الحج خطوة بخطوة

المحاضرة بعنوان الحج خطوة بخطوة، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر بين مغرب وعشاء يوم الجمعة 20 ذو القعدة 1444هـ الموافق 9 يونيو 2023م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل مجالس العلم والحج

يُشيد الخطيب بمجالس الذكر والعلم ويبين فضلها وأهميتها في تفقه الدين، ويوضح وجوب الحج مرة في العمر إذا استطاع إليه سبيلاً وفضائله العظيمة.

أحكام ومواقيت الحج

يتناول المقطع أحكام الحج ومواقيته الزمانية والمكانية، ويشرح المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبين أن الحج يكون في أشهر معلومات.

أحكام الإحرام وأنساك الحج

يشرح المقطع أحكام الإحرام من المواقيت المحددة شرعاً، ويوضح واجبات الإحرام والأنساك الثلاثة للحج: التمتع والقران والإفراد، وكيفية الإهلال بقول "لبيك اللهم عمرة".

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً إلى يوم الدين. فالحمد لله الذي أنعم علينا بنعم كثيرة وألاء عظيمة. ألا وإن من أعظم هذه النعم هذه المجالس العظيمة المباركة التي هي خير مجالس الدنيا وأفضلها وأزكاها وأرفعها منزلة وأعلاها مكانة، كيف لا وربنا جل وعلا أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يصبر نفسه مع أهلها. قال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. مجالس هي من رياض الجنة، كما جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: «حلق الذكر». مجالس تهفو إليها الملائكة، كما قال عليه الصلاة والسلام عن ملائكة سياحة: «فإذا وجدوا مجالس الذكر قال: هلموا إلى حاجتكم». مجالس يا عبد الله تقوم منها وقد غفرت ذنوبك، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم. وهذه المجالس أيها الأحبة مجالس تسلم فيها من الغيبة والنميمة، تحفظ وقتك وتحفظ عمرك وتربح الأجر العظيم، بخلاف مجالس القيل والقال، مجالس اللهو واللعب، ربما يندم عليها الإنسان لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من قعد مقعداً لا يذكر الله فيه إلا كان عليه حسرة»، أن يكون عليك حسرة وندامة يوم القيامة. إذن عباد الله ينبغي علينا أن لا نفرط في مثل هذه المجالس المباركة العظيمة مع قصر الوقت، فالوقت بحمد الله يسير، مجرد ساعة أو ساعة وقليل، وتحظى بمثل هذه الأجور العظيمة، وتتفقه في دين الله جل وعلا. أنت يا عبد الله يا من حرصت على الجلوس في مثل هذه المجالس، اعلم أن هذا من توفيق الله جل وعلا لك، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». فالله جل وعلا أراد بك خيراً فوفقك لحضور مثل هذه المجالس العظيمة. كيف إذا انضاف إلى ذلك أن مثل هذا المجلس في هذه الليلة حول عبادة عظيمة وعبادة جليلة، وهي الركن الخامس من أركان هذا الدين العظيم، حج بيت الله الحرام الذي تهفو إليه القلوب وتتطلع إليه الأفئدة، ويتمنى كل واحد منا أن يحج كل عام، فضلاً عن أن يحج في عمره ولو مرة واحدة. ولهذا قال القائل: «حي من الروح لا وحي من القلم هز المشاعر من رأسي إلى قدمي، لما رأيت حجيج البيت يدفعهم شوق إلى الله من عرب ومن عجمي، لبوا النداء فما قرت رواحلهم حتى أناخوا قبيل الصبح بالحرم، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، يلبيون بدعوة التوحيد ودعوة الإخلاص لله جل وعلا». وأنت يا عبد الله في هذه المجالس، لو لم يكتب الله جل وعلا لك حج بيت الله الحرام في هذه السنة، فأنت تعيش مع هذه المناسك خطوة بخطوة، تتنقل بين شعائرها وتتذوق معانيها، فهي نعمة عظيمة. أسأل الله عز وجل أن لا يحرمنا هذا الخير العظيم. ونحن في هذه الليلة المباركة مع محاضرة للشيخين الفاضلين، الشيخ أبو معاد حفظه الله، وأبو بكر باصلعة، وهكذا للشيخ الفاضل أبي همام عبد الله بن علي باسعد، مع هذا الموضوع. فإن شاء الله نستمع للمحاضرة بعد أداء السنة الراتبة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، فكما سمعتم أن موضوع هذه المحاضرة حول هذه الفريضة العظيمة، وهذا الركن الخامس من أركان الإسلام ومبانيه العظام. وسبب اختيار هذا الموضوع أمور، فمنها وهو أولها وأعظمها ما يتهيأ به هذه الأيام حجاج بيت الله الحرام لأداء هذه الفريضة العظيمة. فانطلاقاً من قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ومن باب قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وهكذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». فمن أراد الحج يجب عليه أن يتعلم أحكام هذه الفريضة حتى يؤديها كما أراد الله سبحانه وتعالى، ولا يأتي بمفسد أو مبطل لحجه. فإن كان جاهلاً فلربما أبطل حجه وأفسده لتركه لواجب أو لركن من أركان الحج. فوجب أولاً على من أراد الحج أن يتفقه في أحكام هذه الفريضة العظيمة. فمن أجل ذلك عقد هذا المجلس تذكيراً لحجاج بيت الله الحرام، تعليماً لهم. ثم من أسباب اختيار هذا الموضوع مذاكرة العلم، لا سيما في فريضة من فرائض الله سبحانه وتعالى. فلا تقل أخي المسلم: أنا ما سأحج بيت الله الحرام فما الفائدة وما الداعي لحضوري مثل هذا المجلس الذي لا يعنيني. لا تقل ذلك، فإن العلم شأنه عظيم، ومعرفة أحكام فرائض الله عز وجل من أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه المسلم، لا ليرفع الجهل عن نفسه فحسب، بل ليرفع الجهل عن غيره، فينال بذلك فضل العلم. كم من الناس لربما رأوا أنك ذو هيئة حسنة وذو مظهر طيب من مظاهر الاستقامة، فظن فيك العلم والمعرفة، فيسألونك، لاسيما في الأماكن التي لا يوجد فيها من يفتيهم ومن يفيدهم. فأنت تقوم بهذا الأمر بما من الله عز وجل به عليك من حضور هذه المجالس، ومن التفقه في دين الله سبحانه وتعالى. فهذا المجلس من كان جاهلاً يتعلم، ومن كان عالما يذاكر معلوماته ويرسخها. فإن حياة العلم مذاكرته. ثم إن من فوائد مثل هذه المجالس والكلام في هذا الموضوع أن يستعد المسلم ويتشوق لحج بيت الله الحرام. فإن فاته الحج في هذا العام فإنه يستعد في الأعوام المقبلة بجمع ما تيسر له من مال، وبتهيئة أمره وترتيب أموره. فلربما مثل هذا المجلس يهيج النفوس ويشوقها لأداء هذه الفريضة العظيمة. فلا تقل هذا الأمر إنما يدعى له من يريد الحج هذا العام. نعم هذا أولى بالحضور، ولكن حضور المسلم عموماً وإن لم يحج هذا العام يستفيد من مثل هذه المجالس التي هي مجلس من مجالس العلم والتفقه في الدين. ومن أراد الله به خيراً يفقه في الدين. واعلموا أيها المسلمون أن هذه الفريضة من رحمة الله سبحانه وتعالى أن فرضها على المسلم في العمر مرة، فلا تجب على المسلم إلا مرة واحدة في عمره. لما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطب الناس فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاس حُجُّوا حُجُّوا». فقام رجل فقال: يا رسول الله أَفِي كُلِّ عَام؟ وفي رواية أنه الأقرع بن حابس قال: أَفِي كُلِّ عَام؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فرددها ثلاثاً. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «لو قلت نعم لوجبت، ولَمَا استطعتم». ثم قال: «ذروني ما تركتكم عليه، فإنما أهلك الذين قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم». فدل هذا الحديث على أن الحج إنما يجب على المسلم في العمر مرة. وقد أوجبه الله عز وجل في كتابه بقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. فالحج يجب عليك في العمر مرة إذا استطعت إليه سبيلاً، ملكت الزاد والراحلة وأمن الطريق ونحو ذلك. فإن توفرت فيك هذه الشروط فيجب عليك الحج. وهل يجب على الفور أو على التراخي؟ معنا على الفور، يعني إن وجدت الاستطاعة هل يجب عليك أن تحج في هذا العام الذي استطعت فيه على الحج، أو لك أن تؤخره إلى الأعوام القادمة؟ خلاف بين أهل العلم. جمهور أهل العلم من الحنابلة والحنفية ورواية عن الإمام مالك أن الحج على الفور، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أراد الحج فليتعجل». فقد تعرض الحاجة، ويمرض المريض، ونحو ذلك. فاستدلوا بهذا الحديث وبغيره على أن الحج على الفور. وقد يأتي مانع ويمنع هذا المستطيع من الحج في العام القادم أو الأعوام القادمة، وهذا واقع. وقد يموت، يأتيه الأجل قبل أن يحج بيت الله الحرام. فلذلك يجب عليه أن يعجل وأن لا يتأخر. وذهب الإمام الشافعي وأصحابه إلى أن الحج على التراخي، واستدلوا بتأخر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد حج في السنة العاشرة، وقيل أن الحج فرض في السنة السادسة، وقيل في السنة التاسعة. وفي السنة التاسعة حج أبو بكر رضي الله تعالى عنه بالناس، أمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. فقال الإمام الشافعي: لو كان الحج على الفور لما تخلف أو تأخر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهي مسألة اجتهادية. وقد رد الجمهور على ما استدل به الإمام الشافعي بأن تأخر النبي صلى الله عليه وسلم على القول بأن الحج فرض في السنة السادسة، لأن مكة كانت بلد حرب، ولم يستطع المسلمون الدخول إليها. والصلح كان بين المشركين والمسلمين، ولم تفتح إلا في السنة الثامنة. وكذلك أرد على أن النبي صلى الله عليه وسلم لعله كان هناك منع منعه من التعجيل بالحج، كالانشغال بأمر الولاية والجهاد في سبيل الله، أو عرضت له حاجة، أو عدم نفقة، أو نحو ذلك مما قد يعرض للإنسان. فالأحوط للمسلم أنه إذا كانت عنده استطاعة وقدرة ولم يحج حجة الإسلام، الأحوط له أن يعجل في الحج ولا يتأخر، طالما أنه مستطيع. وهكذا ليس معنى أن الحج في العمر مرة أن لا يكون للمسلم أكثر من حجة. فينبغي على المسلم المستطيع أن يبادر إلى هذه العبادة الجليلة العظيمة، ولو أن يحج كل عام إن كان عنده قدرة وعنده استطاعة. فإنها من أجل العبادات ومن أعظم القربات. الحج يا عباد الله له فضائل عظيمة وله كذلك أجور كبيرة. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أي الأعمال أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إيمان بالله ورسوله». قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قال: ثم أي؟ قال: «حج مبرور». فالحج قرن بالجهاد في سبيل الله، وهو يعادل أجر الجهاد في سبيل الله. جاء أيضا في الصحيح أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد من أفضل الأعمال، أفلا نحج؟ قالت: نرى الجهاد قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: نرى الجهاد من أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ أرادت أن تجاهد في سبيل الله. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا، ثم قال عليه الصلاة والسلام: أفضل الجهاد حج مبرور». فالحج المبرور يجمع فيه المسلم بين الأعمال، بين نعم الأعمال المالية والأعمال البدنية. فهو ينفق من المال الكثير من أجل أن يحج بيت الله الحرام، وهكذا ينال من الجهد ومن المشقة في هذا الحج، خصوصا في هذه الأزمان التي فيها من الزحام، وفيها كذلك من صعوبة التنقل لكثرة الحجاج ونحو ذلك. فهذه المشقة لا شك ينال المسلم بها الأجور الكثيرة. وهكذا الحج سبب لدخول الجنة ولمغفرة الذنوب. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». فالحج المبرور أي الذي بر فيه صاحبه بأن أتى بهذا الحج على أكمل وجه وعلى أفضل حال. فهذا الحج المبرور جزاؤه أن يدخل هذا الحاج الجنة. سبحان الله، انظروا إلى هذا الأجر العظيم، فكيف يفرط فيه من من الله عز وجل عليه بالقدرة والاستطاعة؟ وهكذا يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في الصحيحين أيضا من حديث أبي هريرة: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». أي أن الحج يمحي جميع الذنوب والخطايا، يمحي جميع الذنوب والخطايا. سبحان الله، انظروا إلى هذا الفضل العظيم. وهكذا الحاج وافد على الله عز وجل، ومن وفد على الله سبحانه وتعالى فلا تسل عن إكرام الله سبحانه وتعالى له. جاء عند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود أو من حديث عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الغازي في سبيل الله والمعتمر والحاج وفد الله، دعاهم فأجابوه، سألوه فأعطاهم». فلذلك من أعظم أسباب قبول الدعاء واستجابة الدعاء تلك الأماكن المباركة، أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة. سبحان الله، يدعو الإنسان ربه بخيري الدنيا والآخرة فيستجيب الله عز وجل له، فيرجع بكنوز عظيمة. لا تقول يا أخي: كم سأنفق في هذا الحج؟ الآن الحج صار بمبالغ كبيرة، ربما تصل إلى خمسة عشر ألف سعودي أو سبعة عشر ألف سعودي. إن كان عندك هذا المال، والله خير لك إذا أنفقتها في الحج من الدنيا وما فيها. خير لك هذا الحج بهذا المال من الدنيا وما فيها. فالله عز وجل يعوضك هذا المال، ويأتيك من الرزق ما لا تحتسب. جاء عند ابن ماجة من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد». لا تخشى الفقر ولا تخشى الفاقة، منذ أن تنفق هذا المال وأنت في بلدك في تجهيز أمور الحج. ولو أن تخرج الجواز أو أن تذهب بالسيارة إلى المعاملة في المملكة أو نحو ذلك. فأنت تنفق في سبيل الله، وتنفق في سبيل الله. ولن يضيع الله أجر المحسنين، فأجرك على الله. وهذا المال بإذن الله عز وجل تعوض وتنال به الأجور العظيمة، دعوة مستجابة تدعو الله عز وجل بها في تلك الأماكن المباركة، تكون سبباً في سعادتك في الدنيا والآخرة. فلا نستكثر ما ننفق من أموال في سبيل هذه الطاعة العظيمة الجليلة. وقد سمعنا شيئاً من فضلها ومن أجرها. وإن لم تستطع الحج، فالحمد لله الآن فتح باب العمرة بمبالغ يعني طيبة وقليلة، ربما كثير منا يستطيع ذلك، ألف ريال سعودي أو ألفين سعودي. وكذلك معك الوقت ما شاء الله الطويل في أداء هذه العمرة، ولو أن تؤدي يعني أكثر من عمرة. فهذه من المتابعة، احرص على ذلك. والله عز وجل يثيبك على نيتك الحسنة، المهم أن نحرص على هذه العبادة، عبادة الحج وعبادة العمرة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً. فهذه كلمة مختصرة قبل كلمة أو محاضرة الشيخ أبي همام حفظه الله تعالى. فإن شاء الله تعالى يبدأ بذكر أحكام الحج خطوة بخطوة، من أول ما يعني يسافر الحاج من بلده إلى أن يرجع سالماً غانماً بإذن الله سبحانه وتعالى. فأكتفي بهذا، إنما هذه مشاركة يسيرة. وفي الحقيقة المحاضرة لأبي همام، ولكن ألحى الإخوة أن تكون هناك مقدمة فيها التشويق وفيها التذكير بفضل هذه العبادة العظيمة الجليلة، حتى تتهيأ النفوس وحتى تتشوق القلوب. فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم حج بيته الحرام. أما بعد، فقد سمعنا خير كثير في وجوب الحج وفضائله وبعض المسائل التي تتعلق بذلك. ولقصر الوقت إن شاء الله ندخل في كيفية الحج ونذكر بعض الأحكام المتعلقة بذلك. وإن شاء الله تعالى سنأتي بها على كيفية حتى تكون نأخذ الحج على كيفيته، وكذلك أيضا نأخذ بعض الأحكام. لأننا لو أخذنا على طريقة الأحكام ما سننتهي، وسيكون الوقت أو ما سندرك هذه الأحكام. لكن إن شاء الله تعالى نأخذها كما ذكر الإخوة في المحاضرة: الحج خطوة بخطوة. أنا كيفية حج بيت الله الحرام. ومعلوم أن المسلم إذا عزم على حج بيت الله الحرام فهو عزم ووفق لخير عظيم، ووفقه الله عز وجل لهذا الأمر. فهذه نعمة عظيمة، فينبغي أن يشكر الله جل وعلا على هذه النعمة. ومن شكر الله جل وعلا أنه إذا توجه إلى ذلك المكان أن يكثر من الدعاء، ويتخلق بأخلاق هذا الدين العظيم في طريقه إلى حج بيت الله الحرام. ويعامل من كان معه في الرفقة بالمعاملة الحسنة والأخلاق الطيبة، وغير ذلك مما يذكره بعض الفقهاء في آداب السفر. ويحرص على الأذكار، أذكار السفر، أذكار النوم، أذكار الصباح والمساء، وغيرها من مما يكون فيه ذكر الله جل وعلا. فإن ذكر الله إعانة للعبد على مرضاته سبحانه وتعالى، وأيضا إعانة على العبد في المشي في الخير، وكذلك تسهيل هذه الطريق. فالطريق إلى حج بيت الله الحرام قد تكون شاقة، لكن الله عز وجل لم يفرضه على عباده إلا مرة واحدة كما هو معلوم. فلهذا فإذا خرج إلى تلك الأماكن فأول ما يبدأ أحكام الحج تبدأ في الميقات. وهناك في الحج مواقيت وقتت للحج، هناك مواقيت زمانية ومواقيت مكانية. فالمواقيت الزمانية هي أشهر الحج، كما قال الله عز وجل: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج. فهو أشهر معلومات، وهذه التي تسمى أشهر الحج، وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. وبعضهم يقول: يذكر ذو الحجة كله. فهذه الأشهر المراد بها أن الحج يكون فيها، أي عمرة الحج إذا كان الإنسان متمتعاً أو قارناً يعقد هذه العمرة في هذه الأشهر، إما في شوال وإما في ذي القعدة وإما في ذي الحجة، أي في العشر الأول من ذي الحجة. وأما من اعتمر مثلا في رمضان أو اعتمر في شعبان، فهذه لا تدخل في الحج. فلو أن رجلا مثلا اعتمر في رمضان، ثم قال: سأجلس في مكة إلى الحج، ولا أخرج مثلا لأجل الأمور الأمنية أو لغيرها. فهل هذه العمرة تعتبر عمرة لحج؟ لا، لا بد أن يأتي بعمرة في شوال أو في ذي القعدة أو في عشر من ذي الحجة. فإذا جاء بعمرة ولو في أول شوال، فهذه العمرة تدخل في الحج، يعني يجعلها للحج، فيتمتع بها. ثم بعد ما يعتمر يتحلل إذا كان متمتعاً كما سيأتي. فثم بعد ذلك يحج في اليوم الثامن، يحرم بالحج في اليوم الثامن من ذي الحجة. وأما المواقيت المكانية التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أربع مواقيت متفق عليها، وهناك ميقات من هذه المواقيت مختلف فيه. فهذه الأربعة جاءت في حديث ابن عباس في الصحيحين: «وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، حتى أهل مكة من مكة». فهذا الحديث يبين أن هناك أربعة مواقيت. وأول هذه المواقيت هو ذو الحليفة، وهو ميقات أهل المدينة، وهو أبعد المواقيت من مكة. وهو الذي يسميه العامة أبي علي، وهذه التسمية لا أصل لها. ويقول بعض العامة: أن علي قاتل فيها الجن، وهذا كلام ليس صحيحاً، ولم يأت شيء مما يصحح هذا. فلهذا فتسميتها بأبي علي ليس تسمية صحيحة، وإنما ذو الحليفة أو تسمى وادي العقيق. لأن الوادي العقيق قرب ذي الحليفة، وهو وادي العقيق الذي جاء في البخاري في حديث عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في وادي العقيق، فجاءه جبريل وقال له: «إن الله يأمرك أن تصلي في هذا الوادي المبارك». فالميقات هو ذو الحليفة الذي يحرم منه أهل المدينة ومن جاء من جهتهم. فلو أنه مثلا من أهل اليمن ذهب أول توجهه إلى المدينة، فإنه له أن يحرم من ميقات أهل المدينة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة». كل من أراد الحج والعمرة ومر بشيء من هذه المواقيت فإنه يحرم. فميقات الميقات الأول هو ذو الحليفة. والميقات الثاني الجحفة، والجحفة هذه في طريق جدة، في الطريق المسلوك الآن من المدينة إلى جدة قريب من جدة. وهذا الجحفة هي التي دعا النبي صلى الله عليه وسلم أن تنقل حمى المدينة إليها، نقلت حمى المدينة إليها. فلهذا لم يستطع أحد أن يجلس فيها لكثرة الحمى فيها، فانتقل الناس منها إلى منطقة تسمى رابغ. فلهذا كان الناس يحرمون من زمن قديم في رابغ، ولا يحرمون من الجحفة لأن الجحفة قد خربت وقد تركها الناس. فيحرمون من منطقة تسمى رابغ، وهذه رابغ يقول أنها ثلاث مراحل إلى مكة. والمرحلة عند الناس قديما المرحلة الواحدة بمقدار أربعين كيلو، الآن أربعون كيلو تسمى مرحلة. والمراحل هذه كان العرب يستخدمونها للسفر حتى يسهل عليهم السفر وتعرف الطريق. فكانت الجحفة ثلاث مراحل إلى مكة، أي مئة وعشرون كيلو. وأبعد المواقيت ذو الحليفة، فهي خمس أو أكثر من خمس مراحل. والجحفة أيضا كذلك ثلاث مراحل. وكذلك أيضا القرن، قرن المنازل الذي هو ميقات أهل نجد ومن جاء من جهتهم. وهو ما يسمى الآن بالسيل الكبير، فهذا أيضا ثلاث مراحل إلى مكة، معنا مئة وعشرين كيلو. وهو ميقات أهل نجد ومن جاء من جهتهم. وأيضا كذلك الآن مثلا أهل اليمن تجد أكثر من يأتي من هذه الطريق من طريق السيل الكبير، ويحرمون في السيل، وهذا جائز ما في شيء. المهم أنه من أتى إلى هذه المواقيت يحرم من أي ميقات منها أو في حدها. إذا كان يعرف حدها في اليابس، إذا كان يعرف حدها في اليابس فلا بأس أنه يحرم من حدها. أو في الجو، أنا في الطائرة إذا عرف مكان شيء من هذه المواقيت فيحرم في الطائرة من إحدى هذه المواقيت. وبعضهم حتى ذكر في البحر، لكن كثير من العلم يقولون في البحر لا، لا يستقيم، ولا أيضا يكون فيه محاذاة. فلهذا كثير من الفقهاء خاصة من الحنفية والحنابلة جعلوا من يأتي من طريق مكة من طريق جدة أنه يحرم في جدة إذا كان من البحر، يحرم في جدة. وليست جدة ميقاتا كما يظنه كثير من الناس. ليست جدة ميقاتا، وإنما هي يحرم لمن لم يجد ميقاتا يحرم منه. بل كثير من العلم يقولون أنه إذا بلغ إلى جدة ولم يحرم فإنه لا بد أن يأتي إحدى هذه المواقيت. لا بد أن يأتي إحدى هذه المواقيت التي وقتها النبي عليه الصلاة والسلام. والميقات الرابع وميقات يلملم الذي يسمى الآن بالسعدية، فهذا ميقات وقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن ولمن جاء من جهتهم. فهذه المواقيت الأربعة وهو أقرب يلملم أقرب المواقيت إلى مكة، معنى قال: مرحلتان معنى ثمانين كيلو. فهو أقرب المواقيت إلى مكة. هذه الأربعة التي اتفق العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم وقتها. وهناك أيضا خامس اختلف فيها، الأقعة والنبي صلى الله عليه وسلم أو وقتته عمر، فقد جاء في سنن النسائي والبيهقي وأحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق، وقت لأهل العراق ذات عرق أو العقيق. وجاء في الصحيحين أن عمر رضي الله عنه جاءه حجاج العراق وقالوا: إن بلادنا إن نأتي من بلادنا ولا نمر بشيء من هذه المواقيت، وإنما ندور إليها عن الندور حتى نأتي إلى هذه المواقيت. فقال عمر: «حد لمثل هذه المواقيت حداً». ثم قال: «احرموا من ذات عرق». فقالوا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أو عمر رضي الله عنه أصاب ما وقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل العراق. فالصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي وقت لهم. فهذه المواقيت الخمسة التي جاءت في الشرع أن النبي صلى الله عليه وسلم وقتها. وعما بعض المواقيت التي اتخذها الناس ميقاتا، فبعضها وقتها بعض العلم من باب المحاذاة، مثل وادي القرى، هذه الذي يحرم منه أهل الطائف. مع أنه أهل الطائف دون المواقيت، فلو أحرموا من الطائف، أي من الطائف القديمة، فطوافهم أو إحرامهم صحيح. لكن بعضهم تجد مثلا لما توسعت الطائف صارت حتى معنا بعضها بعد قرن المنازل، فلهذا تجدهم يحرمون من وادي القرى أو غيره. فلو أحرموا من الطائف القديمة فإن شاء الله تعالى كما قال أهل العلم طوافهم وحرامهم صحيح. وأيضا كذلك كما قلنا أن جدة ليست ميقاتا، ولم يوقتها النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هي ممر أو دون المواقيت. فمن كان من أهل جدة فهو يحرم من جدة. ومن كان من أهل جدة فهو يحرم من جدة. وعما من لم يكن من أهل جدة فلا يحرم من جدة، إلا أن بعض الفقهاء وهو مذهب الحنفية وبعض الحنابلة يقولون: أنه لا بأس أن من جاء في تجارة أو في زيارة إلى جدة وجلس أياما. فإنه يحرم من جدة، يعني يجعلونه على أنه من أهل جدة. لكن الأفضل والأولى وبل الأحوط أنه لا يحرم من جدة، يخرج إلى شيء من المواقيت، إما يلملم سيكون له أقرب، يأتي إلى يلملم أو إلى السعدية ويحرم منها. أو يأتي إلى قرن المنازل السيل الكبير ثم يحرم منها، ولا يحرم من جدة إذا كان ليس من أهل جدة. أما من كان مقيما في جدة وجاء مثلا من البلاد وجلس أياما، فهذا له أنه يحرم منها، يحرم من جدة. لأنه يكون من أهل جدة، حتى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة». ومن كان دون ذلك فمهله من حيث أنشأ، فيحرم من ذلك المكان. طيب الآن الميقات إيش يفعل في الميقات؟ يعني إذا جاء الميقات إيش يفعل؟ هذا الميقات أول ما يفعل فيه هو الإحرام، وهذا الإحرام يعتبر الركن من أركان الحج، وهو نية الحج. فهذا الإحرام الذي يحرم من أو يحرم من هذه المواقيت، ولا بد أن يحرم من هذه المواقيت، لا يتعداها. ولا يجد له أن يتعداها، ومن تعداها لا بد أن يرجع، ومن تعداها لا بد أن يرجع ويحرم منها. حتى لو كان مثلا ناسياً أو جهلا منه، فلا بد أن يرجع إلى هذا الميقات. أو أنه يحرم محاذيا لهذا الميقات، لأن كثيرا من الناس الآن يذهب مثلا في الطائرة، ويذهب إلى جدة ويحرم من جدة. وهذا ليس صحيحا، هذا ليس صحيحا لأن جدة كما قلنا ليست ميقاتا. لا بد أن يرجع إلى شيء من هذه المواقيت، إلا أن يحرم في الطائرة محاذاة للميقات. أو حتى يحرم قبل الميقات، لو أحرم قبل الميقات هو جائز عند كثير من العلم. لكن مخالف للسنة، لا بد أن يكون الإحرام معنى السنة أن يكون الإحرام في الميقات. أن يكون الإحرام في الميقات، ولا يجوز أن يكون بعده، لا يجوز أن يكون بعده. فإن كان مثلا في طائرة أو في غيره، أو أنه مثلا في رحلة ليست خاصة بالحج أو بالعمرة، وإنما رحلة مدنية كما يقولون. فالأولى له أن يحرم قبل أن يأتي إلى جدة، يحرم من قبل. حتى ولو أحرم في المطار إذا كان يرى أنه سيخلط عليه الوقت. فيحرم من معنى ينوي الحج من ذلك المكان. ومعنى ينوي الحج لا يقول: نويت أن أفعل أو أن أحج. فإن هذا لم يأت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وإنما النية ركن وشرط من شروط الحج. فأول شيء وهو هذا الإحرام، الإحرام أو النية. وأما الإهلال بالإحرام هذا واجب، يعني فرق بين النية وبين الإهلال بالحج، حتى لا يقال مثلا بعض الناس الآن بعض من يفعل مثلا في كل شيء في الصلاة يقول: نويته أو في الصيام يقول: هذا في الحج في الحج نية، ليس في الحج نية وإنما إهلال مثل التكبير في الصلاة. مثل التكبير في الصلاة، هناك إهلال في الحج. ولهذا أكثر العلم يفرقون بين الإحرام وبين الإهلال. فالإحرام ركن وهو نية الحج، والإهلال واجب من واجبات الحج. الإهلال معناه يقول: لبيك اللهم حج، كما سيأتي. فالمناسب الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاهما. وبعد، فقلنا أول ما يعمل الحاج في الميقات هو نية الإحرام، ثم يهل بهذا النسك. والأنساك ثلاثة، الأنساك التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام هي ثلاثة، وهي التمتع والقران والإفراد. التمتع المراد بإدخال العمرة مع الحج، لكن يتمتع بينهما، يتحلل بينهما، يتحلل بين العمرة والحج. فيأتي بعمرة ثم يتحلل، ثم بعد ذلك يحرم بالحج مرة أخرى. فلهذا فيقول في هلاله إما أن يقول: «لبيك اللهم عمرة فقط». أو يقول: «لبيك اللهم عمرة متمتعا بها إلى الحج». في