الدرس في 22 فضائل الأعمال في شهر الصيام - كف الأذى، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل أهمية كف الأذى عن الناس واعتباره من فضائل الأعمال في الإسلام، ويشير إلى أن كف الأذى يعد صدقة على النفس. كما يستشهد بأحاديث نبوية تؤكد أن كف الأذى من علامات إسلام الإنسان الكامل.
يتناول هذا الفصل الأصناف التي يجب الكف عن أذيتهم، مثل رسول الله والوالدين والأولاد، ويستشهد بالأحاديث النبوية التي تحث على ذلك. كما يشدد على أهمية بر الوالدين ومعاملة الأولاد باللطف.
يتناول هذا الفصل أهمية كف الأذى عن المسلمين، ويشمل ذلك كف الأذى عن الأبناء والزوجين والجيران. كما يستشهد بالأحاديث النبوية التي تحث على هذه الأخلاق الحميدة في الإسلام.
يختتم هذا الفصل الدرس بالتذكير بلقاء مفتوح بعد صلاة العصر مع الشيخ أبي همام حفظه الله، موضحًا أهمية هذا اللقاء.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لازلنا إخواني في الله في هذه المقامات، وفي مثل هذه الأوقات نتدارس وإياكم فضائل الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها أهل الإسلام، وخاصة من كان من أهل الصيام في شهر رمضان. وإن العمل الذي سأذكره في هذا اليوم يعده من فضائل الأعمال، ألا وهو كف الأذى. وقبل الشروع في الموضوع، تذكرت الآن هنا إعلان عن لقاء مفتوح سيعقد هذا اليوم بإذن الله بعد صلاة العصر في هذا المسجد. واللقاء المفتوح سيكون مع أخينا شيخ أبي همام عبد الله بن علي باسعد حفظه الله تعالى ورعاه وسدد ربي على الخير خطاه. اللقاء المفتوح سيكون هذا اليوم بعد صلاة العصر، وعبارة عن أسئلة، وما من أحد إلا وله استفسارات وإشكالات، وخاصة في شهر الصيام المليء بالأحكام، ناهيك عما سيأتيك من مسائل الاعتكاف، من مسائل التهجد والقيام، من مسائل زكاة الفطر، من أحكام الأعياد. فكل ذلك من المسائل التي تحتاج إلى علم وفقه. فإن شاء الله من كان عنده سؤال أو استشكال فليكتبه ويجعله معدًا حتى يعرض على الشيخ حفظه الله تعالى. وأخونا شيخ أبي همام من أهل الفضل ومن أهل العلم، أعطاه الله علما جما وفضلا كثيرا. فالله الله في مثل هذه اللقاءات أن تستغل بالاحتفاف، وهكذا بطرح الإشكالات، مواصلة الإخوان في الله. وحديثي وإياكم في هذا المقام حول كف الأذى، كف الأذى مر معنا في درس أمس من فضائل الأعمال. من فضائل الأعمال بذل الندى، وإن بذل الندى مع كف الأذى لربما يكون من الصفات المتلازمة، حتى ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى قوله: أن الله جل وعلا وصف أهل الجنة بوصفين اثنين، ببذل الندى وكف الأذى. وإن كف الأذى إخواني في الله له علامة من علامات إسلامك. قال عليه الصلاة والسلام: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». قال العلماء: المسلم أي المسلم الكامل، أي أن الناس يسلموا من أذيتك بلسانك وأقوالك وأفعالك. وجاء في الصحيح من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه أنه سأل نبينا عليه الصلاة والسلام: أي الأعمال أفضل؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إيمان بالله وجهاد في سبيله». قال: يا رسول الله، فإن لم أفعل؟ قال: «تعين صانعا أو تصنع لأخرق». قلت: يا رسول الله، فإن ضعفت عن العمل؟ قال: «فتكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك لنفسك». فهذا الحديث إخواني في الله من مسائله أولا: بيان على أن كف الأذى من الأعمال الصالحة، بل هي صدقة تريد أن تتصدق، كف شرك عن الناس، فكأنك تصدقت على نفسك. والفائدة الثانية المرجوة من هذا الحديث: أن الأصل في الإنسان يبدأ بالأول، وهو بذل الندى، هذا الأصل أن يكون الإنسان في مجتمعه معطاءا، يعطي خيرا، يعطي دلالة، يعطي إرشادا، يكون فاعلا مساهما للخير بأي باب من أبواب الخير. فإن لم يستطع على بذل الخير، حينها ينتقل للدرجة الثانية، وهو أن يكف شره عن الناس. ومما يدلك على أهمية كف الأذى في شرعنا: أن من حقوق المسلمين بعضهم على بعض، قال عليه الصلاة والسلام: «إياكم والجلوس في الطرقات». قلنا: يا رسول الله، مجالسنا ما لنا بد نتحدث فيها. فقال عليه الصلاة والسلام: «فإن أبيتم فأعطوا الطريق حقه». قال: وما حق الطريق؟ قال عليه الصلاة والسلام: «غضوا البصر، وكفوا الأذى، وردوا السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». الشاهد أن من حقوق المسلمين عليك أن لا تكون يا عبد الله مؤذيا لهم. وجاء كذلك من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ارتقى على منبره فقال: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين». إياك يا عبد الله أن تكون مصدر إزعاج ومصدر أذية لأحد من عباد الله. إذا علمنا من خلال هذه الدلالات عظيم هذا العمل: أنك يا عبد الله تختزل وتحتجز الشر لنفسك، ولا يتعدى إلى غيرك، تأتي مسألة مهمة جدا، ألا وهي: عن من تكف أذاهم؟ الأصناف الذي ينبغي أنك تكف عن أذيتهم هو كل خلق الله، كل خلق الله، لكن من باب التعين بدءا بصاحب الجناب نبينا عليه الصلاة والسلام، إياك أن تؤذيه. لأن من الناس من يؤذي رسول الله، كما قال ربنا: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. فأخبر ربنا جل وعلا أن من الناس من يؤذي رسول الله. وقد ذكر الإمام السعدي رحمه الله تعالى عند هذه الآية: أن هذا يشمل كل أذى قولي أو فعلي، قال: من التنقص لدينه، أو القيام بشتمه عليه الصلاة والسلام. وإن مما يدخل من أذيته عليه الصلاة والسلام: الخروج عن سنته، الخروج عن سنته نوع من أنواع أذيته عليه الصلاة والسلام، حين يرى أن فئاما من الناس أدبروا، أعرضوا عن هديه، وأخذوا بهد وطريق ابتكروه من عند أنفسهم. ولهذا يوم القيامة إذا حشر الناس في أرض المحشر، ونصب الحوض المورود، وجاءت الأمة الإسلامية عن بكرة أبيها كلها تحن إلى الحوض، لأن من شرب منه لم يظمأ بعده أبدا. قال عليه الصلاة والسلام حينها: «ألا ليذادن أقوام عن حوضي، يذاد يمنع». فأقول: أمتي أمتي. فيقال لي: يا محمد، إنك لا تدري ما أحدث بعدك. وفي رواية: إنهم غيروا وبدلوا. فاحذر يا عبد الله من التغيير. قال لسول الله: قال فأقول حينها سحقا سحقا سحقا لمن بدل وغير. يغضب عليه الصلاة والسلام من التبديل في سنته، ومن التغيير في هديه. فما لك يا عبد الله إلا طريق أوحد: التمسك بالسنة. كذلك مما ينبغي أن تكف عن أذيتهم: الكف عن أذية الوالدين، لا يصدر منك أي أذى لأحد الوالدين، وهذا بنص القرآن، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾، لا أف ولا نهر. قال العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾: نهي عن أي أذى قولي، ما يخرج منك أي أذى قولي، لا غضة في الكلام، لا سب، لا شتم، لا نهر، حتى كلمة أف لا تخرج منك. نهاك ربك على أن تتأفف عند والديك، هذا أف. نهي عن أي إذى قولي. قال: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾. قال العلماء: فيه النهي عن الإذاء الفعلي، أي أذى فعلي لا يصدر منك، من رفع اليد عليهما، أو من قفل الباب اقفال الباب في وجوههما، أو بدفعهما. حتى أدخل العلماء تحريك اليد، وهذا كثير ما نراه، الأسف إذا وجد الإبن أن الوصايا وصايا الوالدين ما كانت على مزاجه، وأراد أن يتبرم، هذه تحريكة اليد هذه على الهوى، ليست فيهما على الهوى، هذا يعد من العقوق، لأن هذا من النهر. فلا تصدر يا عبد الله لا أذى قولي ولا فعلي في تعاملك مع الوالدين، بل كف شرك عنهما. حتى قال العلماء: بل حتى الأذى المعنوي، فلا تكن مصدر حزن وإدخال الهم والغم والضيق والحرج عليهم. قال ابن عمر: بكاء الوالدين من العقوق، بكاء الوالدين من العقوق. فلا تكن يا عبد الله مؤذيا لأحد الوالدين. كذلك يا عبد الله لا تكن مؤذيا لأولادك بالشدة عليهم والغلظ عليهم، بضربهم. حتى سمعنا من بعض الآباء لربما من يستخدم أدوات التعذيب مع أبنائه، بالصياط، بالحبال، بالرمي بالنعال، وبالعصي، وبقطبان الحديد مع أولادهم صغار. فإن ذلك من الأذى الذي ينبغي أن تكف عن أولادك. ومن ذلكم أن تتجرى على الدعاء عليهم. قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث لا ترد دعوتهم»، منها: «دعوة الوالد على ولده». لا تدر عليه، انتبه لأنها إذا وجدت بابا مفتوحا استجيب لك. فبعض الآباء وكذلك الأمهات من لربما حين غضبها تصد الدعوات، ثم تندم، لكن في وقت لا ينفع فيه الندم. كم من أب قال لابنه في ساعة غضبه: أخرج لا ردك الله إلينا. فوالله ما رجع ما رجع إلا بالنعي، ابنك أصيب بحادث. ثم بعد ذلك تبكي، أنت الذي قتلت بدعوتك، أنت الذي أصبته بهذه الدعوات الجائرة. ولهذا نهى نبينا عن ذلك: «لا تدعو على أنفسكم، ولا على أولادكم، ولا على أموالكم». كذلك من كف الأذى يا عبد الله: كف الأذى في الحياة الزوجية، لأن الزوج يؤذي زوجته، ولا الزوجة تؤذي زوجها، بل ينبغي يبقى الاحترام والإجلال والود والوئام بين الأطراف. فالمرأة ينبغي أن تعلم عظيم حق زوجها عليها، فلا تقصر ولا تؤذيه. جاء في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: قاتلك الله، قاتلك الله، لا تؤذيه، إنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك». انظر لغيرة الحور العين على زوجها. فتعلم المرأة أن هناك زوجة أخرى في الجنة تنتظر هذا الزوج، فلا تؤذيه. ومقابل ذلك، فإن الزوج أيضا لا يؤذي زوجته، لا يتعداها، مستغلا ضعفها، وأنها تحت امرته، فيستغل ذلك بأن يضغط عليها بأنواع الضغوطات. ولهذا سئل عليه الصلاة والسلام: ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال عليه الصلاة والسلام: «أن تطعمها إذا طعمت، وأن تكسيها إذا اكتسيت، ولا تقبح، ولا تهجر، ولا تطرد إلا في البيت». انظر لهذه الآداب السامية في عشرتك لزوجتك. ابدأ يا عبد الله ببذل الندى، أطعمها، لبسها، أطعمها مما تطعم، وألبسها مما تلبس، تكون مشاركة معك. فإذا عجزت عن ذلك، فلا تقبح، لا سب، ولا شتم، ولا تقبيح، ولا هجر، ولا طرد. هذا من في يا عبد الله في الحياة الزوجية. وهكذا إخواني في الله، من الأذى أنك تكف أذاك عن جيرانك، فلا تؤذي أحدا ممن قد جاورك في سكناك. ولنعبر بتلك المرأة التي تكثر من صلاتها وصيامها، إلا أنها تؤذي جيرانها بلسانها. قال عليه الصلاة والسلام: «هي في النار». مع أنها مصلية، مع أنها صائمة، قائمة، إلا أنها مؤذية لجيرانها. كذلك يا عبد الله، عامة المسلمين، لا تؤذي أحدا من أهل الإسلام، تعرفه أو لا تعرفه، من قرب منك أو من بعد، ذكرا كان أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، لا تؤذي أحدا. والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا، إثم عظيم. أنك تتجرى على أذية مسلم، تنقص عليه في حياته، تكدر عليه لياليه، جريرة عظيمة. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يؤذي المؤمن». والله يكره أذى المؤمن، والله يكره أذى المؤمن، يكره الله عز وجل هذه الأفعال التي مردها إلى أذية المسلمين والمسلمات. فالحاصل إخواني في الله: أن هذا الباب من أعظم أبواب الدين، أنك تكف عن أذية المسلمين، وخاصة وأنت في رمضان. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إذا كان صوم يوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم». انظر إلى قمة كف الأذى، وهذا في حال صيامك. وإن كان رمضان يربينا في هذا الشهر العظيم أن نتعود على مكارم الأخلاق وعلى محاسن الآداب، وأن نكف الأذى عن أهل الإسلام. ثم إذا قضى رمضان كنا على هذا المنوال. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم. وهذا تذكير أخير كذلك بلقاء المفتوح لهذا اليوم بعد صلاة العصر مع أخينا الشيخ أبي همام حفظه الله تعالى ورعاه.