الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 124، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع صفة الحشر يوم القيامة مستنداً إلى آيات قرآنية تصف خروج الناس من القبور وسوقهم إلى المحشر، وأحوالهم من اتباع الداعي وخشوع الأصوات. كما يفرق بين حشر الآخرة وحشر الدنيا الوارد في سورة الحشر الذي يعني إجلاء بني النضير من المدينة.
يذكر المقطع نوعين من الحشر الدنيوي هما حشر النار الذي يسوق الناس إلى المحشر قبل النفخة الأولى، ونوعين من الحشر الأخروي: الأول من القبور إلى موقف القيامة، والثاني من الموقف إلى الجنة أو النار. ويوضح أن الحشر الثاني يقسم الناس إلى ثلاثة أصناف: السابقون وأصحاب اليمين إلى الجنة، وأصحاب المشأمة إلى النار.
يتناول المقطع تفسير آيات يوم القيامة المتعلقة بالنفخ في الصور ودعوة إسرافيل للحشر، ومعنى "الهمس" كأصوات خافتة للأقدام أو الأفواه لهول الموقف. كما يوضح صفة حشر الكافرين على وجوههم عمياً وبكماً وصماً، مستدلاً بحديث أنس بن مالك الذي يؤكد قدرة الله على ذلك.
يخلص المتحدث إلى أن الأدلة المذكورة تثبت صفة الحشر يوم القيامة، متضمنة الحشر الأول من القبور إلى أرض المحشر، والحشر الثاني من الموقف إلى الجنة أو النار. ويعلن الاكتفاء بهذا القدر في الجلسة الحالية.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه أعلام السنة المنشورة: السؤال: مائة وثلاثة عشر، كيف صفة الحشر من الكتاب؟ والحشر هو جمع الله عز وجل الخلائق إلى موقف الحساب، فبعد أن يرسل الله جل وعلا المطر الذي هو كالطل أو كالظل كما تقدم معنا في الحديث، فتنبت أجساد بني آدم في القبور، ثم يأذن الله جل وعلا بالنفخ في الصور، وهي نفخة البعث، فيقوم الناس من قبورهم ويخرجون من قبورهم، وأول من ينشق عنه القبر هو نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيقوم الناس من قبورهم فيساقون إلى المحشر، يعني إلى الأرض التي يجتمعون فيها، وسيأتي معنا إن شاء الله صفة هذه الأرض التي يجتمع فيها الناس، لأن أكثر هذه الصفات جاءت في السنة. قال المؤلف رحمه الله: الجواب في صفته آيات كثيرة، منها قوله تعالى ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾، وقوله تعالى ﴿ وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴾ الآيات، وقوله تعالى ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَانِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾ الآيات، وقوله تعالى ﴿ وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ﴾ الآيات، وقوله تعالى ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ﴾، وهو نقل الأقدام إلى المحشر كأخفاف الإبل، وقوله تعالى ﴿ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾، وغير ذلك من الآيات كثير. خلاصة هذه الآيات أن الحشر في يوم القيامة حشر، كما أنه في الدنيا كذلك حشر. أما في الدنيا فقد جاء في القرآن قول الله سبحانه وتعالى ﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ﴾، فالمراد بالحشر هنا ما وقع لليهود من بني النظير حينما أجلوا وأخرجوا من المدينة إلى خارجها، فمنهم من ذهب إلى خيبر، ومنهم من ذهب إلى أذرعات بالشام، فالمراد بالحشر هو خروجهم من المدينة إلى تلك الأماكن، هذا الحشر الأول الذي يكون في الدنيا وردت به هذه الآية. وهناك حشر دنيوي آخر وهو ما تقدم معنا من حشر النار، من حشر النار لمن بقي من الناس، النار التي تخرج من عدن، تخرج من عدن، فهذا كما جاء في الحديث أنها تحشر الناس، يعني تسوق الناس هذه النار إلى المحشر الدنيوي، يعني إلى المكان الذي يجتمع الناس فيه ذلك اليوم قبل أن ينفخ في الصور النفخة الأولى، وهذا قد مر معنا، فهذا يكون في الدنيا، فهذان حشران يكونان في الدنيا، وهناك حشران يكونان في الآخرة. أما الحشر الأول، وكل الحشرين أشار إليهما، أي اللذين يكونان في الآخرة، أشار إليهما المؤلف فيما ذكر من هذه الأدلة من القرآن، فالحشر الأول الذي يكون في الآخرة: الحشر من القبور إلى موقف القيامة، إلى موقف القيامة، وهذا الذي جاء في الآية الثانية ﴿ وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴾، أي لم نترك منهم أحداً، فكلهم بعد أن يبعثوا من قبورهم يحشرون إلى أرض المحشر، إلى أرض المحشر. والحشر الثاني: هو حشر جميع المؤمنين إلى الجنة، وحشر جميع الكفار إلى النار من موقف القيامة، يجمعون ثم يحشرون من موقف القيامة، فأهل الجنة يحشرون إلى الجنة، وأهل النار يحشرون إلى النار، وهذا ما ذكر المؤلف في قوله سبحانه وتعالى ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَانِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾، فالمراد بالحشر هنا يوم نحشر المتقين هو الحشر الثاني الذي يكون في موقف يوم القيامة، فيحشر أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار يساقون ويحشرون والعياذ بالله إلى النار. وأيضاً من هذا الحشر الثاني ما ذكره المؤلف أيضاً في قول الله سبحانه وتعالى ﴿ وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ﴾، فيحشر الناس الحشر الثاني على ثلاثة أصناف: صنفان من أهل الجنة وهم السابقون وأصحاب اليمين، وصنف إلى النار وهم أصحاب المشأمة، أصحاب المشأمة. فالسابقون هم بمعنى السابقون بالخيرات الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات، وكذلك تقربوا إلى الله بالمستحبات وتركوا المكرهات، فهؤلاء هم السابقون السابقون. وأما أصحاب اليمين فهم الذين اقتصروا على فعل الواجبات وترك المحرمات. وأما أصحاب المشأمة فهم الذين اقتحموا المحرمات وتركوا الواجبات، فهذا الحشر يكون لهم كذلك في الحشر الثاني، الحشر الثاني. وأما قوله سبحانه وتعالى ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ﴾، قال بعض المفسرين: المراد بالداعي هنا أن الله عز وجل يجعل ملكاً من الملائكة ينادي في الناس إذا بعثوا من قبورهم، فعلى هذا، فعلى هذا تكون الآية في الحشر الأول الذي يكون في يوم القيامة، فالمراد بالداعي على قول بعض المفسرين أنه ملك من الملائكة ينادي الناس إذا بعثوا من قبورهم ويأمرهم أن يجتمعوا إلى موقف القيامة حيث يعرضون على الله فيحاسبهم، ويشهد لهذا المعنى قوله سبحانه وتعالى ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكْرٍ ﴾. وقيل أيضاً في تفسير هذه الآية وهو قوله ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ ﴾: قيل الداعي في هاتين الآيتين ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي ﴾ والآية التي ذكرها المؤلف هو إسرافيل حينما يصيح أو حينما ينفخ في الصور، فيكون المقصود بذلك هذه الإفاقة التي تكون لهم، هذه الإفاقة التي تكون لهم، فبعد أن ينفخ في الصور يدعو الداعي إلى أن يقوم وأن يحشر إلى أرض المحشر، إلى أرض المحشر. وأما قوله تعالى ﴿ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ﴾، قيل في همس ما ذكره المؤلف وهو نقل الأقدام إلى المحشر كأخفاف الإبل، يعني كالإبل إذا مشت تكون الأصوات همساً في مشيها، والقول الثاني أن الهمس هو الصوت الخفي، يعني يتخافت أهل الموقف فيما بينهم بأصوات خفية، بأصوات خفية، وكلا المعنيين متقاربين، سواء كان الهمس بالأفواه أو الهمس بالأقدام أو الهمس بالأقدام، فكل ذلك يدل على يعني أن الأصوات تكون خافتة أو تكون ضعيفة لشدة الهول، لشدة الهول. وهكذا قوله ﴿ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ﴾، هؤلاء أهل الكفر، هؤلاء أهل الكفر يحشرون يوم القيامة على وجوههم، يمشون على وجوههم، وليس ذلك على الله بعزيز، فالله عز وجل على كل شيء قدير. فقد جاء عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في الصحيحين أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يمشي الكافر يوم القيامة على وجهه؟ هكذا يسأل هذا الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يمشي الكافر يوم القيامة على وجهه؟ فماذا كان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال له: «أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادراً على أن يمشيه يوم القيامة على وجهه؟» فقال قتادة رضي الله عنه رحمه الله تعالى: «بلى وعزة ربنا، بلى وعزة ربنا»، أي أن الله عز وجل قادر على أن يمشيه يوم القيامة على وجهه. تصور هذا الكافر يوم القيامة لما يحشر يمشي على وجهه لا يمشي على قدميه، لظاهر هذه الآية وكذلك لظاهر هذا الحديث، حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، ولفظ الآية أيضاً أن الكافر يحشر عمياً لا يرى، وبكماً لا يتكلم، وصماً لا يسمع. نعم، هكذا كذلك صفة حشر الكافر. وهناك أوصاف لبعض العصاة في كيفية حشرهم جاءت في السنة، فلعلنا إن شاء الله إذا ذكر المؤلف صفة الحشر من السنة نشير إلى بعض تلك الصفات التي وردت في بعض الأحاديث. هذه خلاصة ما أورده المؤلف، وكل هذه الأدلة تدل على صفة الحشر وإثبات الحشر يوم القيامة، سواء كان الحشر الأول عندما يقوم الناس من قبورهم إلى أرض المحشر، أو حين يحشر الناس من موقف يوم القيامة إلى إما الجنة وإما النار. طيب، نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.