كتاب الصيام 34

كتاب الصيام 34

الدرس في كتاب الصيام 34، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

حكم الأكل والشرب ناسياً في الصيام

يذكر المقطع حديث أبي هريرة الذي يفيد بأن من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه لأن الله أطعمه وسقاه. جمهور العلماء يرون صحة الصوم بلا قضاء، بينما ذهب داود ومالك إلى وجوب القضاء.

تفصيل حكم النسيان في الصيام: الأكل والشرب والجماع

الصحيح أن صيام من نسي فأكل أو شرب أو جامع لا يفسد، ويتم صومه بلا قضاء ولا كفارة مستندين إلى آية الدعاء وحديث النسيان. إذا رأى شخص صائماً يأكل ناسياً وجب عليه إنكاره وتذكيره ليكف عن الأكل والشرب.

قاعدة فعل المحظور ناسياً وتأثيرها على الصوم

إذا أكل الصائم كثيراً ناسياً ثم تذكر وأكل الباقي عامداً بطل صومه لأن الأكل الثاني كان عن ذكر. قاعدة الفقه تقول: من فعل محظوراً ناسياً سقط عنه الإثم والحكم، فتصح العبادات كصلاة بثوب نجس ناسياً أو كلام في الصلاة ناسياً، وتعم هذه القاعدة أبواب الفقه.

خاتمة الجلسة العلمية والصلاة على النبي

يختتم المتحدث الجلسة معلناً الاكتفاء بما تم طرحه من أحكام النسيان في الصيام. ثم يختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين.

  • 10 جمادى الأولى 1444هـ - 03/12/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثني عمر بن محمد الناقد، وهو أبو عثمان الناقد البصري الحافظ، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، وهو المشهور بابن علية، إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، المشهور بابن علية. ماذا قال له ابن المبارك لما ولي القضاء، وكان ابن المبارك ينفق عليه على غيره من المحدثين، فعاتبه ابن المبارك بأبيات، ما هي؟ ما هي الأبيات التي عاتب فيها ابن المبارك ابن علية؟ من يحفظها؟ يا جاعل العلم له بازية يصطاد أموال المساكين احتلت للدنيا ولذاتها بحيلة تذهب بالدين فصرت مجنونا بها بعدما كنت دواء للمجانين أين رواياتك فيما مضى عن ابن عون وابن سيرين أين رواياتك فيما مضى في ترك أبواب السلاطين لا تقل أكرهت فذا باطل زل حمار العلم في الطين قيل: فلما بلغته هذه الأبيات ترك القضاء، ثم عاد ابن المبارك ينفق عليه. قال: عن هشام القردوسي، وهو بصري أيضا ثقة، وهو من أثبت الناس عن ابن سيرين، عن محمد بن سيرين، وهو أبو بكر مولى أنس بن مالك، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». مر معنا في أحاديث مضت أن الأكل والشرب من مفطرات الصائم، وهذا باتفاق أهل العلم أن الأكل والشرب مما يفطر به الصائم إذا أكل أو شرب في نهار الصيام. لكن هذا إذا كان عامدا ذاكرا، عامدا للأكل والشرب، ذاكرا لصومه. أما إذا حصل منه على سبيل النسيان، نسي أنه صائم، فجاء وشرب أو أكل، فإن صومه صحيح. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول في هذا الحديث: «من نسي وهو صائم» - وهو صائم هذه الجملة منصوب على الحال، أي حال كونه صائما - «فأكل أو شرب فليتم صومه»، يعني: إذا نسي أنه صائم فأكل أو شرب فليكمل صومه، «فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه»، يعني: هذا الطعام الذي أكله والشراب الذي شربه هو طعمه والسقية من الله، طعم وسقية من الله حتى يتقوى بها على صيامه، وصومه صحيح. وهذا قول جمهور أهل العلم: أن من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فإن صومه صحيح، ولا يلزمه القضاء، لا يلزمه القضاء. وذهب بعض أهل العلم كداود ومالك إلى أنه يفسد صومه وعليه القضاء، على أنه يفسد صومه وعليه القضاء. والصحيح أن صومه صحيح ولا قضاء عليه، وهذا الحديث حجة، حجة من قال بهذا القول، بل هو نص يعتبر في المسألة: أن من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فصومه صحيح. وهل يلحق بالأكل والشرب الجماع؟ إذا نسي وهو صائم وهو صائم فجاء مع أهله، هل يلحق هذا بالأكل والشرب فيكون صومه صحيحا ويُعذر بالنسيان، أم أنه يفسد صومه؟ فمن أهل العلم من قال: يفسد صومه، يفسد صومه وعليه القضاء، وعليه القضاء دون الكفارة. ومنهم من قال: عليه القضاء والكفارة، يعني في الجماع. وقوّى قول الإمام أحمد رحمه الله: قال عليه القضاء والكفارة. وجمهور أهل العلم أن صومه صحيح، وهو الصحيح: إذا جامع أهله ناسيا صومه فإن صومه صحيح. لماذا؟ لعموم قول الله جل وعلا: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾، وهكذا أيضا قياسا على ما في هذا الحديث، فالنبي صلى الله عليه وسلم نص على الأكل والشرب أنه إذا حصل من الصائم على جهة النسيان أن صومه صحيح، وكذلك الجماع. فكما أن الأكل والشرب إذا حصل من الصائم عمدا يفسد صومه، وهكذا الجماع، وإذا حصل منه نسيانا فصومه صحيح، فكذلك أيضا الجماع، ولا فرق. بعض أهل العلم قال: ما يتصور أن يأتي أهله وهو ناسي الصيام، والصيام نادر، ذلك يقع، يقع ويتصور. كإنسان مثلا من عادته أنه ينام بعد الفجر ويأتي أهله في ذلك الوقت، فأتى أهله على العادة ونسي أنه صائم، فحينئذ لا يفسد صومه على الصحيح، بل صومه صحيح. قال: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه». وبهذا يعلم أن مفطرات الصيام التي يفطر بها الصائم لا يحصل بها الفطر إلا إذا حصلت من الصائم على جهة العمد والذكر، على جهة العمد والذكر، أن يكون عامدا ذاكرا عالما، أي بالتحريم أو بكون هذا الشيء مفطرا. فإذا حصل منه هذا المفطر وارتكبه جهلا أو نسيانا، أو كذلك أيضا عن غير قصد أو خطأ، فإن صومه صحيح. طيب، إذا أكل الإنسان أو شرب ناسيا ورآه غيره، هل ينكر عليه ويذكره بأنه صائم، أو يجعله يكمل أكله وشربه ويقول: هذه طعمة وسقي من الله، نتركه حتى يشبع وبعد ذلك يتذكر أو نذكره أنه صائم؟ ها. الجواب: أننا ننكر عليه، ننكر عليه، لأن أكله وشربه في نهار الصيام، خاصة في رمضان، صوم الواجب يعتبر منكرا، يعتبر منكرا، فإننا ننكر عليه، نقول له: يا هذا، أنت صائم، أنت في نهار رمضان، فتذكره بأنه صائم حتى يكف عن الأكل والشرب. لكن إذا لم يره أحد وهو ناسي، فلا شيء عليه، فلا شيء عليه. طيب، إذا أكل شيئا كثيرا ناسيا ثم تذكر أنه صائم، ولم يبق من هذا الطعام إلا شيئا يسيرا فأكله، فما حكم صومه؟ يعني مثلا: أتى إلى العنب، رأى عنبا في الثلاجة، فجعل يأكل، لم يبق من هذا العنب إلا حبة أو حبتان، طيب، تذكر أنه صائم، قال: أنا قد أكلت ما شاء الله، ما بقي إلا هاتان اثنتان، ما تضر إن شاء الله، بسم الله، وأكل. ها، ما حكم صومه؟ ها، يبطل صومه، نعم، لأنه أكله وهو ذاكر، ذاكر أنه صائم. وهذا الكثير الذي أكله أكله وهو ناسي، فهو معذور، فهو معذور. فإذا تذكر أنه صائم فلا يجوز له أن يأكل شيئا، بل ما كان في فمه يخرجه ويلفظه، لأنه إنما جاز له أكله حال كونه ناسيا، معذور بالنسيان، أما مع الذكر فلا يجوز. واستدل أهل العلم بهذا الحديث على قاعدة شرعية، وهو أنه: من فعل المحظور ناسيا، من فعل المحظور ناسيا، فإنه يسقط الإثم ويسقط الحكم. من فعل المحظور، أي شيء الممنوع المحرم، على جهة النسيان، فإنه يسقط الإثم، فلا يأثم هذا الذي أكل أو شرب وهو صائم، أليس أكله وشربه في نهار رمضان يعتبر إثما، أمرا محرما؟ الجواب: نعم، لكن لما حصل منه على جهة النسيان لم يأثم، إذن سقط عنه الإثم. وكذلك يسقط الحكم: ما حكم من أكل أو شرب في نهار الصيام؟ أن صومه باطل، لكن لما حصل منه الأكل والشرب على جهة النسيان كان صومه صحيحا. إذن فعل المحظور جهلا أو نسيانا يسقط الإثم ويسقط الحكم، يسقط الإثم ويسقط الحكم. طيب، هذا في الصيام، مثله في الصلاة، مثل ماذا؟ ها، في الصلاة، ها، نعم. من وجد في ثوبه نجاسة، صلى بثوب نجس، هذا الآن فعل المحظور، الواجب تطهير الثوب، لم يتذكر هذه النجاسة إلا بعد الصلاة، فما حكم صلاته؟ نقول: هو الآن فعل هذا المحظور ناسيا، إذن سقط عنه الإثم وسقط عنه الحكم، فلا يأثم بصلاته في هذا الثوب الذي فيه النجاسة، وكذلك يسقط عنه الحكم، أي حكم بطلان الصلاة، فصلاته صحيحة، لأنه حصل منه هذا المحظور على جهة، على جهة النسيان. وهكذا لو تكلم في الصلاة ناسيا أنه في الصلاة، فصلاته صحيحة، ويسقط عنه الإثم، وكذلك يسقط عنه الحكم. وقس على ذلك في كثير من المسائل في أبواب الفقه والعبادات والمعاملات غيرها، فهذه قاعدة نافعة، استدل بها أهل العلم على إثباتها بمثل هذا الحديث. طيب، نكتفي بهذا القدر، إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.