الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 72، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يذكر المؤلف إجماع العلماء على تحريم مشابهة الكفار، ويشرح معنى أهل الذمة وأنواع الكفار. يشير إلى شروط أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه على أهل الذمة.
يشرح أقسام الكفار في دار الإسلام وأحكام التعامل معهم، مستشهدا بقصة أم هانئ وأحكام العهد الذي عقده عمر بن الخطاب مع أهل الذمة.
نهى عمر عن التشبه باليهود والنصارى في اللباس والعادات، وشمل النهي عدة أمور لتمييز المسلمين وتجنب تقليدهم.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، ما بعد. قال مؤلف كتاب "شيخ الإسلام" رحمه الله: وأما الإجماع، فمن وجوه الإجماع على تحريم مشابهة الكفار تحريم مشابهة الكفار فيما اختصوا به من عبادات أو عادات، فهذا الذي قرره الشيخ رحمه الله في ذكر الأدلة. الآن سيذكر كلام الصحابة وكلام العلماء أيضا، حتى يبين أنه أيضا إجماع. قال: فصل، وما الإجماع فمن وجوه، فمن ذلك أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء جعلوا في الشروط المشروطة على أهل الذمة من النصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم أن نوقر المسلمين ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم. وهذه من الشروط التي كتبها عمر على أهل الذمة. وقد شرح هذا النص الإمام ابن القيم في كتابه الذي ألفه في أهل الذمة. وأهل الذمة معنى النصارى واليهود الذين دخلوا في عقد الجزية، يقال لهم أهل الذمة. كما ذكرنا قبل أن الكفار على أربعة أقسام: الكفار على أربعة أقسام. القسم الأول هم الكافر الحربي، الكافر الحربي هذا الذي يحارب المسلمين وليس بينه وبين المسلمين عهد على عدم الحرب. فهذا يسمى كافر حربي. فهؤلاء هم الذين يجاهدون. وهناك أيضا كافر صاحب عهد أو معاهد، ومعنى عنده عهد، وغالبا العهد يكون بين الدول، أن دولته ودولة الإسلام أو أهل الإسلام بينهم عهد، مثل معاهد النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش، وعاهد أيضا اليهود في المدينة، يعني عقد بينهم عقد صلح، هذا يسمى عهد. عقد صلح مع اليهود في المدينة، ثم نقضوا، ثلاثة العشائر: بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير، كلهم نقضوا العهد. وأيضا عاهد قريش، ونقضت العهد. النبي عليه الصلاة والسلام كان حريصا على أنه لا ينقض عهد أحد من هؤلاء، حتى من المشركين. فلم ينقض عهدا، ليس في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه عليه الصلاة والسلام نقض عهدا، بل كل الذين يعاهدهم من الكفار وغيرهم هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يرعى هذه العهود، حتى أنه كان يقول لأمراء المسلمين: إذا نزل الكفار نزلوا على حكمك، فانزلهم على ذمتك، ولا تنزلهم على ذمة الله ورسوله. حتى لا ينقض هذه الذمة فيرجع النقض في الإسلام، وليس كذلك الإسلام بريء من نقض العهود. فمدام أبرم معهم عهد وصلح، فأهل الإسلام يقومون عليه. فهؤلاء يسمى كافر ذو عهد أو يسمى معاهد، وعن اختصار كافر معاهد يسمى معاهد. وثالث الذي يسمى مستأمن، كافر مستأمن، وهذا الكافر المستأمن الذي أدخل إلى ديار المسلمين، أدخله بعض المسلمين أو أدخلته الدولة، مثلا أطباء، مثلا مهندسون، وغير هؤلاء الذين يعملون في الشركة، يعملون في كذا، فكل من أدخل من المسلمين من الكفار فيعتبر مؤتمن، لا يجوز لأحد أن يتعرض له أو أن يقتله. ولهذا لما أراد علي بن أبي طالب أن يقتل رجلين من كفار قريش من أقاربه، فأجارتهما أم هانئ أخته، شقيقته أم هانئ بنت أبي طالب. فلما أراد أن يقتلهما ذهبت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبرته بذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: «لقد أجرنا من أجرت يا أم هانئ». فقالت: يا رسول الله، إني قد أجرت بعض قريش، فأراد ابن أمي أن يقتلهما. قالت: ابن أمي، ما قالت: ابن أبي، لأنها معروفة بنت أبي طالب، وهو علي بن أبي طالب، لكن قالت: ابن أمي، حتى يعرف أنه شقيقها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد أجرنا من أجرت يا أم هانئ». وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم». يعني لو دخل أحد في جوار أحد من المسلمين يكفي. والرابع وهو صاحب الذمة، وهذا الكافر الذمي هو الذي يدفع الجزية للمسلمين. كافر الذمي هو الذي يدفع الجزية للمسلمين. فهؤلاء الأربع الأقسام، فهذا العقد الذي عقده عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو عقد على هؤلاء الكفار أهل الذمة. فقال في عقده: وهذا الكتاب الذي كتبه عمر في العهد انتشر عند العلماء وصار مشهورا، حتى قال ابن عبدالبر: يستغني عن الإسناد. قال: «أن نوقر المسلمين ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم». ليس إصغارا، بل تعظيما وإجلالا للمسلمين، أن الكفار لا يتشبهون بهم. ولهذا كانوا جاء عن عمر أنهم كانوا يلبسون قلانس خاصة، ويجعل لهم الزنارات، الزنارات الشعر الذي ينزلونه. هذا معنى جعله عمر لهم، وجعل لهم عمائم، لكن عمائم مقلدة، عمائم ليس فيها شيء من ذؤابة ولا محنكة. عمائم العرب غالبا إما تكون محنكة وإما أن تكون لها ذؤابة، معنى من خلف. هذه عمائم العرب. ولهذا لما أراد عمر أن يجعل اليهود لهم شيء يميزهم عن غيرهم، جعل عمائمهم بدون تحنيك ولا بدون أيضا ذؤابة، يعني يربطونها على الرأس فقط، يدورونها على الرأس. قال: «ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم»، قلوا سواء أو عمامة أو نعلين أو فرق شعر. حتى فرق الشعر، النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم فيه، معنى كانوا كان النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في مكة يسدل شعره، فلما ذهب إلى المدينة وأمر بمخالفة اليهود، فكان يفرق رأسه، معنى يجعل خد ويفرق رأسه عليه الصلاة والسلام، ولا يسدل رأسه مثل يهود. معنى خالفهم حتى في امتشاط شعره صلى الله عليه وسلم، حتى قال اليهود: ما نرى هذا إلا يريد أن يخالفنا وأنه في كل شيء. قال: أولا نتكلم بكلامهم. كان عمر يقول: لا تعلموا رطانة الأعاجم. إنسان الآن إذا كان مثلا يعرف لغة الكفار أو لغة الإنجليزية أو كذا، لا ينبغي أن يتكلم بغير حاجة إلا إذا احتاج، إذا احتاج إلى أن يتكلم بها ما في شيء، أما أنه بدون حاجة لا. قال: «ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئا من السلاح معنا». السروج تكون لخيل المسلمين، أما اليهود ما يسرجون خيلهم. قال: «ولا نتقلد السيوف»، ما تكون معهم سيوف. «ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور». نهى عن أن يتكلمون بكلام العرب، وكذلك حتى بأسماعهم وكناهم، لا يتكنون بكنيات العرب. قال: «ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رؤوسنا». نجز مقادم رؤوسنا معناه هذا المقادم يجزونه، يحلقونه. «وأن نلزم زينا حيث ما كان، وأن نشد الزنانير على وساطنا». الزنانير هذه التي تخرج من الشعر. «وأن لا يظهر أو لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر صليبا ولا كتبا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيفا أو ضربا خفيا». قال: ما يعلنون، وإنما يجعلونه داخل الكنيسة. قال: «ولا نرفع أصواتنا مع موتانا». لأن هذا من شعار اليهود والنصارى أنهم يرفعون أصواتهم مع الموتى، فقام قلدهم بعض المسلمين وأتوا بهذا الصوت. وإن كان هو ذكر لا إله إلا الله، لكن هنا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين». قال: رواه حرب بإسناد جيد. حرب بن إسماعيل الكرماني رحمه الله له مسائل للإمام أحمد، وله أيضا كتب ألفها. هذا ما ذكره هنا الأمير المؤمنين عمر في إلزام اليهود بهذه الشروط. ووجه الشاهد هنا أنه غاير بينهم وبين أهل الإسلام. غاير بينهم وبين أهل الإسلام.