الدرس في شرح كتاب التوحيد 83، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المحور يتناول مناسبة ذكر توحيد الله واستحقاقه للعبادة، ويبين أن البراهين على ذلك تشمل أدلة عقلية ونقلية مثل الآيات القرآنية التي تثبت عجز المخلوقات. كما يشير إلى أن توحيد الله يثبت من خلال مقام الربوبية والأسماء والصفات وعجز المخلوقات.
هذا المحور يصف عجز الشركاء الذين يعبدون من دون الله عن الخلق والنصر، ويبين تناقض المذاهب التي تنكر وجود الله وتفترض خالقًا آخر. كما يوضح أن الشركاء لا يملكون القدرة على خلق شيء حتى لو كان بسيطًا ولا يستطيعون نصر أنفسهم.
المحور يناقش بطلان عبادة الأصنام والآلهة التي لا تملك نفعًا ولا ضرًا، مستدلًا بقصة أعرابي كفر بصنمه وبأبيات شعر تنتقد عبادة الصليب وعيسى عليه السلام. كما يشدد على عدم قدرة المخلوقات على الخلق أو النصر.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾، قال: وقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآيات تبويبًا لهذا الباب الجديد، فيترى ما المناسبة في ذكر هذا الباب بسرد هذه الآيات بما كان قبله؟ أشار جماعة من العلماء إلى أن فعل المؤلف رحمه الله تعالى من أعظم التصانيف ومن أفضل التراتيب، فهو في الأبواب السابقة -من كان معنا- علمنا كيف أن المؤلف رحمه الله تعالى أشار إلى تلكم الأبواب التي مفادها على أن الله جل وعلا وحده هو الذي يستحق أن يعبد، فالنذر لا يكون إلا لله، والذبح لا يكون إلا لله، والدعاء لا يكون إلا لله، والاستغاثة لا تكون إلا بالله، هذا قد مر معنا. فلما دلل المؤلف رحمه الله تعالى على هذا الحكم الشرعي هنا أقام البراهين، أقام البراهين الدالة على أن الله جل وعلا هو المستحق أن يعبد لا سواه، وما هناك أحد يوازي رب الأرباب جل في علا في أن يزاحمه في عبوديته، فلا يذبح ولا ينذر ولا يدعى ولا يستغاث إلا به. والبراهين أدلة على ذلك براهين نقلية وبراهين عقلية، كهذه الآيات، هذه حجج عقلية أوردها ربنا سبحانه وتعالى على العباد، كما في قوله ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُوا شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾، هذه أدلة عقلية يحاج الله جل وعلا بها الناس عامة كافة: كيف من أمثال هؤلاء أن تصرف لهم الطاعات والعبادات؟ وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن البراهين أدلة على توحيد الله جل وعلا متعددة متنوعة، كما قلنا: هي أدلة عقلية، أدلة شرعية، لكن تتدور على عدة مقامات، على مقام الربوبية، وهذا من أعظم البراهين، أعظم البراهين على أن الله جل وعلا هو الذي يعبد لا سواه، مقام الربوبية في أن تستشعر بأن الله سبحانه وتعالى هو المتفرد بالخلق والتدبير. كذلك من براهين التوحيد مقام الأسماء والصفات، وذلك حين تعلم بأن الله هو المتوحد بالصفات المطلقة، ما يشابه أحد، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. ومن براهين التوحيد المعرفة التامة لعجز المخلوقات، وأن هذه المخلوقات التي اتخذت آلهة وأصنامًا وأوثانًا عاجزة، هي قاصرة لا تنفع نفسها فضلًا عن منفعتها لغيرها. فهذه الحجج وهذه البراهين -إخواني في الله- من خلالها يعلم العاقل الحصيف بأن كل ما عبد من دون الله هو الباطل، وأن الله سبحانه وتعالى هو الحق المبين جل في علاه. في هذه الآية الأولى فيها الحجة العقلية على أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يُعبد لا سواه، قال سبحانه: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُوا شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾. أَيُشْرِكُونَ هذا استفهام إنكاري، من هذا الذي يُجْعَلْ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا؟ هذا استفهام إنكاري، لا أحد. لكن انظر كيف وصف هؤلاء الشركاء الذين اتخذهم الناس معبودات من دون الله جل وعلا، انظر إلى صفاتهم الناقصة القاصرة، قال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُوا شَيْئًا﴾، القدرة على الخلق على الخلق ما يملكها أحد أبدًا، لا الأصنام ولا الأوثان ولا الأنداد ولا الأحياء ولا الأموات ولا الكائنات ولا الجمادات، ما أحد يستطيع أن يخلق شيئًا. لو جئت إلى صنم من الأصنام كحال عابديها وطلبوا منه الولد والمدد ما أعطوهم شيئًا، ولو ذهب من ذهب إلى عتبات الأموات وطلب منه الأجن في الأرحام ما استطاعوا لهم سبيلًا، فالله جل وعلا هو الذي بيده الخلق، الله خالق كل شيء، كل شيء، كل من صيغ العموم، فما من خالق للأكوان إلا الله جل في علاه، خلق الكون كله. فبما أن الله جل وعلا هو الخالق وهي من مفردات ربوبيته، فهو المستحق للعبادة جل في علاه، فهو الذي خلق وهو الذي رزق سبحانه وتعالى، فهو الخالق. الناس من الكفرة والزنادقة عندما أنكروا الباري جل وعلا، فهنا لا بد أن يثبت خالقًا للأكوان، خالقًا للذوات، خالقًا للأشياء. فهنا تعددت مذاهبهم، فمنهم من ذهب إلى أن الخالق الصنم والوثن، ومنهم من ذهب إلى أن الخالق الطبيعة، ومنهم من ذهب إلى أن الخالق هو الصدفة، أن الصدفة هي التي تخلق، سبحان الله يقولون أن هذا الكون البديع ما كان إلا عن صدف، الحرارة ارتفعت ثم سقطت، والبرودة جاءت وانتشرت، وقعت اليبوسة تكون الفطريات في العهد الأول، ومن ثم تكونت الكائنات البدائية، ومن ثم ومن ثم، كل هذه الصدف معد صدف حتى جاء هذا الكون البديع، من يصدق هذا؟ ومنهم من قال بأن الطبيعة بأن الطبيعة هي الخالقة، هي التي اشتركت في تكوين هذا الإنسان البديع، ثم هذا الإنسان بنفسه هو الذي يضر الطبيعة، أصبح هذا المعبود هو الآلهة للطبيعة، يتحكم فيها، يفجر، يلوث فيها، والطبيعة لا تملك نفسها نفعًا ولا ضرًا، كل هذه ترهات، وإلا الإنسان لو أنصف نفسه لعلم أن لهذا الكون خالق واحد وهو الله جل في علاه. فكل شريك جعل من دون الله لا يملك لنفسه خلقًا لغيره، قال سبحانه: ﴿أَن يُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾، وتأمل كلمة "شيئًا" شيئًا نكرة، والقاعدة البلاغية أن نكرة إذا جاءت في سياق النفي فهي تفيد العموم، ما يخلقون شيئًا، ولو ذبابة، ذبابة أحقر المخلوقات والحشرات، ما يستطيع أكبر وأعتى العتاة من الجبابرة ممن عبد من دونه، لو طلب منه أن يخلق ذبابًا ما استطاع، لا يملك، وإنما الخالق الله سبحانه وتعالى. ثم قال جل في علاه: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾، كذلكم هذه الآلهة والمعبودات التي عبدت من دون الله، كذلك هي عاجزة عن النصر، عن نصر ماذا؟ عن نصر أنفسها، عن نصر أنفسها فضلًا عن نصرتها لغيرها، لغيرها من الأتباع. فكم يأتي من الناس الذين يلهجون حول الأصنام والأوثان والأنداد والعتبات والمزارات، ثم باءت نداءاتهم بالفشل، لأن من تدعون تدعو خشبة، تدعو حجرًا، تدعو صنمًا، تدعو ميتًا، عظامًا، رفاتًا، ما يستطيع أن ينصر نفسه فضلًا أن ينصر غيره. ولهذا كان من أمر العقلاء أن هذه المسألة وهي مسألة نزع النصر عن الآلهة والمعبودات كفيلة بالكفر بها، نزع القدرة على النصر والظفر لأنفسها فضلًا عن غيرها، كفيل بأن تنزع عنها الثقة وتنزع عنها الربوبية والألوهية. يذكر فيما يذكر عن أعرابي كان يعبد صنمًا، فإذ به لما كان في رحلة من الرحلات، وكان العرب إذا أرادوا أن يسافروا يأخذون الآلهة معهم، يستغيثون بهم تحسبًا لأي نكبة، لأي كربة، لأي طلب، لأي حاجة يكون الآلهة بين أيديهم. فكان هذا الأعرابي على هذه البلادة والبلاهة مما كان عليه العرب، فكان يأتي به بصنم ويستغيث به، ففي ساعة من ساعات ذهب إلى أمر كان لقضاء حاجة، ثم رجع، عند رجوعه وجد أن ثعلبًا قد بال فوق صنمه، فوق آلهته، فحينها تمالكه العجب ورجع إلى عقله إلى رشده، ثم أنشد أبياتًا لا أحفظها، لكن ذكر من في مطلعها قال: «أرب يبول ثعلبان على رأسه، لا أفلح من بال عليه الثعلب» أو كما قال، فكفر بهذا الصنم. يعني واضح أنت آلهة، أنا أعبدك، أنا أعتقد فيك أنك الكون بيدك، الكل شيء تحت إمرتك، ثم يأتي ثعلب يبول وينزل الخرء والبول على رأسك، وأنت آلهة لا تملك حتى تدفع البول والقذر والأذى عن نفسك، فكفر به، ثم أنشد هذا الأبيات الذي كان يقول في مطلعها «أرب بالثعلبان على رأسه، ألا لا بارك الله أو لا أفلح من بال عليه ثعلب»، ثم أخذ الصنم ورمى به. هذا العاقل إذا رأيت أن الذي تعبده لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، تجد تابوت عليه المزارات، ثم تأتي الدولة تهدم وتكسره، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، عاجز، أصنام بوذا يهدم ويأتي الزلزال ويكسره من أوله إلى آخره ويفتته، هذا آلهة ما يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا. وهكذا يقول في أمر النصارى الذين عبدوا عيسى عليه السلام، كان من أعظم ما يستدل على بطلان آلهة عيسى وأنه رب كما يدعي النصارى هذه المسألة بعينها، نزع النصر، أنه ما يستطيع نصر نفسه، وقد أجاد من أنشد أبياتًا يصف حال النصارى قائلًا: «أعباد الصليب لنا سؤال نروم جوابه ممن وعاه، أعباد الصليب لنا سؤال نروم نريد جوابه لمن وعاه، إذا مات الإله بصنع قوم أماتوه فما هذا الإله؟». أنتم تدعون أن عيسى قتل، قتل على يد من؟ على يد الشعب، على يد الشعب أن اليهود تمالوا على ذلك من الملك البوذي الصابئي، ثم الذي استدعى الحرس، ثم أمر بقتل عيسى، ثم قتل، ثم صلب، فقال العباد الصليب لنا سؤال نروم جوابه ممن وعاه، إذا مات الإله بصنع قوم أماتوه فما هذا الإله؟ أهذا إله؟ لا والله ليس بإله. فهذا دلالة عقلية إذا كان الآلهة ما يملك لنفسه أن يسد وأن يدفع، ما هذا الإله؟ هذا عبث، هذا ضعيف، هذا ذليل، هذا مخلوق. فالشاهد إخواني في الله في هذه الآية الكريمة الذي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى وبوّب عليه هذا الباب، أراد الإشارة إلى براهين التوحيد، وأن الله سبحانه وتعالى وحده هو الذي تصرف له الطاعات والعبادات، فالذبح له والنذر له والدعاء والاستغاث له، لأنه الذي يخلق وهو الذي ينصر جل في علاه. وأما ما عدا فهو لا يملك خلقًا ولا نصرًا، كما قال جل في علاه: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.