الدرس في 24 فضائل الأعمال في شهر الصيام - العمل بالسنة، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبرز أهمية السنة النبوية في توضيح وتفسير أحكام الصيام في رمضان، ويشدد على ضرورة الرجوع إليها لفهم الأحكام بشكل صحيح. السنة النبوية تلعب دورًا حاسمًا في إضافة تفاصيل الأحكام التي لم تذكر في القرآن.
يؤكد على أهمية اتباع السنة النبوية في جميع شؤون الحياة وليس فقط في رمضان، ويحذر من التهاون أو التشكيك فيها. تطبيق السنة شرط للتمكين والغلبة، وهي توضح وتزيد على أحكام القرآن.
يناقش ضرورة الانصياع للسنة النبوية دون تردد وترك الابتداع، ويحذر من الانحراف عنها. التمسك بالسنة واجب، والابتداع يؤدي إلى الضلال وقد حذر النبي منه.
يختتم بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، مشيرًا إلى نهاية المناقشة مع الاعتراف بأن العلم الكامل عند الله تعالى. هذا الختام يعكس تواضع المتحدث واعترافه بحدود العلم البشري.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، إخواني في الله، ولازلنا في مثل هذه الأوقات نتدارس وإياكم أهم الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها الناس، وخصوصًا في شهر رمضان. وإن مما أذكره من هذه الأعمال، إخواني في الله، الحرص على العمل بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وأعني بالسنة هو كل ما أضيف إلى النبي عليه الصلاة والسلام من أقوال وأعمال، ومن أفعال وأحوال، كل ما أضيف إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فهي سنة. وإن السنة بهذا الاعتبار لتعد ركنًا أساسيًا وأصلًا أصيلًا في الدين، إذ لا قوام للدين إلا بالسنة. قال عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي» والحديث في صحيح الجامع. فسنته عليه الصلاة والسلام من الأمور الواجبة التي يجب على كل مسلم ومسلمة أن يتمسك بها، بل ويعض عليها بالنواجذ. كما قال عليه الصلاة والسلام: «فإن من سيعيش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ». ومما يدل على عظيم مقام السنة في دين الله جل وعلا، تلكم الآيات الكثيرة التي أمر الله فيها بطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام. حتى قال الإمام أحمد رحمه الله: «نظرت في المصحف، فإذا بطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام في ثلاث وثلاثين موضعًا، الأمر بطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام جاء في ثلاث وثلاثين موضعًا». قل: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله. ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، فطاعة الرسول من طاعة الله جل في علاه. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وقد أمر الله بطاعة رسوله في أكثر من ثلاثين موضعًا، وقارن طاعته بطاعته، ومخالفته بمخالفته، كما قارن بين اسمه واسمه، فلا يذكر الله إلا وذكر معه». انتهى كلامه رحمه الله. انظر يا عبد الله إلى مقام السنة، أن الله جل وعلا قارن طاعته بطاعة رسوله، ومخالفته بمخالفة رسوله. فليحذر الذين يخالفون عن أمره، ثم قال: «وكما قارن بين اسمه واسمه، فلا يذكر الله إلا وذكر معه». صلوات ربي وسلامه عليه، عندما تأتي إلى كلمة الشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. عندما تأتي للأذان: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا عبد ورسوله. فلا يكاد يذكر الرب جل وعلا إلا وذكر محمد عليه الصلاة والسلام. إخواني في الله، إن الكلام عن العناية بالسنة ليطول، وليس هذا المقام مقام بيان هذه المسائل. لكن قد يقول قائل: ما علاقة رمضان بالسنة؟ إذ نحن في مثل هذه المقامات نشير إلى ما ينبغي على أهل الصيام فعله في رمضان خاصة، فلماذا تذكر السنة؟ يقال إخواني في الله: إن من تأمل في أحكام الصيام، وما يكون في شهر رمضان من مسائل وأحكام، يجد أنها تربط ربطًا عظيمًا بالسنة، حتى لا تكاد السنة تفارق الصائمين، بل هي معك منذ أن تدخل إلى رمضان، والسنة معك بحيث إذا أردت أن تنفك عن السنة لم تستطع لها ذلك. ويتضح ذلك إخواني في الله في عدة أمور، الأمر الأول: أن السنة جاءت مبينة وموضحة لكثير من مسائل الصيام. نعم، جاءت أحكام الصيام في كتاب الله جل وعلا، وفي القرآن، لكن على وجه الإجمال، بذكر مسائل رؤوس المسائل، فتأتي السنة وتوضح وتبين، بحيث أنك لا بد أن ترجع إلى السنة حتى تفهم أحكام الصيام. مثاله في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. ذهب ذلكم الصحابي رضي الله تعالى عنه في تطبيقه لفهمه لهذه الآية: لا بد أن تأكل حتى تستطيع أن تميز بين الأبيض وبين الأسود، ففعل هذا، فأتى بعقالين: عقال أبيض وعقال أسود، وجعلهما تحت وسادته، فكلما استيقظ كشف: هل يستطيع أن يميز بينهما تطبيقًا وامتثالًا؟ فلما علم نبينا صلى الله عليه وسلم بحاله، ضحك صلوات ربي وسلامه عليه، وأفهمه وأشار إلى أن المقصود بالآية هو بياض النهار وسواد الليل، ليس العقال ولا الحبال. فهذه الآية فهمها كان عن طريق السنة. وهكذا قل في قول تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. متى يجب علينا الصيام لرمضان؟ جاءت السنة في بيان أن شهود رمضان يكون بأحد أمرين: إما بالرؤية برؤيته، أو إكمال عدة شعبان. هذا من أين جاء؟ من السنة. السنة وضحت ذلك. ولهذا إذا جئت إلى آيات الصيام وما يتعلق بأحكام رمضان، تجد أن السنة جاءت توضح، بحيث لا يمكن لأحد منا أن يستقل بفهمه بفهم القرآن من غير الرجوع إلى سنة نبينا عليه الصلاة والسلام. فهنا يا إخواني في الله تكمن عظيم الربط بين الصيام وبين السنة النبوية، أنها تحتاج إليها. ثانيًا: كذلك يا إخواني في الله، مما يدل على عظيم الربط بين أحكام الصيام وبين السنة: أن السنة قد أتت بكثير من المسائل التي ليست موجودة في القرآن، ولم تأتِ. أنت إذا أردت أن تتمثل ما في القرآن، ستعمل ببعض الأشياء، لكن ستغفل عن أشياء كثيرة، لأنها لم تذكر في القرآن. أين ذكرت؟ ذكرت في السنة. إذا جئت مثلًا لأحكام الفطر، تحديد وقت الإفطار إذا غربت الشمس، منها هنا، وأتى الليل منها هنا، وما يكون من المستحبات في مسألة الفطر من التعجيل، وكذلك ما يستحب أن يؤكل فيه، وهكذا. قل ما يكون في مسألة الإمساك: متى يكون؟ وعلى ماذا تمسك؟ وعلى ماذا تتسحر؟ كذلك ما يتعلق بمسائل الكفارات ومسائل الفدية. مسألة المجامع في نهار رمضان، ما الذي عليه؟ ما تجد هذا في القرآن؟ تجده في السنة. مسائل كذلكم ما يتعلق بأحكام المرض، وبأحكام السفر، ما يتعلق كذلكم بأحكام المبطلات: بماذا يبطل الصوم؟ أهل الأعذار من هم؟ في القرآن: المريض والمسافر. جاءت السنة: الحامل، المرضع، من زال عقله، من لم يبلغ. هذا جاءت في السنة أحكام جديدة، مزيدة، كما يعبر عنها العلماء. السنة تأتي بأحكام مزيدة زائدة عن القرآن. وهكذا قصة عبد الله بن عمر في مسائل القيام، صلاة التراويح والتهجد، وما يتعلق بالسنة التي ينبغي أن تتقيد بها وأنت في صلاتك، مسائل الوتر، مسائل الدعاء. كذلك ما يتعلق بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، كم وكم وكم؟ كم من أعمال يا عبد الله من فضائل الأعمال، بل ربما من الأركان والواجبات، الكل يعمل بها. إن سألت: ما دليلك؟ ما وجدت يا عبد الله إلا السنة. السنة. ويكأن رمضان ذي أحكامه يشير إلى أنك ينبغي أن تتبع السنة، لا تقتصر على ما في القرآن، وإنما تتبع كذلك السنة، وإلا فاتك الخير الكثير. أضف إلى ذلك إخواني: فلا من علاقة رمضان بالسنة أن من شريعة الله جل في علاه، ومن أحكامه: أنه أخبر جل في علاه أن تطبيق السنة في بعض أعمال الصيام هو محل عزة، محل تمكين، محل ظفر وغلبة. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال الدين ظاهرا ما عجل الناس الفطر». تعجيل الفطر من أين جاء؟ هذا جاء في السنة. فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: «لا يزال الدين ظاهرا» -ظهور وقوة الدين- تكمن في تطبيقك لتعجيل الفطر، وهي بين قوسين سنة نبوية أتى بها نبيك عليه الصلاة والسلام. وهكذا في قوله: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». تعجيل الفطر من هديه، ومن سنته عليه الصلاة والسلام، فخيرية الناس تكمن في تطبيقهم لسنة النبي عليه الصلاة والسلام. قال عليه الصلاة والسلام: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر». أكلة السحر من أين جاءت؟ جاءت من السنة، ما تجد هذا في القرآن؟ أكلة السحر؟ تجدها في السنة، في بيان الأكلة، من الذي يؤكل وقتها؟ ومن الذي يذكى؟ في فضائلها، هذا جاء في السنة. فهذه الآثار التي أخبر عنها نبينا عليه الصلاة والسلام على أن الظفر والتمكين والغلبة والنصر لهذه الأمة، إنما يعود إلى سنته عليه الصلاة والسلام في التمسك ببعض أحكام الصيام، ببعض أحكام الصيام. وبهذا إخواني في الله، فأنت تجد نفسك أنك لا بد في رمضان أن تتتبع السنة قدر الإمكان، إما لإيضاح أحكام الصيام، وإما لمعرفة الزوائد غير الموجودة في القرآن، وإما أن تستحق الظفر والغلب والتمكين الذي سيجعله رب العالمين لمن كان متبعًا لرسولنا الأمين عليه الصلاة والسلام. إخواني في الله، إن المسلم أمام هذا المقام، وأمام تطبيقه للسنة في فترة صيامه، بل وهكذا مدى حياته، يعلم علم اليقين بأنه بحاجة ماس إلى السنة، فيعطيها حقها من الإجلال والإعظام، سواء كان في الأخلاق، أو كان في الآداب، أو كان في الأقوال، أو كان في المناهج، أو كان في السلوك. حتى قال بعض السلف: «إن استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر، فافعل». لتعظيم السنة، اجعل حركاتك وسكناتك يا عبد الله كتابه على وفق ما جاء به نبيك عليه الصلاة والسلام. لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر. اجعلوا قدوتكم في عطائكم، وفي ملبسك، وفي أكلك وشربك، وفي نومك، وفي صيامك، تأسيًا به عليه الصلاة والسلام. حتى ألفت مؤلفات: «صفة صوم النبي عليه الصلاة والسلام»، تعرف كيف كان هديه في صيامه؟ صلوات ربي وسلامه عليه. إخواني في الله، وبهذا نعلم الخطأ، بل الضلال الذي ظهر في مثل هذه الأزمان، في حق أناس تبرموا من السنة: تشكيكًا، تهوينًا، تضعيفًا. تجد فئات من الناس، من الأغمار، لربما يأتي ويمسك السنة النبوية بطرف، يقول: «السنة يا أخي، أنا ما أعمل بها، أنا ما أعمل بها». إما تارة تشكيكًا في صحتها، ويرى أنها محل ضعف، وإما أنه يرى أن الاقتصار يكون على القرآن. وهذا ضلال. وإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه قد أوتي القرآن ومثله معه، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. وإن الإنسان لو عمل بهذا الذي في محيلته: أنه بإمكانه أن يقوم بالإسلام من غير السنة، فغفل. وأذكر من طرف ما ذكر، وكان ذلك يذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى عن بعض القرآنيين: فرقة ضالة تحسب نفسها أنها على هدى، وذلك بأنها تعمل بما في القرآن وتتجاهل السنة. فكان أحد هؤلاء من أئمة المساجد يصلي بالناس قرآنيًا، فجاءه من جاءه أراد أن يلقمه الحجة وأن يكبته. قال له: «يا عبد الله، أنت لا تعمل بالسنة، وإنما تعمل بالقرآن». قال: «نعم». قال: «فكيف أنت تصلي بالناس الفجر ركعتين، والظهر والعشاء والعصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا؟ أين هذا في القرآن؟ أنت الآن تزعم أنك قرآني، ما تباني بالسنة، ولا تعترف بالسنة. هأنت الآن تصلي هذه العداد من الصلوات، ما دليلك من القرآن يا قرآني؟» فإذا به فكر. قال: «موجود هذا في القرآن». انبهر صاحبنا. قال: «كيف موجود في القرآن؟ أيش من آية؟» قال: «﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾». ليش هذا الاستغفال؟ هذا الجهل بعينه، هذا الحمق، هذا الحمق. فالشاهد إخواني في الله: لا يمكن لأحد منا أن يقوم بهذا الدين من غير الرجوع إلى السنة. فمن خلال ما طرح، تعلم يا عبد الله أن الناس بحاجة، ولا بد إلى تطبيق سنة عليه الصلاة والسلام في كل شؤوننا، وفي حياتنا. ثانيًا: مما ذكر إخواني في الله، نعلم أن المسلم ينبغي أن ينصاع للسنة، وأنه يسلم أمره لها، فلا يقدم ولا يؤخر ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا، أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. لا تقدم بين يدي الله ورسوله إذا قضى أمرًا. فإذا جاء الأمر من نبيك عليه الصلاة والسلام، قل: «سمعنا وأطعنا». «إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم: أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون». جاءت امرأة إلى عائشة رضي الله تعالى عنها قائلة: «ما بال الحائض تؤمر بقضاء الصوم، ولا تؤمر بقضاء الصلاة؟» فنظرت إليها عائشة، فقالت: «أحرورية أنت؟» قد لا، وإنما أسأل. قالت: «نعم». واسمع إلى إجابتها: «نسأل نعم». شائكة: «لماذا؟ لماذا المرأة في رمضان تؤمر في فترة حيضها تؤمر بقضاء الصوم، ولا تؤمر بقضاء الصلاة؟» قالت: «كان يصيبنا ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة». انتهى الاتباع. ما هناك إخوان في الله فلسفة: أنك لا بد تدلل بالأدلة العقلية على كل شيء من أمور الدين. لماذا نفعل كذا؟ ولماذا جاء الإسلام بكذا؟ ولماذا أمر نبيه بكذا؟ لا تسأل. إن ظهرت لك العلة، فذكر، وإن لم تظهر، قل: «سمعنا وأطعنا». كما قالت عائشة: «نؤمر، تأتينا الأوامر من رسول الله، على عهده كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة». هذا الأمر الذي ينبغي يتربى به المسلم. ليس كهذه الأزمان إخواني في الله، عندما جاءتنا الحداثة والعلمنة والأفكار اللادينية، وعندما طرأ في مجتمعات تلك الأفكار الغربية المستلهمة من صوم بلاد الإلحاد، في التشكيك، أو ما يسمى بالفكرة العقلية: «أنا لا بد لكل شيء من عقل». لا يا عبد الله، عقلك ما يسع، عقلك ما يسع، عقلك نعم. قد يكون في أمور الدنيا يمكن، لكن في أمور الدين ما يمكن، لأن دين من رب الأرباب جل في علاه. ولا يمكن لأحد منا أن يتعرف على كل شيء من شريعة الله، علم من علم، وجهل من جهل. ولله الحكمة البالغة. ولما في صحيح مسلم: عندما جاء ذاك الرجل إلى رسول الله، قال: «يا رسول الله، إن أخي يشكو بطنه». قال صلوات ربي وسلامه عليه: «اسقه عسلًا». فذهب، فسقاه، لكن زاد، فرجع، قال: «يا رسول الله، إني سقيته عسلًا، فما زاد إلا استطلاقًا». فقال عليه الصلاة والسلام: «اذهب واسقه عسلًا». ذهب الرجل، ففعل، لكن الأمر يرى أن الأمر على خلاف الواقع، البطن زادت. فرجع، قال: «يا رسول الله، إني سقيته عسلًا، فما زاد إلا استطلاقًا». قال عليه الصلاة والسلام: «صدق الله، وكذب بطن أخيك، اذهب واسقه عسلًا». قال: «فسقاه فبرئ». فسقاه فبرئ، وشفاه الله وعافاه. لكن ينبغي إخوانا أن تذعن في كل ما يأتيك عن خبر الله، وعن خبر رسوله عليه الصلاة والسلام. يمكن العقل أن يدخل، يدخل. جاءت ما يثيره هؤلاء الغربيون، وكذلك أذنابهم في مثل هذه الأزمان، ما يتعلق بموضوع الذبابة: إذا انغمس في الإناء؟ إيش هذا؟ عندك قدرة على أن تتقبل هذا؟ تقبل، ما عندك قدرة؟ لا تشكك، لا تتبرم، لا تتذمر، لا تتذمر من سنة نبيك عليه الصلاة والسلام. إذا استطعت أن تفهم ذلك، فافهم ما استطعت. عبد العظيم السنة، عظم السنة. إخواني في الله، إن من خلال ما ذكر من ضرورة العناية بالسنة، نعلم ضرورة إغلاق باب المحدثات، وباب البدع والضلالات. ما هناك عندي بدعة: لا حسنة، ولا بدعة حميدة، ولا بدعة سيئة، بل البدع كلها مذمومة. لأننا كفرنا بالسنة، أتانا نبينا عليه الصلاة والسلام بكل خير، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «ما من نبي إلا وأتى أمته بخير ما يعلموا لهم». ما من نبي، ومنهم نبينا صلى الله عليه وسلم، ما خبأ شيئًا، ولا اختزل عنا معروفًا، كل الذي يعلم أعطانا إياه. فعلى ما إخواني في الله نعقب على سنته، فلا تعقب ما أتاك به نبيك، افعل زيادة عن ذلك، ما نبالي بها، ولا نكترث، فضلًا أن نجعلها دينًا، فضلًا أن نجعلها دينًا. وقد غضب عليه الصلاة والسلام من أقوام أرادوا أن يتعقبوا على سنته، كحديث الثلاثة الذي قال: أحدهم: «أما أنا فأصوم ولا أفطر». وقال الآخر: «وأما أنا فأقوم ولا أرقد». وقال الثالث: «وأما أنا فلا أتزوج النساء». لما كانت هذه الأعمال الثلاثة على خلاف سنته، قام نبينا بين أصحابه: «ما بأل أقوام يقولون كذا وكذا؟ أما إني أتقاكم لله، وأخشاكم له، أما إني أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». براءة، براءة ممن أراد أن يحدث في الدين ما ليس منه. ولهذا كان جزاء الشرع في أمثال هؤلاء: أن أعمالهم ترد على وجوههم. قال عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». إذا علمت هذا، فلننظر إلى أحوال أناس في رمضان خاصة، خرجوا عن السنة، لكن إلى أين؟ إلى البدعة. غيروا، قد قال بعض السلف: «ما قامت بدعة إلا على أنقاض سنة». إذا رأيت بدعة ظاهرة، اعلم أن هذه البدعة ما قامت إلا على ظهر سنة، سنة موجودة، أميتت، أزيلت، دفنت، ثم ظهرت البدعة. وهذا من الشؤم على الدين أن تأتي مثل هذه المحدثات على أنقاض ما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام. فاحذر يا عبد الله من البدع، واعلم أن رمضان هو موسم من المواسم العظيمة الذي يتربى فيه أهل الإسلام على التمسك بسنة النبي عليه الصلاة والسلام. أكتفي بما ذكر، أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.