الدرس في شرح كتاب التوحيد 104، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الغلو في الدين محرم بجميع صوره، ويشمل الأقوال والأفعال والاعتقادات، مستدلاً بالآية الكريمة ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾. هذا التحريم عام في جميع الأديان والمِلَل.
الغلو يؤدي إلى الكفر إذا أدى إلى اعتقاد ما يعتقد في الله لغير الله، وقد وقع فيه اليهود والنصارى، وهو داء خطير يتطلب التوسط والتؤدة في الدين. يجب عدم الإفراط أو التفريط في الدين.
يجب معاملة المخطئين سواء بالتقصير أو التجاوز بنفس الجدية، والتوسط في الدين مطلوب لاجتناب الغلو. المؤلف يستدل بالآية الكريمة على تحريم الغلو ويطلب من الله النفع بما قيل واتباع أحسن القول.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وقوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾، أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، وهي من أول استدلالاته على هذا التبويب، والذي قد مر معنا في الدرس الأخير، إذ أنه بوّب رحمه الله تعالى بقوله: باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم الدين هو الغلو في الصالحين. وأشرنا إلى هذا التبويب الذي عقده المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد، ما فيه من مسائل وأحكام، وأشرنا إلى ما يتعلق بمعنى السبب، وما هو الغلو، ومن هو الصالح، وكيف أن المؤلف رحمه الله تعالى أدخل هذا الباب في كتاب التوحيد؛ لأن هذا الأمر، وهو الغلو، من أعظم الأبواب التي أوصلت الناس إلى الكفر، وكذلك إلى الردة، إلى الكفر في حق من استمر به، وإلى الردة في حق من اعتنق الإسلام ثم خرج منه. وهذه الآية التي بين أيدينا: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾، هي الاستدلال الأول الذي استدل به المؤلف رحمه الله تعالى في التحذير من الغلو، وهذا نص قرآني واضح الدلالة، واضح المعالم، على أن الله سبحانه وتعالى حرم علينا الغلو. وهذه الآية، إخواني في الله، احتوت على عدة مسائل، منها: وأولًا فيها بيان لحكم الغلو، وأنه للتحريم، إذ أن النهي يقتضي التحريم، لا تغلو، فنهانا ربنا جل وعلا عن الغلو، فهو محرم، بل إن الأمر لربما وصل إلى الكفر، على حسب ما يؤدي إليه الغلو. فإن أوصل الغلو إلى ترك واجب أو فعل محرم، كان معصية وكبيرة، وأما إن كان الغلو أوصل إلى أن يعتقد في غير الله ما يعتقد في الله، فقد كان غلوًا كفريًا. فهذه الآية فيها بيان في تحريم الغلو. كذلك في هذه الآية إشارة إلى أن الغلو ليس فقط محرمًا في ديننا، بل كذلك في سائر الملل والأديان والملل والنحل والأمم؛ فهذا الخطاب لمن؟ لأهل الكتاب، يا أهل الكتاب لا تغلو، فنهاهم ربنا جل وعلا عن الغلو. فالأمة الإسلامية والأمة اليهودية والنصرانية، وكل من كان دونهم من الملل والأديان، قد حرم ربنا جل وعلا عليهم الغلو. فما أبيح الغلو على شريعة أحد من الأنبياء، وما يفعله بعض المتهوكة، إذ أنه يطلق لنفسه العنان، إما للسانه وإما بقلبه، بأن يعبر عما في ضميره بحجة المحبة للأولياء أو محبة الأنبياء أو محبة الرسول، هذا افتراء، ما هناك شيء اسمه ذريعة محبة. اعلم أنك وقعت في أمر محرم. وأشرنا في الدرس السابق إلى أن الغلو هو مجاوزة الحد في اللغة، مجاوزة الحد، ما من شيء إلا وله حد عليك أن تسير عليه، فإن زدت عن هذا الحد، فقد وقعت في الغلو. وقد أشرنا إلى بعض صور الغلو في درس سابق. كذلك من فوائد هذه الآية أن من وقع في الغلو فقد شابه اليهود والنصارى، إذ أن هذا الداء من أوائل الأدواء الذي وقع في الأمم السابقة، مرض وداء الغلو. فمن وقع في الغلو فقد شابه اليهود والنصارى. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، مبينًا هذه الفائدة: «قال رحمه الله تعالى: ومن تشبه من هذه الأمة باليهود والنصارى، وغلى في الدين بإفراط فيه أو تفريط، فقد شابههم، هذا ليس من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هذه من سنن أهل الكتاب». فإذا أردت الحق وأردت المنهاج الذي سار عليه الأنبياء وسار عليه نبينا عليه الصلاة والسلام، فعليك بالتوسط، عليك بالتؤدة، فلا إفراط، لا بالتعظيم، ولا كذلك تفريط، ولا تقصير. كذلك مما يستفاد من هذه الآية: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾، على أن الغلو الذي يعظم جرمه هو الغلو في الدين، لا تغلو في دينكم، لا شك أن حياة الناس يقع فيها غلو، مجاوزة للحد، قد لربما تطنب في المدائح لأمير ما، لسلطان ما، لربما تتجاوز المحبة في شخص ما، فيقع الغلو في هذه الأنحاء من مشاعر الناس الدنيوية. لكن الشأن كل الشأن عدم قوع الغلو في الدين؛ لأن الدين هو الأس والأساس، فإذا توصل أو تطرق الغلو إلى الدين، إن هدم الدين، فحينها ما يكون هناك إلا الهوى. ومن تأمل وتمعن إلى شؤم الغلو على أصحابه، لعلمت كيف أنه أودى بأناس إلى الكفر، بل أول كفر وقع في هذه الأرض، وهما وقع في قوم نوح، من أين جاء؟ جاء من باب الغلو، عندما غلوا في الصالحين، في ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، غلوا فيهم ورفعوهم عن قدرهم. كان هذا هو الداء، هذا هو الداء، الغلو في أهل الصلاح، حينها بعد ذلك ما هي إلا برهة من الزمن، جيل بعد جيل، حتى عُبدت تلكم النصب التي جُعلت على قبور الأولياء وعلى قبور الصالحين، وهذا الذي نبتل به في هذا الأزمان. فالغلو في الدين، يا عبد الله، جريمة، جريمة لا يُستهان بها؛ لأن من غلا في الدين قد غير وبدل، ليس هذا هو دين الله الذي أراده الله لعباده. كذلك في هذه الآية: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾، فيها بيان إلى تحريم الغلو بجميع صوره؛ لأن الفعل هنا: تغلوا، لا تغلوا، تُصَدَّق عليه النهي، والفعل إذا جاء في سياق النهي، فإنه يفيد العموم، لا تغلوا بأقوالكم، لا تغلوا بقلوبكم، لا تغلوا بأفكاركم، ممنوع الغلو، فلا تظن يا عبد الله أن الغلو إنما يُحرَّم في باب دون باب، كل ما كان فيه مجاوزًا للحد، فهذا يُحرم. ولو كان اعتقاديًا في قلبك، كونك تكن من الاعتقادات ما لا ينبغي لأحد من خلق الله، هذا غلو تحاسب عليه، فضلًا أن يكون هذا بقولك، بما يكون من الثناء والمجح والإطراء، وأن ترفع إنسانًا فوق منزلته، هذا يُحرم. أو كذلك بفعلك، ما يفعله بعض الناس من مظاهر الاحترام، بعضها يصل إلى حد الغلو، كحال من دخل إلى مقبرة، وخاصة وصل إلى قبور بعض الصالحين، فأراد أن ينصرف، ما الذي يفعل؟ لا ينصرف أن يولد الظهر كما يفعل الناس لا، وإنما يرجع القهقري، يرجع ووجهه اتجاه القبر، ويرجع إلى الخلف، كل ذلك احترامًا، لا، هذا غلو، ما فعل هذا أحد من أنبياء الله، وما أمر بذلك رسول الله، وإنما هذا غلو وزيادة. فالشاهد أن هذه الآية فيها عموم: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا﴾، أي لا تغلوا بأي صورة من صور الغلو، لا قول ولا فعل ولا عمل. وأخيرًا، إخواني في الله، في هذه الآية من الفوائد: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾، فيها ليس العبرة، وليس الجرم في دين الله، أن يكون من باب التقصير ومن باب التفريط، لا، كذلك يدخل الجرم في الدين في باب مجاوزة الحد، هذا مخطئ، وهذا مخطئ. لربما تجد أن من الناس من يعيب من يعيب أصحاب الشهوات، من وقع في ترك واجب أو من وقع في فعل محرم، من وقع في الفواحش، لربما أشارت الناس إليه بالعيب واللوم، وهذا صحيح، من قصر في دين الله يلام ويعاتب، بل وكذلك يوعظ ويُرشد، بل يوعظ وعظًا شديدًا على حسب المصلحة. لكن هل الأمر يقف عند أصحاب التقصير والتفريط؟ لا، بل كذلك مجاوزة الحد. فإن وجدنا أحدًا ما جاوز الحد، لا معنى أننا نغضي الطرف عنه، لا، مجاوزة الحد غلط في الدين، وهذه الآية توجب ذلك. فليس أننا، إخواني، فلا نعاتب المقصرين من الرعاة، بالمقابل أننا نغضي الطرف عن المبتدعة ممن شدد وغلا في دين الله، فأطمع وأدخل في دين الله مظاهر الغلو، فالكل خطأ، بين إفراط وتفريط، فلا إفراط ولا تفريط في الدين. إخواني، في الأهدى مساء السريعة، متعلقة بهذه الآية الكريمة التي أراد منها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا التبويب الاستدلال على تحذير على التحذير من الغلو، وأن الله سبحانه وتعالى قد حرمه على سائر الأمم، وفي جميع الملل والنحل. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.