باب غزوة أحد من صحيح البخاري 8

الدرس في باب غزوة أحد من صحيح البخاري 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

غضب الله على من آذى نبيه وتأثير الإخفاقات على النبي

يتناول هذا الفصل غضب الله على من آذوا نبيه وتأثير الإخفاقات في الدعوة على النبي صلى الله عليه وسلم، حيث تأثر أكثر بالإخفاقات في دعوته مقارنة بالإصابات الجسدية. كما يبين موقف النبي من الإصابات التي تعرض لها في سبيل الدعوة.

رحمة النبي وغضب الله على المعتدين

يناقش هذا الفصل رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وعدم رغبته في إيذاء الناس، مع توضيح غضب الله على من يعتدي على نبيه أو يقتل نبيًا، مستشهدًا بموقف النبي من أبي بن خلف.

تفاصيل حادثة جرح النبي في غزوة أحد

يشرح هذا الفصل حادثة جرح النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، بما في ذلك تفاصيل إصاباته وكيفية التعامل معها من قبل فاطمة وعلي بن أبي طالب.

خاتمة وتأكيد على العلم عند الله

يشير هذا الفصل إلى انتهاء الحديث في الباب المعني مع التأكيد على أن العلم الكامل عند الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: باب ما أصاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أي الجراح التي جرح بها عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم أو في معركة في تلك المعركة والغزوة. قال رحمه الله: حدثنا إسحاق بن نصر، وهو إسحاق بن نصر البخاري، قال: حدثنا عبد الرزاق وابن همام الصنعاني أبو بكر، قال: عن معمر، وهو أبو عروة معمر بن راشد اليماني البصري، قال: عن همام، قال: عن همام، وهمام هو ابنه منبه أيضا يماني. وهذه سلسلة أو إسناد يماني: عبد الرزاق عن معمر عن همام. عبد الرزاق يماني، ومعمر نزيل اليمن، وهمام يمني، وأبو هريرة كذلك يمنيا، لكنه نزل إلى المدينة، فلهذا فهو إسناد يمني. وهذا الإسناد صحيفة كتبها معمر ورواها عنه عبد الرزاق. صحيفة، معنى: جزء، مثل الجزء يسمى صحيفة. همام عن أبي هريرة، قال: عن همام أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه»، يشير إلى رباعيته. قال: «اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سبيل الله». فهذا الحديث يبين أن النبي عليه الصلاة والسلام أن الله يغضب لنبيه صلوات الله وسلامه عليه. وهذا الذي خدش أو شج النبي عليه الصلاة والسلام يقال: أنه ابن كمأة، رجل من المشركين، ويقال: أنه غيره، فضرب النبي عليه الصلاة والسلام وأصابته شجا في وجهه حتى كسرت رباعيته. رباعيته، كما قلنا: السن الذي بين الناب وأثنية. فكسرت رباعية النبي عليه الصلاة والسلام في أحد، وشج وجهه الشريف صلوات الله وسلامه عليه، وهشمت بيضته. والبيضة هي الحديد التي على الرأس، فلاقى النبي عليه الصلاة والسلام ما لاقى، لكن هذا كله في ذات الله. ولهذا جاء في الصحيحين أن عائشة رضي الله عنها قالت للنبي عليه الصلاة والسلام: هل لقيت يا رسول الله أشد عليك من يوم أحد؟ فقالت: أنا أنظر إلى هذا السؤال الفقيه من هذه الفقيهة العالمة الصديقة عائشة بنت الصديق رضي الله تعالى عنها. فقالت للنبي عليه الصلاة والسلام: هل لقيت يوما أشد عليك من يوم أحد؟ فقال: نعم، يوم عرضت نفسي على عبد ياليل بن كلال. وانظر إلى كلام النبي عليه الصلاة والسلام يبين لك أن النبي عليه الصلاة والسلام عنده جراحاته وإصابته في الدعوة أعظم من إصابته في نفسه، وعدم استجابة الناس له أعظم من ما يكون في نفسه، فيغضب لله ولا يغضب لنفسه صلوات الله وسلامه عليه. فلهذا ذكر أمر لم يصب فيه عليه الصلاة والسلام. وما جاء في سيرة ابن إسحاق أن الأطفال رموه بالحجارة حتى أدموا عقبه، فهذا لم يصح. ذكر ابن إسحاق بدون إسناد. وقد جاء في صحيح البخاري بدون ذكر هذه القصة، وإنما خرج النبي عليه الصلاة والسلام من الطائف مهموما مغموما. قال: فلم أستفق حتى جئت قرن الثعالب. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: نعم، يوم عرضت نفسي على عبد ياليل بن كلال أهل الطائف، فلم ألق منهم استجابة. قال: فخرجت مغموما مهموما، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب. يقال: إنه هو نفسه قرن المنازل الذي يسمى الآن بالسيل الكبير. فالنبي عليه الصلاة والسلام اغتم لأنه لم يستجب لدعوته صلوات الله وسلام عليه. فلهذا لما جاء إلى قرن الثعالب جاءه جبريل ومعه ملك الجبال، فقال جبريل: يا محمد، إن الله قد بعث لك ملك الجبال. فقال ملك الجبال: يا محمد، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين الجبلين العظيمين. انظر إلى غضب الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولغضب نبيه. فالنبي عليه الصلاة والسلام اغتم لهذا الإعراض الذي حصل من هؤلاء، فأنزل الله عز وجل له الجبال، ملك الجبال إن شئت. قال له: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين الجبلين الكبيرين. فقال النبي عليه الصلاة والسلام -ذلك الشفيق الرحيم بالناس-: لا، لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا. وصدق النبي عليه الصلاة والسلام، فخرج من أهل الطائف بل من كبارهم: سهيل بن عمرو، وغيره. أو أقصد عروة بن مسعود الثقفي، وغيرهم من كبار أهل الطائف، الثقيف أسلموا، بل كلهم أسلموا إلا نفرا يسيرا منهم. وهذا مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه»، يشير إلى رباعيته. فمعنى أن الله عز وجل يغضب لغضب نبيه، ويغضب لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم. «اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «في سبيل الله حتى يخرج من قتل بحد». من قتله النبي صلى الله عليه وسلم بحد. فأعظم الناس جرما -كما جاء في الحديث الآخر-: رجل قتل نبيا، أو قتله نبي. الله عز وجل جعل هؤلاء الأنبياء رحمة للناس، ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم كان من أعظم الرحمات. وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، فكان النبي عليه الصلاة والسلام رحمة. فلهذا لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يقتل أحدا، لكن هذا المدبر -وهو أبي بن خلف- أراد أن يقتل النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: يا محمد، إني قاتلك. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: بل أنا أقتلك. فلما كان يوم أحد حاول أن يفر، بل ما كان يريد أن يخرج حتى جاءه أبو جهل وأخرجه، فخرج وهو خائف. فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام أخذ رمحا، وقال له: إني قاتلك. فطعنه فأخذ من المعركة وهو الجريح، ثم أهلكه الله. وجاء في رواية ابن إسحاق أنه قال: لو تفل في محمد لمت. أنا من شدة خوفه، لكن طعنه النبي عليه الصلاة والسلام، وكان حريصا على أنه يقتل النبي عليه الصلاة والسلام، لكن خذله الله. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: إني قاتلك، فقتله النبي عليه الصلاة والسلام. ولم يقتل أحدا إلا هذا المدبر أبي بن خلف الجمحي. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله»، معنا في الجهاد يقتله النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وحدثني مخلد بن مالك، يقول البخاري أيضا: حدثني مخلد بن مالك، وهو نيسابوري وعاصله رازي. قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، وهو صاحب السيرة، عنده كتاب في السيرة. قال: حدثنا ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، إمام الحرم، إمام الحرم أي حرم مكة، كان إمامه. وكان من أحسن الناس صلاة. قال عبد الرزاق: ما رأيت أحسن صلاة من ابن جريج. وكان أهل مكة هكذا يقول عبد الرزاق: وكان أهل مكة يقولون أن ابن جريج أخذ هذه الصلاة من عطاء، وأخذها عطاء من ابن الزبير، وأخذها ابن الزبير من جده أبي بكر الصديق، وأخذها الصديق من النبي عليه الصلاة والسلام. أنه يسناد في الصلاة، والمراد بهذه الصلاة: أنه صلاة خاشع، لا يتحرك في صلاة. ولهذا يقال: أن ابن الزبير -أو قيل أن ابن الزبير- كان إذا صلى جاءت الطيور وتبرح فوق رأسه، تظنه عمودا، تظنه عمودا لأنه لا يتحرك في صلاة. قال: عن عكرمة، وهو أبو عبد الله البربري مولى ابن عباس، علمه ابن عباس القرآن، وكان يقيده بالكبل ويضعه على السارية -معنى يعصبه- وهو صغير، وهو يحفظه القرآن. يأتي بحبل ويعصبه في رجله ويضعه في المسجد على سارية المسجد، يعصبه حتى يحفظ القرآن. فحفظ القرآن وحفظ التفسير من ابن عباس رضي الله تعالى عنه، فكان موسوعة عظيمة. كان عكرمة موسوعة من موسوعات العلم، أخذ أكثر علم ابن عباس. حتى أن أصحاب ابن عباس الذين كانوا من الملازمين له يستنكرون ما يذكره عروة عن ابن عباس. ولا غر في ذلك، ولا شك أن عكرمة كان ألصق الناس بابن عباس، فهو أعرف بعلمه. فكان سعيد ينكر على عكرمة فيقول: من أين يأتي بمثل هذه الأشياء؟ نحن سمعنا ابن عباس. لكن كما قلنا: أن الرجل إذا كان ألصق وأعرف، فكان أيضا أعلم من غيره. فهذا نافع مولى عبد الله بن عمر كان أعلم في ابن عمر من ابنه سالم، أنه أكثر حديثا عن ابن عمر لأنه كان ملازما له. وهكذا عكرمة كان مولى ابن عباس ملازما له. قال: عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «اشتد غضب الله على من قتله النبي صلى الله عليه وسلم في سبيل الله». هنا كرر النبي صلى الله عليه وسلم -أو كرر ابن عباس- ما قاله أبو هريرة، أو ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام: «اشتد غضب الله على من قتله النبي في سبيل الله». قال: «اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبي الله صلى الله عليه وسلم»، أو قال: «دموا وجه نبي الله». معنى أدموا وجه النبي عليه الصلاة والسلام. فقال صلى الله عليه وسلم: «اشتد غضب الله على من قتله نبي في سبيل الله». «اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبيهم صلى الله عليه وسلم». قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد، واللفظ للبغوي -أبو رجاء-. قال: حدثنا يعقوب، وهو ابن إبراهيم المدني، قال: عن أبي حازم، وأبو حازم هو سلمة بن دينار، قال: أنه سمع سهلا بن سعد الساعدي الأنصاري، وهو يسأل عن جرح النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: أما والله أني لا أعرف من كان يغسل جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كان يسكب الماء، وبما دوى أنا -أي في أحد- عندما أصيب عليه الصلاة والسلام. قال: كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسله، وعلي بن أبي طالب يسكب الماء بالمجن. المجن هو الترس، يأتي بماء في الترس ويصب الماء، وهي تغسل الماء عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أحدثت قطعة من حصير. وهذا لما كان الدم يسيل، فأحرقت قطعة من حصير، فأحرقتها وسقتها، فاستمسك الدم. لأن معناه أرادت شيء يمسك الدم، فلهذا جاءت بهذا الحصير حتى يقطع العروق، أو حتى يغلق العروق -عروق الدم- فيستمسك ذلك العرق فلا يسيل. قالوا: كسرت رباعيته يومئذ، وجرح وجهه، وكسرت البيضة على رأسه -أي هشمت البيضة-. المراد البيضة: كما قلنا هي الحديد الذي كان يلبسه النبي عليه الصلاة والسلام. فكانت فاطمة رضي الله عنها تغسل الدم عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي كان يصب الماء. قال: حدثني عمرو بن علي، وهو المقدم الصيرفي، قال: حدثنا أبو عاصم، وهو الضحاك بن مخلد، قال: حدثنا ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «اشتد غضب الله على من قتله نبي»، و«اشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». وهذا نفس الحديث الذي تقدم قبل أن النبي عليه الصلاة والسلام يذكر أنه «اشتد غضب الله على من قتله نبي»، و«اشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم». وقد ذكرنا قبل أن النبي عليه الصلاة والسلام أيضا ترحم عليهم، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود. فكان يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون». اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون. فهذا ما يذكر في هذا الباب، والله تعالى أعلم.