شرح كتاب التوحيد 68

شرح كتاب التوحيد 68

الدرس في شرح كتاب التوحيد 68، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

نذر الإبل ببوانة والاستفسار عن الشروط

شرح حديث ثابت بن الضحاك عن نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانة، وأهمية سؤال النبي عن الشروط المصاحبة للنذر. النبي سأل عن وجود وثن أو عيد في المكان.

معاني الوثن والعيد في الجاهلية

شرح معنى الوثن والعيد في الجاهلية، والفرق بين الوثن والصنم، وكيف أن العيد يعود على الناس على وجه معتاد.

حكم الوفاء بالنذر في مكان معين

وجوب الوفاء بالنذر إذا كان خالياً من المعصية، وعدم صحة الوفاء بنذر المعصية أو ما لا يملكه الإنسان.

خاتمة الدرس والدعاء

دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مع الإقرار بأن الله تعالى أعلم.

  • 14 جمادى الأولى 1444هـ - 07/12/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن ثابت بن الضحاك رضي الله تعالى عنه قال: قال نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوفي بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم، رواه أبو داود. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في ذلكم الباب الذي عنون له رحمه الله تعالى، وترجم بقوله: «باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله»، وأشرنا إلى فقه هذا الباب، وأن المؤلف رحمه الله تعالى أشار إلى مسألة مهمة تتعلق بمسألة الذبح لغير الله، وهو أنه يدخل في هذا الباب أي من المنع ما كان من وسيلة، فمن وسائل الذبح لغير الله أن تذبح في مكان ذبح فيه لغير الله. وإن مما استدل به المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث الذي بين أيدينا، وفيه قال ثابت بن الضحاك رضي الله تعالى عنه: نذر رجل النذر، سيأتي معنى مسائله، وقد أعد المؤلف رحمه الله تعالى بابًا خاصًا يتعلق به بذكر مسائله وأحكامه، فنرجو الكلام عليه في حينه. قال: نذر رجل أن ينحر إبلاً، النحر قد مر ذلك معنا في دروس خلت، وأنه طريقة من طرق إزهاق أرواح البهائم، فالنحر يكون بالطعن في اللبة بالسكين، وأما الذبح فهو الإمرار بالسكين، فالذبح إمرار والنحر طعن، ويكون هذا في الحيوانات الكبيرة كالإبل، وأما الذبح فهو إمرار السكين، فيكون للبهائم الصغيرة كالأغنام، وأما الأبقار فيمكن أن تنحر ويمكن أن تذبح. قال رحمه الله تعالى: نذر رجل نذرًا، بمعنى التزام، أي أن هذا الإنسان ألزم نفسه بأن يذبح، طبعًا ذبحه لله جل في علاه، نذر أن ينحر إبلاً ببوانة، بالضم بوانة أو بالفتح بوانة، وهذا وهذا، وهي عبارة عن منطقة، وقيل: بلدة، تقع بين الطائف ومكة من جهة الساحل، منطقة بين مكة وبين الطائف من جهة الساحل، فهي مكان. قال: أن ينحر إبلاً ببوانة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، أي أراد أن يستفسر عن نذره، وهكذا إخواني في الله، فمن أراد أن يقدم على أمر فليسأل، يسأل أهل العلم، يسأل أهل الذكر، حتى يكون على بينة من أمره، ولا يتخبط في دين الله، فينشأ أعمالاً وأفعالاً تكون في مآلها مردودة على وجهه، مردودة على وجهه، لا يقبلها الله ولا يقبل منه صرفًا ولا عدلاً. فسأل هذا الرجل عن نذره بهذا الوصف أن خصص، فقال عليه الصلاة والسلام: هل كان هنا؟ بدأ النبي في الاستفسار، لماذا استفسر؟ معنى النذر عبادة وقربة، وسنأتي معنى ما يتعلق بحكمها، لكن لما كان هذا النذر مشوبًا بهذا القيد، أراد نبينا صلى الله عليه وسلم أن يستفصل وأن يستفسر من ماهية هذا الشر الذي اشترطه هذا الرجل، لما كان هذا خصص هذا المكان. وهذا يا إخواني في الله ينبئك على أن الإنسان إن سأله سائل بأن ذكر له عبادة، لكن شابها بتخصيص مكان أو بتخصيص زمان أو بتخصيص هيئة، حينها تريث، تريث يا عبد الله في أمره، وذلك بالاستفسار والاستفصال عن حقيقة قيده وشرطه، لما هذا القيد؟ لما هذا الشرط؟ هل لهذا عقيدة؟ هل لهذا اعتقاد ما تكنه لهذا القيد الذي وضعته في هذه العبادة؟ وهذا كان من فعله عليه الصلاة والسلام أن تأنى مع هذا الرجل، مع أنه النذر والنذر عبادة يوفون بالنذر، لكن لما كان هذا النذر مشوبًا بهذا القيد، تمهل معه نبينا، فسأله، قال عليه الصلاة والسلام: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟ الوثن هو كل ما يُعبد من دون الله، كل ما يُعبد من دون الله يُقال عنه وثن، ويدخل في ذلك الصنم. فالأصنام والأوثان تُعبد من غير الله، لكن الفرق بينهما أن الوثن هو ما يُعبد من دون الله وليست له صورة أو هيئة، وهذا وثن، والصنم هو ما عُبد من دون الله لكن له صورة وهيئة، فتجد أحيانًا أن الكفار مع تنوع مشاربهم في اتخاذ الآلهة التي يعبدونها من دون الله، منه من يتخذ آلهة لها شكل صورة إنسان، صورة حيوان، صورة قرد، صورة تمثال نصب يُعبد من دون الله، هذه تُسمى أصنامًا؛ لأنه عُبدت وشُكلت. لكن أحيانًا من يعبد آلهة لكنها ليس لها شكل، مثل من يعبد الشجر، من يعبد الحجر، هذه أشياء عُبدت، لكن هل للشجر والحجر هيئة؟ ليست له هيئة، إنما أصحابه يعتقدون فيها، يقال عنها وثن، ولهذا قال نبينا عن نفسه: «اللهم لا تجعل قبر وثنًا يعبد»، قال: وثنًا؛ لأن القبر ليس له هيئة، القبر ليس له هيئة، فسماه نبينا وثنًا، فدعا ربه: «اللهم لا تجعل قبر وثنًا يعبد». فإذا الوثن هو ما عُبد من دون الله، لكن ليس له صورة أو هيئة، قال نبينا: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية؟ الجاهلية هي حال العرب قبل الإسلام، ما كان عليه العرب قبل الإسلام تسمى الحياة الجاهلية، وسميت بحياة الجاهلية لعموم الجهل فيها، سواء ما كان من جهل علم أو من جهل عمل. وإن هذه الجاهلية المطبقة رُفعت ببعثته عليه الصلاة والسلام، فلا جاهلية بعد مجيئه عليه الصلاة والسلام، لكن تبقى صفات من صفات الجاهلية في أمته تبقى، نعم صفات، لكن جاهلية مطبقة فقد رفعها الله عن الأمة وأزاحها عن هذه الملة ببعثته عليه الصلاة والسلام. سأله نبينا: هل هذا المكان بوانة؟ هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟ كان فيها صنم؟ كان فيها آلهة؟ قالوا: لا، فكأن النبي استفسر منه ومن غيره، فكان الجواب بصيغة الجمع، قالوا: لا، ما كان هذا؟ ما عهدنا أن هذا المحل كان فيه وثن يُعبد. ثم قال عليه الصلاة والسلام: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ والعيد كما فسره الأئمة هو اسم لما يعود على الناس، لما يعود على الناس كما فسر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، إذ جعل أن العيد هو اسم عام لما يعود على الناس على وجه معتاد، لما يعود على الناس على وجه معتاد، هذا العيد. والأعياد في دنيا الناس كثيرة وكثيرة جدًا، بل ما من أمة ولا من ملة، بل ولا هناك شعب ولا دولة إلا ولها عيد، سواء كانت عيدًا شرعيًا أو عيدًا كما يقال وطنية، وقس على ذلك، أعياد بحر لا ساحل له، فأعياد الناس وهكذا الأعياد الشرعية تتسم بهذه القيود، فهي أمر يعتاد، ما ينقضي وإنما يتكرر، وهذا الأمر يكون على هيئة الجماعية، الكل ليس يخص إنسان على حدة، بل هو هيئة جماعية، الكل يحتفل بهذا العيد. الأمر الثالث من كونه معتاد، من كونه جماعي، الأمر الثالث أن هذه الأيام أيام الأعياد تختص وتمتاز عن غيرها من الأيام بطقوس وعبادات وتقاليد، هذا هو الإسم العام للعيد، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل بوانًا: هل هو مكان فيه عيد من أعياد الجاهلية يحتفلون فيه بتقريب، بتقديم، بفرح، ببهجة، بسرور؟ فقالوا: لا، أيضًا هذا ما عرف عن بوانة أنها مكان مهرجان مثلاً الجاهليين ما يعرف هذا. فحينها قال عليه الصلاة والسلام: أوفي بنذرك، أمرهم بالإيفاء بالنذر، فدل ذلك على أنه من التزم نذرًا وجب عليه أن يوفيه، والأمر ليس بالخيار يا عبد الله، كما نسمع من بعض الناس ممن يتجشم عناء النذر، فإذا دخل فيه ثم بعد ذلك يبحث عن المعاذير، فما الذي أقحمك؟ وما الذي أدخلك؟ ولماذا ألزمت نفسك وأنت في عافية؟ أنت في عافية عن النذر، ولهذا سيأتي معنى حكم الشرع أن الإنسان يبتعد عن النذر، وسأتي أحكامه في بابه. لكن من دخل في هذا الباب وجب أن يوفيه، فقال عليه الصلاة والسلام: أوفي بنذرك، وفيه بيان على أنه من نذر نذرًا على أن يؤديه في مكان ما، وهذا المكان خالي من الموانع، ليس فيه وثن من أوثان الجاهلية، أي في هذا المكان، ولو أزيل، انتبه، ولو أزيل يعني بقعة موجودة مثلاً، وهذه البقعة كان مما يعرف على أن الناس من الأجيال الساحقة كانوا يعبدون وثنًا في هذا المكان. وأنت الآن في القرن العشرين، وأردت أن تذبح في هذا المكان، وقال لك: لا يجوز، لماذا؟ لهذا الحديث؛ لأن النبي تكلم مع صحابي في وقته، يقول: هل كان فيها؟ لو قال لهذا الصحابي: نعم، كان فيها وثن، لا يجوز أن تذبح، ولو أزيل الوثن مع ظهور الإسلام، لكن هذه البقعة لا زالت في الذاكرة. فأراد نبينا صلى الله عليه وسلم أن يقطع الطريق لكل ما يوصل الناس بماضيهم، لا تحيي هذه البقعة، لا تحيي هذه البقاع بشيء مما كان عليه درن الجاهلية، فدل ذلك على أن الإنسان إذا نذر نذرًا مقيدًا بمكان، وهذا المكان خالي من الموانع، فحينها لا بأس أن يوفي بنذره؛ لأن النبي أقر هذا الرجل على أن اختار هذا المكان نذرًا أن ينحر إبلاً ببوانة، فأقره نبينا بعدما استفسر وعلم أن لا وثن وأن لا عيد. ثم قال عليه الصلاة والسلام: أوفي بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، وهذا أمر مجمع عليه، من أراد ومن نذر نذرًا في معصية الله لا يجز ولا يمكن، وما كان النذر أصالة إلا لأنك تتقرب إلى الله وتزداد منه قربًا؛ لأنك يا عبد الله تبتعد عن ربك بفعل معصية، ولهذا أجمع العلماء على أنه لا وفاء لمعصية الله. قال عليه الصلاة والسلام: ولا فيما لا يملك ابن آدم، وما لا تملكه هذا يا عبد الله لا يدخل ماذا في وفائك بالنذر؟ وما قال العلماء في قوله عليه الصلاة والسلام: «ولا فيما لا يملك ابن آدم»، يدخل التمليك فيما لا يملكه شرعًا، ولا يملكه قدرًا، فإذا كان أمر شرعًا أنت لا تملكه، فكيف توفي؟ كأن تقول لله عليه: إن شفى الله مريضي لأعتق عبد فلان، هو عبد فلان، ليس عبدك، فكيف تتدخل في شؤون غيرك؟ هذا ملغي؛ لأن هذا ليس من شؤونك. أو ما لا تملكه قدرًا بأن الله إن شفى الله مريضي لأزيدن في عمر فلان، وهل الأعمار بيدك؟ الأعمار بيد الله عز وجل، ولهذا كل ما خرج عن نطاق العبد فيما لا يملكه لا شرعًا ولا قدرًا كونًا، فهذا لا يدخل في الوفاء بالنذر، بل يمنع ويحرم عليه هذا، إخواني في الله، ما يتعلق في هذا الباب، وافقه المسألة ما أراده المؤلف رحمه الله تعالى من بيانه على أن الإنسان إذا أراد أن يذبح لله، لكنه اختار مكانًا يذبح فيه لغير الله، فلا يجوز، فإنه لا يمكن من هذا المكان، وإنما يستبدله في مكان غيره، وذلك حماية وحصانة لمقام التوحيد. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.