الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 545، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقطع يشرح حديث عامر بن شهر عن النبي صلى الله عليه وسلم ويبين أهمية الأخذ بأقوال قريش وحكمتهم مع كراهية أفعالهم السيئة. يؤكد على طاعة الأمراء فيما يقولون.
تناول المقطع شروط الإمامة والولاية، حيث ناقش شرط أن يكون الإمام قريشيا كشرط كمال وليس صحة، وأكد على أهمية العدالة وطاعة من غلب بسيفه.
يتحدث المقطع عن تحذير النبي من حكم السفهاء والصبيان وتأثيرهم السلبي على المجتمع، حيث يفقد الحكام القدرة على إدارة الأمور بشكل صحيح.
النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الفعل المخالف للقول، خاصة عند تولي الصبيان الإمارة، لأن أفعالهم قد تسبب الفساد بين الناس رغم أقوالهم الرشيدة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا رحمه الله: مسند عامر بن شهر رضي الله عنه، وهو في عد الصحابي، عداده في أهل الكوفة - يعني يعد من أهل الكوفة - قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا أبو النضر، وهو هاشم بن القاسم، قال: حدثنا أبو سعيد عن المؤدب محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد والمجالد بن سعيد. إسماعيل بن أبي خالد ثقة ثبت، وأما مجالد فهو ضعيف، لكنه مقرون بابن أبي خالد، قال: عن عامر الشعبي، عن عامر بن شهر، قال: سمعته كلمتين من النبي عليه الصلاة والسلام. وعرف عامر بن شهر أنه صحابي برواية الشعبي عنه، والشعبي ثقة، فإسناده إلى هذا الكلام عن عامر بن شهر يعتبر دليلا على أنه صحابي. قال: سمعته كلمتين من النبي عليه الصلاة والسلام، كلمة، ومن النجاشي أخرى. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «انظروا قريشا فخذوا من قولهم وذروا فعلهم». وكنت عند النجاشي جالسا، فجاء ابنه من الكتاب، فقرأ آية من الإنجيل، فعرفتها أو فهمتها، فضحكت. فقال: مما تضحك؟ أمن كتاب الله تعالى؟ والله إن مما أنزل الله تعالى على عيسى بن مريم: «أن اللعنة تكون في الأرض إذا كان أمراؤها الصبيان». قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. واتفاق - يعني يريد رحمه الله ورضي الله عنه - اتفاق الكلمتين في المعنى، في معنى خاص، وهو أن الأخذ مثلا بمن يقدم في الولاية وغيرهم، إنما الأخذ بأقوالهم وأفكارهم وحنكتهم في هذه الأمور، وليس المراد أن تؤخذ أفعالهم. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام في أكثر من حديث ينبه على أن فعلهم لا يكون معتبرا، أي فعل هؤلاء الأمراء، وأن المسلم لا يعتبر بفعل هؤلاء الأمراء، لكن يعتبر بقولهم. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من ولي عليه أميرا فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليسمع وليطع، ولا ينزعن يدا من طاعة». وجاء في رواية: «وليكره عمله»، أن هذا العمل يكرهه، أما السمع والطاعة فيبقى عليه، وأما قوله فيؤخذ به. فقال: «انظروا قريشا فخذوا من قولهم وذروا فعلهم». وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «قدموا قريشا»، وأن قريشا إمام الناس، مسلمهم إمام مسلمهم، وكافرهم إمام كافرهم. وربنا جل وعلا جعل فيهم الحنكة، وجعل في أقوالهم غالبا الصواب والحكمة، فلهذا فهم مقدمو الناس. من زمن الجاهلية كانت قريش هم أهل الحرب، وهم أيضا أسياد الناس. وجاء أيضا النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، وجعل الله عز وجل هذا أمرا قدريا، ثم جعل شرعيا أنه يقدمون على غيرهم. ولهذا ذكر أكثر العلماء - كما ذكر الإمام الشنقيطي - في آية الولاية: «الذين جعلناهم في الأرض» وذكر بعض هذه المسائل في مسائل الخلافة، وذلك قوله: «إذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة». فذكر من هذه المسائل اشتراط بعض العلماء أن يكون الإمام قريشيا، ونسب ذلك إلى جمهور العلماء أن يكون قريشيا، وهذا شرط كمال، ليس شرط صحة. لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وإن تأمر عليكم عبد حبشي». وقيل: إن بعض العلماء يقول: إنه شرط صحة. فقال: إن التأمير هنا ليس الملك، وليس الخلافة، وإنما ما يؤمر به القريشي، معناه يجعلوا أميرا. لكن قد اتفق العلماء على طاعة من غلب، من غلب بسيفه، على طاعة من غلب بسيفه. وهذا يدل على أنهم ما أرادوا أن هذا الشرط شرط صحة، وإنما هو شرط كمال. إن وجد القريشي فهو الذي يقدم، الذي يقدم إذا كان على الاستقامة. ولهذا جاء في حديث معاوية، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يكون في أول قدماء قريش ما حكموا بكتاب الله»، معنى ذلك: إذا كان حكموا بكتاب الله، أو تعرفون فيهم الصلاة، فقدموهم، أو لا من غيرهم. لكن إن كان هذا القريشي فاسقا، بعيدا عن الدين، بعيدا عن الخير، فهذا لا يقدم، لأن العدالة في الولاية شرط صحة. ومنهم من قال: إنه شرط كمال أيضا، لأن الغلبة أيضا يجب فيها الطاعة، لكن يبحث أولا عن العدل، فهو مقدم على القريشي إذا كان القريشي ليس بعدل. وأما إن كان قد استوى، أو عنده عدالة، لكن ليست تلك العدالة التي مثل غيره، فإنه يقدم لأجل حنكته ولأجل خبرته في هذه الأمور. والعبارة الثانية التي أخذها عامر بن شهر رضي الله عنه من النجاشي، أنه قال: «أن اللعنة تكون في الأرض إذا كان أمراؤها الصبيان». بسبب أفعالهم. وقد جاءت الأحاديث عن أبي هريرة وعن غيره بالتحذير من إمارة السفهاء، بالتحذير من إمارة السفهاء والصبيان. وإمارة السفهاء والصبيان كما جاء في حديث أبي هريرة: «من علامات الساعة». وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قد سمعت عنقودين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما عنقود فقد بثثته - نشرت في الناس - وأما عنقود آخر لو بثثته لذهب هذا - لذهب هذا - وأشار إلى حلقه، معناه أنه سيقتل. لكن قد نشر بعضها، مثل نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إمارة السفهاء. ولا عن النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء السفهاء الذين غيروا أمر الله جل وعلا، أو أنهم أفسدوا بعد أن كانت الأمور مستقيمة لأهل الإسلام. فلما جاء هؤلاء الأمراء الصبيان تحكم فيهم بعض الأتراك وغيرهم، فصارت الدولة - سواء كانت العباسية أو غيرها - صارت مع صبيان، ومع أيضا سفهاء لا يستطيعون أن يديرون الأمور، يديرها غيرهم. فلهذا حصل ما حصل من الشر، حصل ما حصل من الانهماك في الدنيا وغيره. وكما قلنا قد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك. وأيضا كان بعض الخلفاء يتزوج من غير المسلمين، أو أنهم يسلمون ولكن يبقون على ما هم عليه من الفساد وغيره، فيحصل بعد ذلك في أبنائهم مثل ما حصل في آخر الدولة العباسية، تحكم فيها بعض الأتراك، تحكم في الحكم بعض الأتراك، لأن أمراءها كانوا صغارا، وكانوا أخوالهم هم الذين يديرون الأمور، فساءت الأمور، وتحكم في أهل الإسلام غيرهم. فالمهم أن إمارة السفهاء والصبيان كانت من الأمور العظيمة التي أوهنت أهل الإسلام، وأوهنت ما هم عليه من الحكم وغيره، وإن كانوا من قريش، لكن أفعالهم تدل على الفساد. فلهذا حذر النبي عليه الصلاة والسلام من اعتبار أفعالهم، من اعتبار أفعال هؤلاء، وإن كانوا - يعني - اعتبار أفعال أهل قريش، وإن كانوا أهل حنكة وأهل خبرة، لكنهم في كلامهم فقط، وأما أفعالهم فقد تخالف أقوالهم. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام - كما في حديث حذيفة -: «سيكون أمراء يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون». وفي حديث عبد الله بن مسعود - أقصد -: «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس بعد ذلك ذرة من إيمانه». كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فيكون أمراء يقولون ما لا يفعلون، قولهم خلاف فعلهم، قولهم حكيم، وقولهم أيضا رشيد، لكن أفعالهم تخالف أقوالهم، فيحصل الفساد بعد ذلك، ويفعلون ما لا يؤمرون»، سواء كان من الشرع أو من علماء الشرع الذين يأمرونهم بالخير وينصحونهم فلا يستجيبون لهم، فيحصل الفساد في العباد. فلهذا أيضا النبي عليه الصلاة والسلام - في حديث في صحيح مسلم - قال: «يكون عليكم أمراء يهتدون بغير هدي، ويستنون بغير سنتي، تعرف منهم وتنكر». فلهذا فهاتان الكلمتان تجتمع في مسألة أن من كان من الأمراء ومن الحكماء، وقولهم أيضا حكيم، لا يغتر بفعله، لأن الفعل غالبا لا يحكي القول، وغالبا أيضا يحصل تخالف بين القول والفعل. وقد قال الله عز وجل محذرا أهل الإيمان بذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾. فالقول شيء والفعل شيء، فحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الفعل، وكذلك إمارة الصبيان، وإن كانوا يقدمون لأقوالهم الرشيدة، وأيضا لعراقة نسبهم، لكن أفعالهم هي التي تأتي بالفساد في الأرض، تأتي بالفساد بين الناس.