الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 534

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 534

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 534، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة وتوطئة في تعريف العلماء

يتحدث المقطع الأول عن الإمام النسائي وسفيان الثوري، مشيرًا إلى ثناء العلماء عليهم وعلى علمهم وورعهم. يُعرف بسفيان الثوري ويذكر ثناء عبد الله بن المبارك عليه.

شرح حديث أفضل الجهاد

يفسر المقطع الثاني حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول قول كلمة حق عند سلطان جائر، موضحًا أن المراد به نصح الحاكم سرًا وليس التشهير به أمام الناس. يُفهم من الحديث أن النصح يكون بطريقة سرية.

تحذير السلف من الفتن والخروج على الحكام

يذكر أن السلف الصالح كانوا ينصحون الحكام سرًا دون إثارة الفتن، ويحذر من الخروج على الحكام الظالمين ويستشهد بقول الإمام أحمد والنووي في ذلك. يُوضح أن الخروج على الحكام له نتائج وخيمة.

تتمة الكلام في تفسير الحديث

العلماء يفسرون الحديث على أنه يعني نصح الإمام والكلام معه حتى لو كان ذلك على حساب الحياة، وهو يعتبر أفضل الجهاد. يستند هذا التفسير إلى قول شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الإمام النسائي رحمه الله تعالى. قال النسائي: اسمه أحمد أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي رحمه الله، وهو إمام من أئمة العلل والحديث. كان الدارقطني يقول: إن الإمام النسائي أفضل أو أعلى من مسلم في علم الحديث. قال أخبرنا إسحاق بن منصور، وهو الكوسج، قال: حدثنا عبد الرحمن -أبو عبد الرحمن عبد الله بن المهدي، أبو سعيد البصري، الإمام- كان من أعرف الناس بالحديث، وكان يقول: معرفتنا للحديث -أي لعلل الحديث- كهانة عند الجهال. قال: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان -سفيان الثوري-. وعبد الرحمن لم يرو عن سفيان بن عيينة، هل روى عن سفيان بن عيينة؟ كيف يروي عن ابن عيينة؟ لكن أكثر ما يروي عن الثوري، وإذا روى عن ابن عيينة عرفه غالبا، لكن أكثر روايته عن سفيان الثوري، ويحيى بن سعيد وهو قرينه، أكثر روايته عن شعبة، ويروي كذلك عن سفيان. قال: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان، وهو ابن سعيد الثوري، أبو عبد الله الحافظ، رحمة الله عليه، كان إماما في الزهد وإماما في الورع وإماما في العلم، سواء كان في الفقه أو في الحديث. فقال عبد الله بن المبارك: كنا إذا جلسنا إلى سفيان، من كثرة خوفه، كأن النار حولنا، كأن النار قريبة منا. ومع أنه أيضا كذلك كان كثيرا ما يذكر الحديث. يقول زيد بن الحباب: قال: من جلس عند سفيان لا يرى أنه يعرف شيئا في العلم إلا حدثنا وأخبرنا، كان دائما يحدثنا، كان يحدث بالأحاديث، وقد شغف بالأحاديث شغفا عظيما، محبة عظيمة، كان يحب الحديث حتى أن عبد الرزاق لما ذهب سفيان إلى اليمن رآه عبد الرزاق يحفظ طفلا يحفظه الحديث، فبكى عبد الرزاق لما رآه سفيان هذا الإمام الذي يحتاجه الناس في كل مكان، فرآه يحفظ طفلا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: عن عنقمة بن مرقد، وعنقمة كوفي، عن طارق بن شهاب، أن رجلا سأل النبي عليه الصلاة والسلام -وقد وضع رجله في الغرز- والغرز: المكان الذي توضع فيه رجل الناقة. قال: أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر. قال: هذا حديث صحيح، وطارق بن شهاب رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه، فحديثه مرسل، ومراسيل الصحابة مقبولة؛ لأن الصحابة كلهم عدول. وسيذكر الشيخ الحديث الذي فيه رؤية طارق بن شهاب للنبي عليه الصلاة والسلام بعد هذا الحديث. قال: وقد أخرجه الإمام محمد، فقال رحمه الله: حدثنا وكيع عن سفيان به، أي تابع عبد الرحمن. وهذا الحديث قد جاء عن جمع من الصحابة أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل: أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر. وهذا الحديث فهم على غير فهمه، فهمه بعض الخوارج وكذلك من نحا نحوهم على غير فهمه، فليس هذا الحديث فيه كما يظنون أن يشهر بالحاكم المسلم الجائر، يشهر به ويهيج عليه الناس لأجل الخروج، فهذا ليس كذلك أبدا، وإنما قال: عند سلطان، وعند هنا مراد بها مقابلة مكلمه. وقد جاءت الأحاديث والآثار عن الصحابة أن الإمام -إمام المسلمين- إنما إذا أراد الإنسان أن ينصحه ينصحه على سر، دون أن يكلمه أمام الناس، فكما جاء في حديث تميم بن طرفة -أظنه هشاما- من كان ناصحا لذي السلطان فلا ينصحه على رءوس الناس، وليكلمه وليكلمه سرا. وكذلك كان الصحابة رضي الله عنهم، كما فعل أسامة، وكذلك زيد بن ثابت، وغيرهما من الصحابة، كانوا ينصحون الأئمة، لكن ينصحونهم بالسر، وليس أنهم يأتون ويشهرون بهم. فلهذا لم يكن هدي السلف على هذا، ومن حصل منه شيء من هذا الأمر فهو ليس على الطريق الصحيح، أقصد أنه أخطأ. فكما قيل لما ذكر سعيد بن جبير قال: رحم الله سعيدا، رحم الله سعيدا، ومن لنا مثل سعيد؟ يريد أنه أخطأ في التشهير، لكن يقول: كان رجل صالح، رجل علم، وإنما تسبب له الحجاج، لكن كأن الإمام محمد يرى أنه لو سكت كان أفضل، لو سكت وهارب مثل ما فعل سفيان الثوري وغيره، كان أسلم له، أفضل، لكن حصل ما حصل وقتله الحجاج. فالمهم أن هذا الحديث المراد بكلمة حق عند سلطان جائر، أي من استطاع أن يخلو بهذا السلطان فيكلمه وينصحه، وأن حصل ما حصل مثل ما حصل من الإمام الأوزاعي مع جعفر المنصور أو مع السفاح، فدخل عليه ونصحه وقال كلمة الحق عنده. وكذلك أيضا سفيان دخل عند المهدي وكلمه، وغيرهم من أئمة الإسلام كانوا إذا وجدوا فرصة دخلوا على هذا الأمير وكلموه ونصحوه، وإن حصل ما حصل، لكن ليس من المراد تهييجا يهيجون الناس وتأتي بعد ذلك الفتن، فإن هذا لم يكن دأب السلف الصالح رحمة الله عليهم. وما حصل أيضا كذلك من ابن الأشعث فهي زلة، وإن كان عبد الرحمن بن الأشعث كان فقيها من الفقهاء، وهو ابن الأشعث ابن قيس الكندي الصحابي المعروف، لكن حصلت منه زلة وتبعه بعض الفقهاء، فخرجوا على الحجاج وحصل ما حصل، وقد قتل في ذلك أو في تلك المعركة أكثر من سبعين فقيها كما ذكر، وهذه خسارة على الأمة. فلهذا ذمهم بعض السلف في فعلهم هذا، حتى أن رجلا يقال له مسلم كان قد شارك مع ابن الأشعث، وكان في مجلس ابن سيرين، فذكرت فتنة ابن الأشعث، فذمهم ابن سيرين، فقال هذا الرجل: والله أحمد الله عز وجل أني ما ضربت أحدا بسيف، ما ضربت أحدا بسيف. فقال له محمد بن سيرين: ألم يقولوا أن فلانا معنا وكان في صفنا؟ قال: فبكى هذا الرجل حتى أنه لم يسكت من بكائه وندما على ما فعل. ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: ما حصلت فتنة وخروج على الأئمة إلا وحصلت الدماء وصار الأمر أسوأ -أو كما قال- رحمه الله. ولهذا قال الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم: استقر قول أهل السنة على عدم جواز الخروج على إمام الظلمة. فكيف سيكون هؤلاء يقولون مثل هذا وهو جائز أنك تتكلم على الإمام الظالم جهرا، وكذلك تهيج الناس عليه؟ بل النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث حذيفة بن اليمان في صحيح مسلم قال: يكون عليكم أمراء لا يهتدون بهديكم ولا يستنون بسنتكم، تعرف منهم وتنكر. قال صلى الله عليه وسلم: وسيقوم عليهم أناس قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قلوب الشياطين في جثمان إنس، أنه أولئك الذين يخرجون عليهم ويهيجون الناس عليهم. فكيف سيكون هذا كلمة حق عند سلطان جائر وهي أفضل الجهاد؟ فلهذا عرف العلماء أن المراد من كلام النبي عليه الصلاة والسلام -كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره- أن المراد بهذا الحديث أي أن من وجد فرصة للدخول على الإمام فإنه ينصحه ويكلمه ولو كانت فيه حياته، فإنها خير الجهاد وأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، فهذا خلاصة ما يذكر.