الدرس في تنوير البرية بالدروس والفتاوى الرمضانية 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا الفصل أحكام الصيام والإفطار في رمضان، مبيناً أن الأكل والشرب والجماع مباح حتى طلوع الفجر الصادق، ويحرم بعد ذلك. كما يوضح أن الصوم ينقضي بغروب الشمس واختفاء قرصها عن سطح الأرض.
يناقش هذا الفصل العلامات الدالة على نهاية الصوم ودخول وقت الإفطار، مؤكداً أن العبرة بغروب قرص الشمس عن سطح الأرض. كما يشير إلى عدم اعتبار بقاء شعاع الشمس بعد الغروب في تحديد وقت الإفطار.
يتناول هذا الفصل حكم الأكل والشرب أثناء الشك في طلوع الفجر أو غروب الشمس، مبيناً جواز الأكل حتى التيقن من طلوع الفجر، وضرورة التوقف عن الأكل عند الشك في غروب الشمس دون غلبة ظن. كما يحذر من تخصيص وقت للإمساك قبل الفجر بفترة باعتباره بدعة.
يستعرض هذا الفصل تحذير النبي عليه الصلاة والسلام من التنطع في الدين، ويشرح كيف يبالغ بعض الناس في تطبيق الأحكام الفقهية. كما يستدل بحديث النبي عن هلكة المتنطعين لتوضيح المخاطر المرتبطة بالتشدد المفرط في الدين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: استفيد من أدلة الباب جواز الأكل والشرب والجماع لمن يريد الصيام إلى الفجر الصادق، وهذا بغير خلاف. فناقلنا العبرة بالفجر الصادق، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الفجر فجران، فجر يحرم فيه الطعام ويحل فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه الصلاة ويحل فيه الطعام». «كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر». وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر». قال: جواز الشرب أثناء الأذان الثاني إذا كان الإناء في يده. قال العلامة الألباني: فيه دليل إذا سمي أحدكم النداء والإناء على يده، على أن من طلع عليه الفجر وإناء الطعام والشراب على يده، أنه يجوز له أن لا يضعه حتى يأخذ حاجته منه. فهذه الصورة مستثناة من الآية ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾، فلا تعارض بينها وما في معناها من الأحاديث وبين هذا الحديث، ولا يجمع ما يعارضه. فذهب جماعة من الصحابة وغيرهم إلى أكثر ما أفاده الحديث، وهو جواز السحور إلى أن يتضح الفجر وينتشر البياض في الأفق. فهذه العلة أن الإمساك يكون بالفجر الصادق، لكن كما قلنا إذا صح هذا الحديث، لأن بعض العلماء يضعفه. فهو إذا كان الإناء في يد أحدكم، وإذا سمع الأذان والإناء في يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته، فهذا كما قلنا إذا صح، فهو مستثنى من عموم الآية. وإلا فالعلة أن الإنسان إذا طلع الفجر أنه يمتنع عن الطعام والشراب. وأما الأذان فالعبرة بمن يؤذن على الوقت. قال: تحريم الأكل والشرب والجماع بطلوع الفجر الثاني. قال ابن هبيرة رحمه الله: اتفقوا على أن وجوب الصوم وقته من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، وأن الفجر الثاني الذي لا ظلمة بعده هو المحرم للأكل والشرب والجماع. قال: ينقضي الصوم ويحل للصائم كل ما حرم عليه بغروب الشمس واختفاء قرصها عن سطح الأرض، وهذا بغير خلاف. معنى القرص: لابد أن يختفي عن وجه الأرض، ليس مثلا تحت جبل أو تحت بحر أو نحو ذلك، لا، لابد أن يكون تحت أفق الأرض. معنى تحت هذا القرص يختفي عن سطح الأرض، فهذا يكون غروب. وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام لرجل: انزل فاجدح لنا -أي فأعطنا الشراب، اللبن- فقال: يا رسول الله، إن عليك نهارا طويلا، إنا لا زلنا في النهار. فقال: انزل فاجدح لنا. ثم قال: ويحك انزل فاجدح لنا. فقال عبد الله بن أبي أوفى: لو ركب أحدنا رحلته لرأى الشمس. فهذا الحديث يحمل على أن الضوء كان منتشرا، وهذا غالبا يكون في الشتاء. غالبا في الشتاء يؤذن المغرب والضوء منتشر لا زال. فلهذا قد يكون هذا الرجل الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي بالشراب ظن أن النهار لا زال، فلهذا قال: طال النهار يا رسول الله، نهار طويلا يا رسول الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ويحك انزل فاجدح لنا. فلهذا فالعبرة بغروب الشمس، وغروب القرص عن سطح الأرض. قال النووي رحمه الله: ينقضي الصوم يتم بغروب الشمس بإجماع المسلمين. وقال: والاعتبار بسقوط قرصها بكماله، وذلك ظاهر في الصحراء. قال الشيخ أبو حامد والأصحاب: ولا نظر بعد تكامل الغروب إلى بقاء شعاعها، بل يدخل وقت الإفطار مع بقائه. أن أحيانا تغرب الشمس ويبقى الشعاع، وهذا الشعاع لا عبرة به، إنما العبرة بالقرص. قال: هنا في فتاوى العلماء. قال سئلت اللجنة الدائمة -أدامها الله- في إحدى ليالي شهر رمضان المبارك -أعاده الله على الجميع بالخير- إننا لم نستيقظ بدري للسحور إلا قبل الأذان بعدة دقائق، فلما جهزنا السحور وإذا بالمؤذن يؤذن لصلاة الفجر وأكلت وشربت وأكلت وشربت والمؤذن يؤذن حتى قارب الأذان على النهاية وأنا آكل، حيث سؤاله هو: هل علي إثم حينما أكلت أثناء الأذان أم علي قضاء ذلك اليوم؟ وسمعت بعض المحدثين أنه يأكل حتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود، يقولون: لا عليك حاجة، والله أعلم. قال: فأجابت: إذا كان الواقع كما ذكر ولم تعلم طلوع الفجر، فالصوم صحيح؛ لأن العلة بقاء الليل. لكن يشرع لك مستقبلا أن يكون سحورك قبل الأذان احتياطا لدينك وحرصا على سلامة صومك. أنا إذا كان يعلم أن الفجر لم يدخل ولو أذن المؤذن، فليست العبرة بالمؤذن وإنما العبرة بدخول الفجر. فإذا لم يتبين له طلوع الفجر وهو يرى الفجر أمامه -أنا غالبا الفجر لا يرى إلا في الأماكن التي تكون فيها ظلمة- يعني هذه الأضواء قد تعكر على الرؤية. هذه الأضواء الآن موجودة تعكر على الرؤية. وأما إذا كان هناك ظلمة فإن الفجر يرى. قال: سئل رحمه الله: إذا شك الإنسان في طلوع الفجر، معناه في طلوع الفجر، فهل يجوز له الأكل والشرب؟ فأجاب: يجوز للإنسان أن يأكل ويشرب حتى يتبين له الفجر؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿حتى يتبين﴾ وهو التيقن. وأما إذا شك أو ظن أن الفجر لم يطلع بعد، فأكل وشرب ولو كان ولو طلع الفجر، فصيامه صحيح؛ لأن العلة بقاء الليل. بخلاف كما ذكرنا قبل من أكل أو شرب في وقت الإفطار، إذا أكل أو شرب وقت الإفطار وهو شاك هل طلعت الشمس أو هل غربت الشمس أو لم تغرب، فأكل أو شرب، فهذا يعتبر مفطر. الذي يشك ما يدري هل قد أذن أو قد غربت الشمس أو لم تغرب، ثم يأكل، فهذا صومه غير صحيح. لكن إن غلب على ظنه أن الشمس قد غربت، فأكل وشرب، فهنا حتى ولو تبين أن الشمس لم تغرب، فصيامه صحيح. وقد جاء -كما ذكرنا- في البخاري أن أسما بنت أبي بكر رضي الله عنها أنهم كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام وكان يوم غيم، فأفطروا، ثم تبينت الشمس. معنى بعدما أفطروا تبينت الشمس، فلم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء ذلك اليوم، ولم يأمرهم بقضاء. فدل على أن من غلب على ظنه أن الشمس قد غربت، فأكل أو شرب، فصيامه صحيح. أما إذا كان شاكا ليس عنده غلبة الظن، وإنما شك لا يدري هل غربت الشمس أو لم تغرب، ثم أكل، فهذا يعتبر صيامه غير صحيح. هذا الصيام غير صحيح؛ لأن العلة بقاء النهار. بخلاف الفجر، فالعلة بقاء الليل. قال: سئل رحمه الله: نرى بعض التقاويم في شهر رمضان يوضع فيه قسم يسمى الإمساك، وهو يجعل قبل صلاة الفجر بنحو عشر دقائق أو ربع ساعة، فهل هذا له أصل من السنة أم هو من البدع؟ فأجاب فضيلته: هذا من البدع، وليس له أصل من السنة، بل السنة على خلافه؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾. أن يتيقن، أن يتيقن الفجر. وهؤلاء يجعلون احتياطا على الفجر، وهذا خطأ. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر». قال رحمه الله: وهذا الإمساك الذي يصنعه بعض الناس زيادة على ما فرض الله عز وجل، فيكون باطلا، وهو من التنطع في دين الله. حتى أنهم الآن يسمون التقاويم يسمون إمساكية رمضان، ويجعلون خانة يسمونها خانة الإمساك، ويجعلونها قبل الفجر بعشر دقائق، وهذا باطل لا يدل عليه دليل، ولا أيضا عليه عمل أهل الإسلام والسلف قديما، بل هذه بدعة. نقرأ جاءت من بعض الموسوسين في مسائل الفقه، لكنها عمت على كثير من الناس. قالوا: قد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون». هؤلاء هذا من التنطع، يعتبر أن الإنسان يمسك قبل الفجر بعشر دقائق أو بربع ساعة، فهذا ليس صحيحا.