27 فضائل الأعمال في شهر الصيام - زكاة الفطر

27 فضائل الأعمال في شهر الصيام - زكاة الفطر

الدرس في 27 فضائل الأعمال في شهر الصيام - زكاة الفطر، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في زكاة الفطر وفضائلها

يُشدد على أهمية زكاة الفطر في شهر رمضان كشعيرة عظيمة تُخرج في آخر الشهر وتُعد طهرة للصائم. يُبين أن رمضان كله رحمة ومغفرة وعتق من النار.

معنى زكاة الفطر وأحكامها

زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وتغسل من ذنوب الصائم، وهي طعمة للمساكين. يُشرح أهمية إخراجها طعاما وليس نقدا.

تفاصيل أحكام زكاة الفطر وإطعام المساكين

يُبين أن المسكين هو من عنده مال ولكن لا يكفيه، ويحذر من التلاعب في زكاة الفطر بإخراجها للحيوانات أو تبادلها كهدايا بين الأغنياء.

خاتمة وتأكيد على أهمية المسألة

تم التأكيد على أهمية المسألة المطروحة ووجود تفاصيل متعلقة بها، وختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، وإن من فضائل الأعمال التي ينبغي أن يتقيد بها أهل الإسلام، وخاصة ونحن في مثل هذه الأوقات، ما يكون من إخراج زكاة الفطر، إذ أنها من خصائص رمضان، لا تشرع في أي زمن من الأزمان. ولا شك ولا ريب أن زكاة الفطر، إخواني في الله، تحتها مسائل كثيرة وتفريعات عديدة، لكن في هذه المجالس نحرص كل الحرص على التنبيه على المسائل التربوية الاجتماعية، بعيدًا من ذكر المسائل الفقهية. فإن الأمر يطول، وإن مما أحب أن أنبه عليه إخواني في الله أمام هذه الشعيرة العظيمة من شعائر الدين، ألا وهي زكاة الفطر أو صدقة الفطر، أنها من الأعمال العظيمة التي رغب فيها الإسلام وحث عليها، حتى أندم العلماء من نزل قول الله جل وعلا ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ أي زكاة الفطر، كما نقل هذا عن عكرمة، وما هو عن غيره. ودل ذلك على أن إخراج الزكاة من أعمال المفلحين من عباد الله المتقين. ومن هنا، إخواني في الله، إذا علمنا فضيلة هذه الخصيصة، وهي زكاة الفطر، أن موعدها في آخر رمضان، إما أن تخرج قبل خروجك إلى المصل العيد، ولا بأس أن تخرجها قبل العيد بيوم أو يومين أو ثلاث، كما نقل هذا عن سلفنا. فهي من أواخر ما يفعل في شهر رمضان. فإذا علمنا هذا، إخواني في الله، علمنا لفائدة عظيمة، ألا وهي أن الخير باق في هذا الشهر حتى في الرمق الأخير، حتى في آخر أيامه. فرمضان من أوله إلى آخره شهر قد أملأه الله عز وجل بالفضائل والمناقب. في آخر رمضان تخرج زكاة، تخرج صدقة تؤجر عليها، تصل بها، يا عبد الله، إلى الدرجات العلا. ومن هنا، إخواني في الله، نعلم ضعف الحديث الذي يذكر في أيام رمضان، من أن أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار. هذا الحديث من الناحية الإسنادية ضعيف، كذلك من حيث المعنى. بعضهم يحاول أن يدندن بهذا الحديث في بيان فضائل رمضان، لكن لو نظرت بعين اعتبار، تجد أن ليس في ذلك فضائل، بل هذا فيه تقليص لفضائل رمضان. لأنك تقول بأن رمضان أوله رحمة، وبقية الشهر إيش؟ وقال قولك أوسطه مغفرة، وأوله، وآخره ما هو؟ أليست زكاة الفطر من آخر رمضان؟ أليست هي طهرة؟ وليست الطهرة من وسائل المغفرة؟ بلى، الطهرة مغفرة. إذن هو في آخر رمضان، وكيف يقال أوسطه مغفرة؟ وقولك وآخره عتق من النار، كيف يتأتى هذا، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم من أيام رمضان إلا ولله عتقاء من النار». ما من يوم من أول ما يدخل رمضان علينا، ولا ولا زال العتق يعتق ربنا جل وعلا من عباده من شاء جل في علاه، إلى أن ينتهي. فهذا الحديث، إخواني في الله، مع شهرته، فهو معلول سندا، وهكذا معنى. بأن رمضان أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، لا، بل قل: رمضان من أوله إلى آخره رحمة، ومن أوله إلى آخره مغفرة، ومن أوله إلى آخره كله عتق من النار. هذه الفضيلة، هذه الفضيلة. فالشاهد، إخواني في الله، أن زكاة الفطر، وهي من أنواع المغفرة، جعلها ربنا جل وعلا في آخر رمضان، إشارة وبيان إلى فضيلة هذا الشهر المفضال، أن الله جل وعلا نوع فيه أنواع الكرامات، بدءا وختاما. فأحمد الله، إحمد الله، يا عبد الله، على هذه الشعيرة، أنحباك الله بطول الأعمار لكي تتقلب بين لياليه وأيامه. إخواني في الله، إن كان من حديث عن زكاة الفطر، نذكر ما جاء في السنن عند أبي داود، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين». نقف قليلا عند هذا الحديث، إذ أن فيه إشارات إلى مسائل عظيمة، يجدر أن نقف عندها. فقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «فرض رسول الله» فيه بيان لمسألة حكم الزكاة، وأنها واجبة، واجبة تجفي ذمتك في إخراج هذه الزكاة. وقد نقلت الإجماعات الكثيرة من أهل العلم على وجوبها. إخواني في الله، أتى رمضان، وكان من معالمه الجود والكرم والسخاء والبذل والعطاء. وقد مرت معنا في دروس خلت، دروسا خاصة متعلقة ببذل الجود، وعلمنا أن رمضان يهدف لهذا، إلى أن يكون المسلم في رمضان معطاء، يعطي، ينفق. فلا يزال الشرع يحث الخلق على هذا الباب، إلا أن أناسا مننا، إخواني في الله، لربما ابتلاهم الله بالشح، وابتلاهم الله بالبخل، فلا زالت يده ممسوكة، ولا زالت يده مقبوضة، لا ينفقها، لا يمدها بالخير. فها هو رمضان ينقضي يوما بعد يوم، ذهب الشطر الأول، ثم ذهب الشطر الثاني، وها نحن في الشطر الأخير منه، وصاحبنا يده مقبوضة، ما أراد أن يضرب بسهم في باب الجود والعطاء. لكن تأتي زكاة الفطر، فتضرب على يده، فيضطر إلى أن ينفق، غصبا، ولزما، ينفق وجوبا، لا اختيارا، ليس هناك محظة إرادة لك، وإنما تنفق، يا عبد الله. وهذا الحكم على الجميع، ما أحد يستثنى من ذلك، الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والعبد والحر، كل. فمعنى هذا، إخواني في الله، ما سيخرج رمضان إلا وكلنا، كلنا قد بذلنا في هذا الشهر المفضال، إما من متاعه، وإما من ماله، أو ما يكون من طعامه. ولابد غاية عظيمة، شريعة نبيلة، حين عبد الله، حينها فقط ستستشعر بعظيم فضل الصدق والنفقة، وما يكون من فضيلة العطاء للغير. تجد من راحة البال، وانشراح الصدر، تجد البسمة والفرحة بيد المحتاجين، عندما يستلمون منك هذا الطعام. حينها ستعلم الغفلة العظيمة، كيف هذا الشهر مر عليك بأكمله، وما أنفقت ولو القليل، ولو بشق تمرة. فالحاصل، إخواني في الله، أن من الغايات العظيمة من زكاة الفطر، وأنها فرض فرضه الله على العباد، أن الكل ينفق، ولابد. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «فرض رسول الله زكاة الفطر طهرة للصائم» طهرة، بمعنى تطهير، تطهير لك من ذنوبك، من عيوبك، من أخطائك، من زلاتك. جاء في الحديث «طهرة للصائم من اللغو والرفث». اللغو هو الكلام الذي لا فائدة فيه، ولا طائلة تحته، هدرة تتكلم، تتكلم، تمر عليك الساعات وأنت في رمضان، لربما تنطلق قد مجارس على الكلام الفارغ. أو تطهير من الفحش، من اللغو، وهكذا من الفحش، وهو الكلام البذيء. من اللغو والرفث، ومنه الفحش، أن تتكلم بكلام بذيء، يدخل في ذلك السب، يدخل في ذلك الشتم، يدخل في ذلك اللعن. قد يقع هذا في رمضان، أثناء حدة الأعصاب، مع ساعة غضب، أو تعامل مع الغير، مع الأهل، مع الأزواج، مع الأولاد، مع الأقارب، مع الجيران، مع الباعة، ترتفع الأصوات، ولبما يقع فيه شيء من المهاترات، زلل. فتأتي هذه الزهقانة، فتغسل، تنظف ما كان من زلاتك، ومن عيوبك. «طهرة للصائم من اللغو والرفث». وهنا أحب أن أشير إلى مسألتين من المسألة التربوية العظيمة. أولاها، يا عبد الله، «طهرة للصائم»، إذا علمنا هذا، علمنا أن الإنسان سيحصل منه تقصير، ولا بد، التقصير حاصل. ما هناك أحد منا معصوم. ما هناك أحد منا سيضرب على صدره ويقول: رمضان، ولله الحمد، قد أديت كما أراد الله. ما تستطيع لصعوبة الاستقامة على ما أراد الله، ولضعف النفس البشرية. ضعفا يحصل فينا من العز والتقصير، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «كل ابن آدم خطاء». ما أحد يخرج من هذا خطاء، صيغة مبالغة، يقع منه الخطاء تلو الخطاء، في رمضان، وفي غير رمضان، يقع من الأخطاء والزلات. بل قال عليه الصلاة والسلام: «استقيموا، ولن تحصوا». من حيث الاستقامة، نحن أمرنا بها، الاستقامة على الطاعات، الاستقامة على الواجبات، الاستقامة على أداء الصلاة، الاستقامة على أداء رمضان، الاستقامة على ما أراد الله. لكن «ولن تحصوا»، يعني: كونك تستقم، هل ستصل إلى مراد؟ لا، ما تصل. الإنسان يضعف، قليل الكمال عزيز، كما يقول العلماء. فلما كان كذلك، إخواني في الله، يقع من الخلل والزلل، فتأتي هذه الكفارة، فتمحو عن عيوبنا، وعن هناتنا. وبهذا نعلم، يا عبد الله، أن لا تغتر على الله، لا تغتر على الله بعباداتك، ولا بطاعاتك، تغتر على الله بماذا؟ بصيامك الذي هو مخدوش، تتألى على الله جل وعلا بقيامك الذي لربما ثلثه، إن لم يكن شطره، قد ذهب سرحان في أفكار يمنة ويسرة. على ماذا تغتر على الله؟ يمنون عليك أن أسلم، قل: لا تمن علي إسلامك، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان. الله جل وعلا هو الذي يمن على خلقه، أما أنت لا تمن على ربك. إذا انتهى رمضان، يأتي من يأتي مع أصحابه، يقول: الحمد لله، أنا رمضان كله صمت، أنا رمضان كله قمته، أنا رمضان كله... وهو يريد بذلك لا التحدث بنعمة الله، وإنما يريد بذلك الاغترار على الله. أي: معنا من أنا؟ أنت لا شيء. فمن خلال زكاة الفطر، الذي فيها تطهير للصائمين، إشارة إلى أن الضعف والتقصير حاصل، فلا تغتر على الله، يا عبد الله، بعباداتك. الفائدة الثانية من قوله عليه الصلاة والسلام: «طهرة للصائم»، فيه إذا علمنا بفائدة زكاة الفطر، وأنها تغسل من ذنوبك، وتطهر من عيوبك. حين، يا عبد الله، عندما تدفع هذه الزكاة، ادفعها وأنت فرح، تدفعها وأنت تحمد الله، ليل نهار، أن جعلك هذه الزكاة. لماذا؟ لأنها عوض عما وقع من تقصيرك. تخيل لو أنك في رمضان وقعت في سب، وقعت في مشاحنة، وقعت في مهاجرة، في مهاترات، وسباب، وشتام، ولعن. وما هناك عوض، حين ستعلم أنك هالك لا محالة، واللهم استر، اللهم استر، يا رب. ستأتي يوم القيامة برمضان وقد لطخ، لطخ بالهنات والزلات. لكن عندما فتح الله لنا زكاة الفطر، علمت أن في ذلك عوض، بأنك ستغسل هذا. يعطى لك مواد تنظيف، تنظف ما كان من أوساخك. وهكذا قل: زكاة الفطر، حتى أن من العلماء من شبه زكاة الفطر، قال: هي كسجدتي السهو في آخر الصلاة، جبرانا للنقص الحاصل في الصلاة. تصلي، أخطأت، هل هناك إدراك؟ نعم، سهو، فسجودك للسهو في آخر الصلاة جبر للخطأ. وهكذا قل في زكاة الفطر، قبل أن تنتهي من رمضان، وقبل أن تنفض هذا الموسم الكريم، تعطى لك الفرصة الأخيرة، زكي، يا عبد الله، زكاة الفطر، فتغسل عما ضاع من أوقاتك، عما كان من قيل وقال، وسب، وشتائم. حينها نعود فنقول: إذا أخرجت الزكاة، احمد الله، احمد الله، تخرجها وأنت منشرح، بأن الله أعطاك عوض عما وقع من تقصيرك. لا حالك كحال كثير من الناس، وللأسف، في تعاملهم لزكاة الفطر، لربما البعض يسعى إلى إسقاطها، يسعى إذا جاء الزكاة الفطر، أصبح يفكر، يسأل: يا أخي، أنا والله ما عندنا في البيت شيء، وإحنا والله محتاجين، وإحنا والله عندنا ديون. كل ذلك في السبيل، لا تخرج. ما الذي يفيدك؟ لا تخرج. أنت ما استفدت شيء، ما استفدت شيء، سوى أنك تخبئ شيء من الحبوب، بمقابل أن صومك مخدوش. قل لي بربك، يا عبد الله، أيهما أفضل لك؟ أنك تلقى رمضان كاملا موفى، مقابل أنك تخلص شيء من طعام، أو أنك تستلم رمضان يوم القيامة وقد خدش، مقابل أنك احتفظت على دقيق. حاق، إخواني في الله، لا ما يفكر بهذا التفكير. قل: لا، والله، سأدفع، لا أقول صاع، بل آصاع، بل جواني، إذا كان هذا في ضماني أني أن رمضان يسلمني، هذا المطلوب. لهذا، يا عبد الله، إياك، إياك أنك تسعى في إسقاطها، أو أنك تستعظم ثمنها. تستعظم ثمنها، كم منكم في البيت؟ قالوا: سبعة، إذن سبعة، سبعة آصاع، يضربها كبير، لكن إيش مبلغ هذا؟ فيستعظم، فلا زال يفكر من أين يدبر هذا المبلغ، وهو عنده، لكن يبخل، يستعظم ثمنها، أو أنه يستشكل، أو أنه يتذمر إذا خرجت. وإذا دفعها، لازال قلبه يحترق على ما مضى من هذا الرز، أو ما خرج من دقيق. لماذا تفعل هذا، يا عبد الله؟ طهر لك، طهر لك. فوالله لو علم الناس بفضيلة زكاة الفطر، أنها تغسل من عيوبنا، لكان هذا لا شيء، وهو الصاع، يا عبد الله، لا شيء أمام عظيم الثمر الذي تجدها عند ربك جل وعلا، في أن يحفظ عليك صومك. فتجده يوم القيامة ماثلا أمامك، لا هضم، ولا خروج عن شيء من طاعاتك. إخواني في الله، ثم قال عليه الصلاة والسلام، كما في حديث ابن عباس: «وطعمة للمساكين». وطعمة، من حكمة زكاة الفطر، أنها طعمة للمساكين، وفي ذلك إشارة إلى مسألة المواساة للغير، وأنك تهتم بعامة أهل الإسلام ممن هم حولك. وقد مرت معنا كذلك دروس خلت في مسألة بذل الندى، وكيف أن الله جل وعلا قد رقب في هذا المقام، أنك تعطي الغير من الخير الذي حباه الله لك. وأن الله جل وعلا يعامل العباد على حسب تعامل العباد بعضهم لبعض. فمن أحسن إليهم، أحسن الله إليه، ومن سترهم، ستره، ومن يسر أمورهم، يسر الله أمره، ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. تستشعر، يا عبد الله، هذه المعاني، وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «وطعمة للمساكين»، هذا متى يأتي؟ يأتي بعد قضية التطهير. «طهرة للصائم، وطعمة للمساكين»، إشارة على أن المسلم قبل أن يحرص على إصلاح غيره، يبدأ أولا في إصلاح نفسه. طهر نفسك، أنت الأساس، في مسألة إصلاح المجتمع، والدعوة إلى الله جل وعلا، ابدأ بنفسك، أصلحها، أصلح نفسك، يا عبد الله، طهر نفسك من الذنوب، والخطأ، والزلل. ثم بعد ذلك اعتني بمن هم حولك، ابدأ بنفسك، فانهها عن غيها، ثم، يا عبد الله، انشر خيرك لغيرك. وفي هذا الحديث «طعمة للمساكين»، فيه شاء إشعار لفضيلة إطعام الطعام. وقد مرت للمعنى مجالس كذلك، تكلمنا فيه حول مسألة إطعام الطعام، وما يتعلق بفضيلته، وما يتعلق كذلك بصوره. وهذا الحديث من هذا الباب، «طعمة» أي إطعاما للمساكين، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أحب العباد إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينه، أو تطرد عنه جوعا». إطعام الطعام فضيلة عظيمة في الإسلام. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «طعمة للمساكين»، دل على أن الجهة التي أنت مأمور بها هو الإطعام، لا سوى. وتأتي مسألة ما يتعلق بإخراج المال، لا يجوز، ولا يجزئ. ولما قيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى: أن أناسا ذهبوا إلى قول عمر بن عبد العزيز في إخراج زكاة الفطر نقدا، فقال رحمه الله تعالى متعجبا: «كيف يدعون قول رسول الله، ويذهبون إلى فلان وفلان؟ ما ينبغي هذا، قد جاء في صريح السنة على أن النبي أمر بالإطعام، فلا تتعدى إلى غيره». وهكذا نقل عن إمام مالك رحمه الله تعالى، عندما سئل عن مسألة في أن رجلا في موضع ليس عنده طعام، فهل يخرج دنانير؟ فقال: «لا، والله». قال: «لا، والله»، ثم استشكل أمرا ما، قال رحمه الله تعالى: «إذا لم يكن عنده طعام، فعلى أي شيء يأكل هم؟» فرضوا له مسألة أن إنسان في مكان ما عنده طعام، يخرج دنانير، قال: «لا، لا يخرج دنانير». ثم فكر، قال: «طيب»، قال: «إذا لم يكن عنده طعام، فعلى ماذا يأكل؟» هذه مسألة، إذن ما هي فرضية أصلا؟ مسألة جدلية، لأن ما من إنسان إلا هو يحتاج إلى طعام، إذن هذا الطعام اخرجوا زكاة، اخرجوا زكاة. فقول عليه الصلاة والسلام: «طعمة»، دل على أنك، يا عبد الله، مطالب بإخراج الطعام، ويكون من غالب قوة البلد. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «طعمة للمساكين»، فيه بيان أن أهل المسكنة هم الذين تدفع لهم هذه الزكاة. والمسكين هو أرفع حالا من الفقير، الفقير المعدم الذي ما عنده شيء، أما المسكين فهو الذي عنده، لكن لا يكفيه. وأكثر الناس هذا وصفهم، عندهم لربما موظف، عنده راتب، لربما رجل عندهم محل، لربما شخص عنده سيارة، لربما شخص عنده قارب، عندهم، لكن ما يكفيهم، تتراكم عليهم الديون، وتعجز هذه الأشياء عن توفير متطلبات الحياة. فإذا وجدت رجلا ما عنده، لكن الذي عنده ما يكفي، هذا مسكين، فيعطى، فيعطى من زكاة الفطر، ويعطى من زكاة المال، على شكل العموم، على وجه العموم. وبهذا نعلم، إخواني في الله، إذا أن النص بين على أن زكاة الفطر تكون للمساكين، علمنا خطأ من يدفع الزكاة لغير هذا الوصف، فيجعلها مثلا بابا للمجاملة والمحابة، أو قل بابا لتبديل الهدايا، لتبديل الهدايا. يأتي وقت الزكاة الفطر، يا فلان، اعطي أم فلانة، اعطيها، فيعطيها، وأم فلانة تعطي لي، أم فلان، أم فلان يعطي لأم فلان، وهكذا يتبادلون المجاملات. طب هذا التقسيم على أي معيار؟ هل على معيار المسكنة؟ أم على معيار المجاملة، أو المحابة؟ لا، ما يجوز، ما يجوز أن تحابي، يا عبد الله، في زكاة الفطر، فإنها زكاة، وأنت ملزم بإخراجها لأهل المسكنة. حتى أن من العلماء من التابعين من شدد في أمر الزكاة الفطر، وأمر للمزكي أنه هو الذي يقوم بصرفها، ولا يوكل أحد. لكن قال علماء: إذا كان التوكيل لثقة، لا بأس. لكن من العلماء أغلق هذا الباب، قال: أن تقم، وانظر إلى أحوال أهل المسكنة. وكما قلنا: وليس من شرط المسكين أن يكون معدما، بل قد يكون صح جارك عنده عمل، لكن ما يكفيه، هذا مسكين، فلا بأس. إذا كان جارك، أو كان قريبك، عندهم، لكن ما يكفيهم، اعطهم، لكن أن يكون بين أهل اليسار، بين الموسيرين، يعطي هذا، وهذا، وهذا يرجع، وهذا يقل لهذا، وهذا التبادل هدايا، وأصبح المساكين ما يصلهم شيء، هذا لا يجوز. كذلك مما أنبع عليه في قوله عليه الصلاة والسلام: «طعمة للمساكين»، أنها طعام للآدميين، طعام للآدميين، فخرج بذلك إذا كانت الزكاة لا تعطى لآدمي، كأن تعطى للحيوانات، يقع هذا في البوادي، يقع هذا في البوادي، حتى سمعنا من يفعل هذا هاهنا، يأتي خاصة ما يكون من البر. فإذا يجي إله بالبر، قل: هذا خلاص، هذا حق الزريبة. قلت: يسر، فيجعل الزكاة محلها طعمة للحيوانات. النبي ما قال: «طعمة للمخلوقات»، قال: «طعمة للمساكين». وحتى أصبح بعض الناس يتعمد أن يخرج من زكاة الفطر الرديء، في بعض الأرياف يخرج الرديء، لماذا؟ يعلم أن هذا الرديء لن يأكله آدمي، بس يأكله صاحبه الذي سيعطيه للعلف، يعطي للحيوانات علفا، فيعطي إياها. فأصبح كذي يأتي بالبر الذي تالف، الذي قد حوت، والذي قد سوس، فيجمعه هذا الزكاة، خذه يا فلان، ويعلم أن مرادها سيذبح الأغنام، هذا ما يجوز، ما أمرك الله جل وعلا أن تدفعها طعمة للحيوانات، وإنما قال: «طعمة للمساكين». فالإنسان يتق الله في هذه الزكاة، ولا يتلاعب بها، ويؤديها كما أمر الله جل وعلا بها. إخواني في الله، هذه مسائل تربوية مهمة، ينبغي أن يراعيها المسلم. وإذا هذه المسألة العظيمة، ولا شك أن تحتها مسائل كثيرة، يتعلق بوزنها، ويتعلق بأوقاتها، وأهلها، لكن ليس هذا مقامها، فنكتفي بهذا الحد، إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.