كتاب الصيام 15

كتاب الصيام 15

الدرس في كتاب الصيام 15، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

حديث عائشة في جواز القبلة للصائم وضوابطها

يستعرض المقطع حديث عائشة رضي الله عنها عن قبلة النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم، مبيناً جوازها بشرط ملك الإربة وأمن الفتنة. ويوضح تفصيل العلماء في القول الراجح بضبط هذه الرخصة.

سير رواة الحديث الكوفيين وحكم المباشرة للصائم

يتناول المقطع حكم القبلة والمباشرة للصائم مع التحذير ممن لا يملك نفسه، ثم يستعرض أسانيد الحديث وسير علماء الكوفة. ويبرز فضل إبراهيم النخعي والأسود وعلقمة ومسروق وورعهم في طلب العلم.

أحاديث جواز القبلة والمباشرة في رمضان للأمة

يسوق المقطع أحاديث عائشة وحفصة وأم سلمة رضي الله عنهن دالة على فعل النبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً أنها ليست من خصائصه. ويقرر جواز ذلك للأمة بشرط عدم إثارة الشهوة المفسدة للصوم.

الأصل في الاقتداء بأفعال النبي واستثناء الخصوصيات

يقرر المقطع أن الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم العموم والاقتداء به للأمة. ويستثنى من ذلك ما قام الدليل على اختصاصه به دون سواه.

  • 10 جمادى الأولى 1444هـ - 03/12/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين. وهو ابن عيينة، أبو محمد الهلالي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل إحدى نسائه وهو صائم ثم تضحك. قال: حدثني علي بن حجر السعدي، وابن أبي عمر، ومحمد بن يحيى العدني الحافظ، قال: حدثنا سفيان، ومعين. قال: قلت لعبد الرحمن بن القاسم - عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، والقاسم بن محمد بن أخي أخت عائشة، أو ابن أخي عائشة رضي الله عنها، فعائشة رضي الله عنها عمته، عمة القاسم بن محمد، وهذا ابنه عبد الرحمن بن القاسم - وكان من الثقات، سئل عنه الإمام أحمد: أثقة هو؟ فقال: ثقة، ثقة، ثقة. وكان من سادات أهل المدينة، عبد الرحمن بن القاسم كان من سادات أهل المدينة علماً وفقهاً وديانة وفضلاً وحفظاً، رحمه الله. فكان من أفاضل أهل زمانه كما قال ابن عيينة رحمه الله. وهكذا أيضاً أبوه القاسم بن محمد بن أبي بكر، أيضاً كان من سادات أهل المدينة في زمانه. قال: قلت لعبد الرحمن بن القاسم: أسمعت أباك يحدث عن عائشة رضي الله عنها؟ ومر معنا في أثر ذكرناه في دروس ماضية عن ابن عيينة أنه قال: أثبت الناس في عائشة ثلاثة، أثبت الناس في عائشة ثلاثة، منهم القاسم بن محمد، ها، وعروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن. أحسنت. هؤلاء الثلاثة من أثبت الناس في عائشة رضي الله عنها: القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن. قال: أسمعت أباك يحدث عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم؟ فسكت ساعة ثم قال: نعم. هذا الحديث حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل إحدى نسائه وهو صائم، وهو صائم: هذه جملة اسمية في محل نصب على الحال، أي حال كونه صائماً، يعني أنه كان يفعل ذلك في حال صيامه في النهار. ثم تضحك: أي عائشة رضي الله عنها. وسبب ضحكها كما ذكر الإمام النووي رحمه الله - ذكر بعض المعاني في ضحكها - فقيل: أنها كانت تضحك عجباً ممن ينكر ذلك، ممن ينكر ذلك. وقيل: أنها كانت تضحك لأنها تذكر شيئاً مما يستحيا من ذكره عند الرجال، مما يستحيا من ذكره عند الرجال، لكنها اضطرت إلى ذكره لأجل بيان هذا الحكم ومعرفة هذا العلم. وقيل: أنها ضحكت لأنها تذكرت حسن معاملة النبي عليه الصلاة والسلام لها وملاطفته لها رضي الله عنها، فضحكت بسبب ذلك. أو أنها كذلك ضحكت لأن هي المقصودة، المقصودة بذلك، هي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها، فضحكت رضي الله عنها حياءً. وعلى كل فعائشة رضي الله عنها تخبر بهذا الحكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل نساءه وهو صائم، كان يقبل نساءه وهو صائم. وهذا يدل على أنه لا حرج في القبلة للصائم، أن يقبل الرجل امرأته وهو صائم. لكن هذا فيمن يملك نفسه، هذا فيمن يملك نفسه. لهذا اختلف أهل العلم في حكم القبلة للصائم والمباشرة للصائم: منهم من أجازها مطلقاً، ومنهم من منعها مطلقاً، ومنهم من فصل فأجازها للشيخ أي الكبير، ومنعها على الشاب. والصحيح في ذلك أنها جائزة في حق من يملك نفسه، في حق من يملك نفسه الذي يعلم من نفسه أنه إذا قبل ما يضره ذلك ولا تثور شهوته فيقع في شيء يفسد صيامه، هذا يجوز له أن يقبل. ولهذا في السنن: سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن القبلة للصائم، قال: «أرأيت لو تمضمضت؟» يعني: كيف ترى المضمضة للصائم؟ هل تضر بصيامه مع أن المضمضة هي مقدمة الشرب؟ الجواب: منها ما تضر. فكذلك أيضاً القبلة هي كذلك لا تضر. وهذا كما سمعتم في حق من يملك نفسه. أما الذي لا يملك نفسه، يعرف من نفسه أنه لو قبل ما يتحمل، تثور شهوته، وربما يقع فيما يفسد صيامه من إنزال المني أو الوقوع في شيء أعظم من ذلك، فهذا يمتنع، هذا يمتنع من القبلة حتى لا يضر بصيامه. نعم، فهذا الحديث وما سيأتي من الأحاديث يدل على هذا الحكم أنه لا بأس بالقبلة للصائم إذا كان هذا الصائم يملك نفسه. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن مسهر، أبو الحسن الكوفي، عن عبيد الله بن عمر - عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي - كان أيضاً من سادات أهل المدينة. قال: عن القاسم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلني وهو صائم، وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه؟ بكسر الهمزة وإسكان الراء، معنى الحاجة والوطر. يملك إربه أي وطره وحاجته، بمعنى أنه يملك شهوته، يملك شهوته فلا تثيره القبلة حتى لا يتمالك شهوته فينزل ويفسد صومه. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وكان يملك إربه. وقرئ إربه في رواية بفتح الهمزة والراء: أربه، والأرب هو معنى الحاجة، ويطلق أيضاً على العضو، يطلق على العضو. فالمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم وكان يملك إربه وحاجته، فمن كان كذلك جاز له أن يقبل، ومن لم يكن كذلك فإنه ينبغي أن يمتنع حتى لا يفسد صومه. قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا أبو معاوية، وهو أبو معاوية الضرير محمد بن خازم، قال: عن الأعمش، وسليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي، عن إبراهيم - وهو ابن يزيد بن قيس بن الأسود، أبو عمران - كان غاية في الورع والخير كما قال الإمام الذهبي رحمه الله: كان عجباً في الورع والخير، متقياً للشهرة، رأساً في العلم، متقياً للشهرة، يعني بعيداً عن طلب الشهرة. وهذا قل أن يسلم منه صاحب العلم إلا من وفقه الله، يعني أن يبتلى بحب الشهرة والظهور. فالذي يبتعد عن ذلك هذا من توفيق الله سبحانه وتعالى لهذا العبد، لهذا العالم، أن يبتعد عن الشهرة. وكلما قوي صدق العبد وإخلاصه كان أبعد من محبة الشهرة والظهور. ولكن لما العلم يرفع صاحبه حتى يشتهر من غير قصد ذلك، فإذا حصل ذلك هذا لا يلام عليه، هذا لا يلام عليه صاحب العلم إذا ابتعد عن الشهرة وكره الشهرة وحب الظهور، لكن ارتفع بما أتاه الله من علم من غير قصد وطلب وسعي في ذلك، فهذا لا حرج عليه في ذلك. أما أن يسعى إلى حب الشهرة والظهور فهذا كما يقال: قاصمة الظهور. قال: عن إبراهيم، وكان رحمه الله مفتي أهل الكوفة في زمانه، كان مفتي أهل الكوفة في زمانه، هو الشعبي عامر بن شراحيل. قال: عن الأسود، وهو ابن قيس بن يزيد، الأسود بن يزيد بن قيس، وهو أخو عبد الرحمن بن يزيد، أخو عبد الرحمن بن يزيد، وهو ابن أخي علقمة، علقمة بن قيس، فعلقمة عم الأسود. عبد الرحمن والأسود هما أكبر منه، عبد الرحمن والأسود هما أكبر من علقمة. والأسود بن يزيد كان عابداً، كان صوماً قواماً، رحمه الله. ذكر عنه أنه حج أربعين مرة، وكان كثير الصيام حتى ذهبت إحدى عينيه من كثرة الصيام. ذكر عنه أنه كان يصوم الدهر، كان يصوم الدهر. وهذا يعني أمراً منهعاً، قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم الدهر، «لا صام من صام الأبد» كما قال عليه الصلاة والسلام. والله أعلم لأنه فعل ذلك أنه كان يرى جواز ذلك وأنه مكروه وليس بمحرم، فكان غاية رحمه الله في العبادة. قال: وعلقمة، علقمة هو ابن قيس النخعي، أبو شبل، هو عم الأسود وعبد الرحمن، كان ثقة فقيهاً عابداً، وكان رحمه الله إماماً في الحديث وفي القرآن، كان مقرئاً وكان حسن الصوت، كان مقرئاً وكان حسن الصوت بالقرآن، وكان من أشبه أصحاب عبد الله بن مسعود، كان علقمة من أشبه أصحاب عبد الله بن مسعود بهديه ودله. وكان ابن مسعود من أشبه الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكان أعرج، وكان أعرج علقمة بن قيس، كان أعرج. قال ابن سيرين رحمه الله: قال: خمسة من أصحاب عبد الله بن مسعود كلهم فيه عيب، خمسة من أصحاب عبد الله بن مسعود كلهم فيه عيب. فذكر عبيد السلماني، قال: وكان أعور، وصحاب عبد الله بن مسعود، وعلقمة بن قيس، وكان أعرج، والحارث أيضاً كان أعور، وكذلك أيضاً شريح، وكان كوسجاً. والكوسج قال أهل اللغة: الذي لا لحية له، الذي لا لحية له. منهم من قال: خفيف الشعر، يعني في عارضيه. وأكثرهم قالوا: الكوسج الذي لا لحية له أصلاً. يعدون هذا عيباً يعني كبيراً، وليس له لحية، والناس اليوم يحلقون لحاهم ويعيبون أنفسهم مما سلمهم الله، الله المستعان. طيب. قال: وكذلك أيضاً من أصحاب عبد الله بن مسعود، عبد، مسروق، مسروق بن الأجدع، وكان أحدب، كان أحدب. والأحدب الذي في ظهره ارتفاع، الذي في ظهره ارتفاع. وعلى كل فهؤلاء مع ما فيهم من هذه العيوب ما ضرهم ذلك شيئاً، بل رفعهم الله سبحانه وتعالى بما آتاهم من علم، والعلم يرفع صاحبه وإن كان فيه ما فيه من نقص، سواء كان في نسبه أو كان في خلقته، فإنه يزول، يعني ما فيه من نقص، بما أتاه الله سبحانه وتعالى من علم، فالعلم يغطي هذه العيوب ويذهبها. قال: عن عائشة رضي الله عنها. وحديثنا شجاع بن مخلد، قال: حدثنا يحيى بن أبي زائدة، قال: حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه أملككم لإربه. نعم، هذا الحديث يدل لأنه يجوز للصائم كما سمعتم أن يقبل وأن يباشر، والمباشرة هي مباشرة الجسد للجسد أو اليد للجسد، فهذا يجوز للصائم إذا كان يملك نفسه، إذا كان يملك نفسه. وأما إذا كان لا يملك نفسه فعليه أن يبتعد ولا يجوز له أن يباشر إذا كان سيباشر ويفسد صومه، فهذا لا يجوز له أن يباشر. قال: وحدثني علي بن حجر، وزهير بن حرب، قالا: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم. قالا: حدثنا محمد بن جعفر، قالا: حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يباشر وهو صائم. قالا: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: سمعت نعيم بن أبي هند، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: انطلقت أنا ومسروق إلى عائشة رضي الله عنها فقلنا لها: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر وهو صائم؟ قالت: نعم، ولكنه كان أملككم لإربه، أو: من أملككم لإربه، شك أبو عاصم. وحدثني هدبة بن خالد الدورقي، قال: حدثنا إسماعيل، عن ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود ومسروق، أنهما دخلا على أم المؤمنين يسألانها، فذكر نحوه. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا الحسن بن موسى، قال: حدثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم. قال: وحدثنا يحيى بن بشر الحريري، قال: حدثنا معاوية، يعني ابن السلام، عن يحيى بن أبي كثير، بهذا الإسناد مثله. قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد، وأبو بكر بن أبي شيبة، قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا أبو الأحوص، عن زياد بن علاقة، عن عمر بن ميمون، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل في شهر الصوم، يعني في رمضان، وهو صائم. قال: وحدثني محمد بن حاطب، قال: حدثنا بهز بن أسد، قال: حدثنا أبو بكر، عن نهشل، قال: حدثنا زياد بن علاقة، عن عمر بن ميمون، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل في رمضان وهو صائم. قال: وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن علي بن الحسين، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم. قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن شتير، عن شتير بن شكل، قال: عن حفصة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم. قالوا: حدثنا أبو الربيع الزهراني، قال: حدثنا أبو عوانة. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، عن جرير، كلاهما عن منصور، عن مسلم، عن شتير بن شكل، عن حفصة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. قال: وحدثني هارون بن سعيد الأيلي، قال: حدثنا أبو وهب، قال: أخبرني عمر، وهو أبو حارث، عن عبد ربه بن سعيد، عن عبد الله بن كعب الحميري، قال: عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيقبل الصائم؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سل هذه»، لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك. قال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له». وهذا الحديث حديث أم سلمة، أن عمر بن أبي سلمة سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن القبلة للصائم، أي: يقبل الصائم؟ قال: «سل هذه»، أي: أم سلمة، فأخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك، أي: أنه يقبل وهو صائم. فظن أن هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، أي: من يكون مثلك وأنت قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، يعني كأنه يقول: أنت إن فعلت ذلك فلا حرج عليك لأنه قد غفر لك سائر ذنوبك، ولسنا كذلك. كأنه يقول: هذا يعني أمر خاص بك. فالنبي عليه الصلاة والسلام بين له أن هذا الأمر ليس كذلك، بل أنه من أخشى الناس لله وأتقاهم له، وأن هذا الحكم ليس من خصائصه عليه الصلاة والسلام. وجاء في بعض الروايات في خارج صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب، غضب حين قال هذا القول، وقال: «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له»، بمعنى: ما كنت لأفعل شيئاً فيه معصية الله جل وعلا أو مخالفة لأمر الله جل وعلا. وهذا فيه تأكيد، تأكيد جواز القبلة للصائم حال صيامه، ولو كان ذلك في رمضان، ولو كان ذلك في رمضان، وأن هذا لا يضر بصيامه إذا كان ذلك كما سمعتم لا يتسبب في ثوران شهوته والوقوع فيما يفسد صومه، فلا بأس أن يصوم، أن يقبل وهو صائم، وأن هذا ليس من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الحديث دليل كذلك على أن الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التأسي، الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التأسي، ولا يحمل على الخصوصية إلا إذا دل دليل على ذلك. الله عز وجل يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فهذا هو الأصل أن نتأسى بأفعاله عليه الصلاة والسلام، إلا إذا دل الدليل على الخصوصية، فحينئذ يكون من خصائصه ولا نتأسى به في ذلك. وإن لم يدل دليل على الخصوصية فالأصل هو عموم التشريع. طيب، إلى هنا. وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.