت تستمع له، منصت له، فإذا سجد، لك أن تسجد معه. وإذا لم يسجد، فإنك لا تسجد. واضح. أما من مر في طريقه، وسمع هذا القارئ يقرأ آية السجدة، فسجد، هل يسجد معه؟ الجواب: لا، لأنه غير منصت معه، ولا مستمع له، فيسجد معه الذي يستمع لقراءته، وينصت لقراءته. وفي حديث عبد الله بن مسعود، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم، فسجد فيها، أي النبي صلى الله عليه وسلم، وسجد من كان معه، غير أن شيخا أخذ كفا من حصا، أو تراب، فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا، إلى آخره. هذا هو أمية بن خلف، الذي فعل هذا هو أمية بن خلف، وقد قتل كافرا في غزوة بدر، قتل كافرا في غزوة بدر. والنبي صلى الله عليه وسلم سجد في سورة النجم، وسجد كل من كان معه، حتى الكفار والمشركون سجدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أشيع أن أهل مكة أسلموا، أشيع أن أهل مكة أسلموا. وكان سبب ذلك -على القول الصحيح- أن أول سجدة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم. وفي حديث زيد بن ثابت، أنه سئل عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء. لا قراءة مع الإمام في شيء، استدل به من قال: بأنه لا يقرأ مع الإمام، لا يقرأ مع الإمام، لا في الصلاة الجهرية، ولا السرية، كما هو قول الحنفية، لأنه قال: لا قراءة مع الإمام في شيء، وهذا عام، يعني يشمل الصلاة الجهرية والسرية. والصحيح أن المأموم يقرأ خلف الإمام الفاتحة، سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية، هذا هو القول الراجح، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وكذلك لنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن القراءة خلفه، إلا بفاتحة الكتاب، إلا بفاتحة الكتاب. وقوله: «وزعم أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم والنجم إذا هوى فلم يسجد». الزعم بمعنى: أخبر وذكر، أخبر وذكر، نعم. قد يطلق الزعم، ويراد به الكذب أو الادعاء، كما قال الله عز وجل: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا﴾ قل بلى وربي لتبعثن. وقد يطلق الزعم، ويراد به الإخبار، الإخبار بالشيء مع الصدق، وهو المراد به هنا. زعم، أي أخبر أو ذكر، أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿والنجم إذا هوى﴾ فلم يسجد. زيد بن ثابت رضي الله عنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم، ومر بآية السجدة، فلم يسجد، لم يسجد زيد، ولم يسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فدل هذا على أن سجود التلاوة مستحب، وليس بواجب. ولو كان واجبا، لسجد عليه الصلاة والسلام. وفي حديث أبي هريرة، أنه قرأ لهم سورة الانشقاق، فسجد فيها، فلما انصرف، أخبرهم بأنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها. وأيضا في الحديث الآخر، أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في الانشقاق، وفي سورة العلق. وهذا كما ذكرنا من المواضع التي ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه سجد فيها. وكذلك أيضا فيه حرص الصحابة رضوان الله عليهم على متابعة النبي عليه الصلاة والسلام، فأبو هريرة لما قرأ ﴿إذا السماء انشقت﴾ وسجد فيها، وسئل عن ذلك، أخبر بأنه صلى بها خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فسجد فيها النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو هريرة: فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه، يعني كل ما قرأتها، سأسجد فيها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها، من باب المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.