الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 49، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل مفهوم الشرك في الإرادات والنيات، حيث يشرح أن إرادة الإنسان للدنيا في أعماله الصالحة يعتبر شركًا، ويمكن أن يكون أكبر إذا كانت النية خالصة للدنيا. يُستشهد بآثار النبي وأقوال العلماء في هذا السياق.
يناقش هذا الفصل دور النية في الأعمال وكيف يمكن أن تكون سببًا في الشرك، حيث يوضح أن عمل الآخرة يمكن أن يكون للدنيا إذا لم تكن النية خالصة لله، ويعتبر هذا النوع من الأعمال شركًا أكبر عند بعض العلماء.
يُناقش هذا الفصل خطورة الرياء في الأعمال وتأثيره على صلاح النية، ويحذر من أن الأعمال الصالحة التي تُقدم بنية غير خالصة لله تُبطل العمل وتجعله بلا قيمة عند الله.
يشير هذا الفصل إلى أن هناك مسائل أخرى سيتم تناولها في درس لاحق، ويبدو أنه تم التطرق لبعض النقاط في الدرس الحالي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا. من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا، وهذا الباب يعتبر أعم من الباب الذي قبله؛ لأن بعض الرياء يدخل في هذا الباب، وهو رياء المنافقين والمشركين يدخل في هذا الباب. وهذا هنا الشرك بإرادة الإنسان من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا، وهذا المراد ليس على إطلاقه، إنما المراد به إرادة الدنيا في الأعمال الصالحة كإرادة كلية، وهذا هو عمل المنافقين والمشركين. هذا الباب سماه الإمام ابن القيم الشرك في الإرادات والنيات، وذكره الشيخ أيضا من تقاسيم الشرك الأكبر؛ ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أن الشرك الأكبر ينقسم إلى أربع أقسام: شرك المحبة، وشرك الدعوة، وشرك الطاعة، وشرك الإرادات والنيات. وهذا الذي قال فيه الإنسان: أي شرك الإرادات والنيات هو البحر الذي لا ساحل له. شرك الإرادات والنيات يعني قد يشرك الإنسان بإرادة شيء غير الله، مثل ما يحصل عند العشاق؛ يعني تجده يحب معشوقه أعظم بكثير من محبة الله جل وعلا، وأيضا يقدمه على كل المحاب. حتى قال قائلهم: رضاك عندي خير من رضا الرب الجليل -أو كذا معناه- رضا محبوبه أفضل عنده من رضا الله وأعظم عنده من رضا الله. فلهذا فالإرادات بحر كما قال الإمام ابن القيم: لا ساحل له. ومن تلك الإرادات الدنيا، وسيأتي في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى صاحب الدنيا عبد الدينار، عبد الدرهم. صار عبدا للمال. وقد بيّن هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب العبادة: كيف يكون الإنسان عبدا للمال؟ فعنده كل شيء لأجل المال. وكما يقول: صلى وصام لأمر كان يطلبه، فلما انقضى الأمر لا صلى ولا صام. حتى عمله عمل الآخرة يفعله لأجل الدنيا. وقد جاء في حديثه بأمامه، وجاء الظهر من حديث أنس: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ومن عمل عملا من عمل الآخرة لأجل الدنيا، الظهر الظهر». قال: أحبطه الله، وكذا لم يكن له نصيب في الآخرة. ومن عمل عمل الآخرة لأجل الدنيا فلم يكن له نصيب في الآخرة. وفيه قال: «بشر هذه الأمة بالرفعة والسنة، بالرفعة والسنة، السنة العلو». وأن من عمل عمل الآخرة يريد به الدنيا فإنه لا نصيب له في الآخرة. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وأن الذي يعمل عمل الآخرة لأجل الدنيا ما يكون له نصيب في الآخرة». قد يكون ما له نصيب في الآخرة عام، وقد يكون أخص أو قاص في هذه المسألة، في مسألة في هذا العمل نفسه عامله. وهذا لا شك فيه أن من عمل عمل الآخرة لأجل الدنيا، معنى نيته الدنيا، فلا شك أن هذا العمل محبوط عليه. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من طلب العلم ليماري به السفهاء، ويجاري به العلماء، ويصرف به وجوه الناس إليه لم يرح رائحة الجنة». وجاء في لفظ: «من طلب العلم مما يراد به وجه الله لا يطلبه إلا لدنيا لم يرح رائحة الجنة». هذا إذا كانت نيته خالصة لأجل الدنيا. وقلنا: فرق بين النية المبتدعة التي يكون فيها الشرك، وبين النية المشتركة أو أقصد النية الطارئة التي تطرأ على العمل. مثلا إنسان يطلب علم مخلصا لله، معنى يريد ويحب طلب العلم، ويحب أيضا ينتفع به، لكن دخلت في نفسه مثلا أن طالب العلم مقبول عند الناس وأنه كذا يعطى من المال كذا ويعطى كذا، فوقع في نفسه هذا الشيء. مع النية الأصلية، النية الأصلية أنه أراد وجه الله، لكن دخلت هذه النية وطرأت. هذا تكلمنا أمس فيه، فهو ليس من هذا الشرك. وأيضا مثلنا أنه هل يحبط العمل أو لا يحبطه؟ لا يحبطه، لكن هل ينقص الأجر؟ نعم ينقص الأجر. ما يكون الأجر مثل المخلص الذي تجرد في إخلاصه. ولو كان طرأ هذا الشيء، فالواجب عليه أن يطرد هذه النية، معنى النية تكون في القلب لا شك، لكن الإنسان يجاهد نفسه على أن يطرد هذه الإرادات. ولهذا تسمعون أن العلماء يقولون: مثلا سفيان الثوري وإمام أحمد وغيرهم يقولون: لا نجد شيئا أشد علينا من النية. ليش أشد عليهم من النية؟ لأن النية لها دواخل تدخل أشياء قلبية تدخل على النية. فالإنسان مثلا الآن كما قلنا: يطلب العلم لله، تدخل عليه نيات أخرى وهو في طلب العلم. تدخل عليه نيات أخرى: أنه مثلا يريد الشهادة، مثلا مثل الجامعات وكذا. تجد أنه تدخل عليه نية الشهادة، تدخل عليه نية الوظيفة، تدخل عليه نية مثلا التدريس، تدخل عليه نية الإمامة، ونيات كثيرة تدخل عليه. بعضها صحيحة، معنى قد يكون مطلوب صحيح، مثلا أنه يفيد الناس بهذا العلم، لأجل أن يفيد الناس، هذا نية طيبة. معنى أنه يدعو إلى الله عز وجل، يريد أن يتعلم حتى يدعو إلى الله، صحيح. أن الأول الإنسان يطلب العلم لإصلاح نفسه أولا، ثم لإصلاح الآخرين وللدعوة إلى الله عز وجل، فهذه نية طيبة، نية فيها أجر عظيم. لكن بعض النيات يكون فيها دواخل، بعضها تكون فيها دنيا، أن بعض النيات تكون فيها دنيا تشوب هذه النية المخلصة. هذا ليس هذا بابه، ليس المقصود بهذا من الشرك الدنيا بعمله لا؛ لأن النية موجودة الإخلاص موجود، لكن هذا متى؟ هذا إذا كان النية من بداية العمل. إما أن تكون نية مشتركة، فهذا أهول. إذا كانت نية مشتركة أهول، معنى كيف مشتركة؟ معنى يريد أن يطلب العلم، يحب طلب العلم، وأيضا عنده محبة لله عز وجل ومخلصا لله أنه يطلب العلم، وأيضا نية أخرى أنه يريد شيء من أغراض الدنيا، إما وظيفة، إما كذا. كأنه بعض الناس خاصة مثلا في الدول الأخرى الذين عندهم جامعات وكذا، تجده يطلب العلم بعضهم ما يطلب العلم يحب طلب العلم أو عنده محبة يسيرة، لكن أهم شيء عنده أنه يتلقى الشهادة ثم يتوظف. أنا عنده هذا أهم شيء أنه يتلقى الشهادة ويتوظف حتى يكون نفسه ويكون كذا ويقول مستقبل. مثل هذا فهذا أيضا نية مشتركة. لكن هنا أي شيء المقصود هنا؟ المقصود أنه ليست عنده نية للآخرة، لكن العمل عمل الآخرة، عمل من أعمال الطاعات. مثلا كما قلنا: طلب العلم. طلب العلم يحتاج إلى نية، طلب العلم نفسه نية. كما قال هيثم بن جميل، عن يحيى بن يحيى، يقول: أن طلب العلم نية. لكن هذه طلب العلم تدخله نيات أخرى. وقد يكون أيضا الشخص لما يطلب العلم يطلبه لله، يطلبه لشيء آخر، ثم يكون لله. كما كان يقولون السلف: طلبنا العلم لغير الله، فأبان يكون إلا لله. معنا بعض الناس مثلا تجد أنه أهله يرغمونه على طلب العلم، هو ما عنده ذلك نية لطلب العلم. أهله يرغمونه لطلب العلم، أو عنده مثلا بعضهم عنده هواية التجربة، يجرب يجرب هذا المسلك. المهم أن نيته لم تكن نية عبادة، ليس لله، لكن العمل لله، لكن نيته شيء آخر. فلهذا فهذا الباب هو من عمل عمل الآخرة يريد به الدنيا، يعمل عمل الآخرة يريد به الدنيا، ما يريد به الآخرة أبدا، ما يعمله لله، وإنما يريد به الدنيا. وهذا عمل المنافقين غالبا، وفيه شرك. لماذا؟ لأنه العمل هذا الذي يكون لله أشرك معه غيره. ولهذا الإمام ابن القيم جعل هذا الشرك من الشرك الأكبر، وكذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب جعله من الشرك الأكبر. لماذا؟ لأنه هو أعظم مما قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. معنى محبتهم، وإن كان شرك المحبة، لكن له تعلق بشرك الإرادات، له تعلق بشرك الإرادات. فهذا الشرك من أين جاء؟، شرك المحبة بسبب الإرادة. فالأصل أن شرك المحبة داخل في شرك الإرادات، لكن أفرد لأجل أن له أهمية عظيمة. أفرد لأجل أن له أهمية عظيمة. فالآن الله عز وجل يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُ حُبًّا لِلَّهِ﴾. أنهم يحبون الله، لكن يحبون أولياءهم، ويحبون هؤلاء الذين اتخذوهم من دون الله يحبونهم كحب الله. والذين آمنوا أشد حبا لله، أي من من أهل الأصنام لله عز وجل. والتفسير الآخر: من أهل الأصنام لأصنامهم. هذه الآية فيها تفسيران. التفسير الأول: ومن الناس من يتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا يشد حبا لله. أي أشد حبا لله من من الذين اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله. أي الذين آمنوا أشد حبا لله من أولئك. أو محبة أولئك لأندادهم، والتفسير الثاني: أشد حبا لله، أي من المشركين الذين يحبون الله لكن يشركون في محبته. لكن المعنى الأول أقوى. المعنى الأول أقوى من المعنى الثاني. ولهذا رجح شيخ الإسلام، وابن القيم، والحافظ ابن كثير، وجماعة المعنى الأول. والذين آمنوا أشد حبا لله من أهل الأنداد لأندادهم، وأهل الأصنام لأصنامهم، وأهل الأموات لأمواتهم. فأهل الإيمان عندهم محبة عظيمة أعظم من أولئك. وممكن أيضا أن يفسر: أنهم عندهم محبتهم أعظم من محبة أولئك لله. طيب فهذه المحبة والإرادة هي التي جعلت الإنسان يريد بهذا العمل غير الله، يريد غير الله عز وجل. فلهذا فلا يجعل هذا العمل لله، يجعله لأجل نيته، يجعله لأجل نيته التي هي الدنيا أراد بها الدنيا. قال: وقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فهنا يقول الله عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾. معنى ما يريد الله، وهذا عمل من أنه يعمل عمل لله لأجل الدنيا. لكن الأعظم هو أنه يعمل عمل لله للدنيا، أعظم من أنه يعمل عمله كله للدنيا. معنى يكون عبد الدنيا، كل عمل يعمله للدنيا، حتى عمل الآخرة يجعله للدنيا. يصلي لأجل الدنيا، ليس يصلي لأجل أن يراه التاجر الفلاني ثم يعطيه البطاقة. وأيضا كذلك يذهب الحج ليس لأجل الحج، وإنما لأجل أمور أخرى من التجارات وغيرهم، ليس لأجل الحج. أو مثلا يذهب يعتمر، يخرج مثلا تأشيرة عمرة، ليس لأجل الاعتمار، وإنما لأجل أن يأتي له ببضاعة من تلك البلد مثلا، أو غيرها من النيات التي تخدش في أو التي قد تؤثر على عقيدة الشخص. فلا شك أنه كما قلنا: يجوز مثلا إنسانا يحج ويكون عنده نية التجارة، ما في شيء. الله عز وجل أجاز: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. فلكن لا يجعل النية كلها لأجل الدنيا، لا يجعل النية كلها لأجل الدنيا. يذهب إلى العمرة ليس لأجل الاعتمار، وإنما لأجل الدنيا، ما عنده نية اعتمار أصلا. بل بعضهم يذهب يأخذ تأشيرة عمرة وهو ما يذهب حتى إلى الحرم. ممكن مثلا هذا قد يكون لأجلي مثلا أنه يدخل فقط السعودية، ما في شيء. لكن يعمل هذا العمل وهو ليس عنده نية أصلا للعمل، فهذا شيء عظيم. فالله عز وجل يقول: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهُ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾. يعطون من هذه الدنيا، يعطيهم الله عز وجل؛ لأن الدنيا لا تسوى شيء عند الله، ويعطيها الله عز وجل من أحب ومن لا يحب. وقال الله عز وجل: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾. فهذا الله عز وجل يعطي الكفار، يعطيهم على كفرهم، يعطيهم من الدنيا. ولهذا قال الله عز وجل لنبيه: ﴿فَلَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعًا قَلِيلًا ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. فلهذا هنا قال الله عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. إرادته هي الدنيا. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾. وهذا قال الله عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾. سنعطيهم. قالوا: ﴿هُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط ما صنعوا فيها، وباطل ما كانوا يعملون. لما قرأ هذه الآية معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بكى بكاء شديدا؛ لأن هذه الآية لها أهمية عظيمة في مسألة النيات. فقد يكون الإنسان يعمل عملا من أعمال الآخرة وهو يريد الدنيا. ولهذا من فقه الشيخ أنه ذكر هذه الآية هنا؛ لأن هذه الآية تتمثل في هذا الباب: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. أي في أعماله، وخاصة أعمال الآخرة يعملها لأجل الدنيا. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط ما صنعوا فيها، وباطل ما كان يعمل. قال: وفي الصحيح عن أبي هريرة، في الصحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة». هذه الثياب الخميلة: ثوب غليظ، والخميصة: ثوب فيه شيء من النعومة، يعني يشبه الحرير. قال: «إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط». أي نعطي من الدنيا رضي، وإن لم يعط سخط. أنا حتى في أعمال الآخرة هو يريد الدنيا، يجاهد في سبيل الله لأجل المغنم، يطلب العلم لأجلي أن يعطى من أموال الدنيا. يفعل كذا وكذا لأجلي أنه يتحصل على أموال من أموال الدنيا. بعضهم الآن مثلا وأيضا هذه نيات خبيثة. بعضهم يقول: ما يجد عمل، يقول: سنحفر آبار وسنفعل، وسنفعل. فهو ما يريد أصلا الحفر الآبار، ولا يريد أيضا إعطاء الفقراء والمساكين، لكن يريد العمل، همه أنه يعمل لأنه يعرف أن هذا العمل يتحصل فيه على أموال. إما أنه يجد راتبا من أصحاب العمل، أو يجد نسبة. والآن تجد مثلا كثير من الجمعيات يقولون مثلا: نريد أن نبني أو نحفر الآبار، ونطعم المساكين واليتامى وكذا. تقول لهم: خلاص لا تأخذون شيئا نسبة، يجعلوا هذا العمل لله. يجعلوه مادام أنتم تبرعتم، فهذا عمل لله. كيف تأخذون النسبة؟ يقول لك: هذه النسبة للعاملين عليها. من الذي يجعلكم عاملين؟ أنتم الآن تبرعتم، هذا يتبرع منكم. ما يجوز لكم أن تأخذوا من أموال الناس، تقولون: هذه عمولة، هذه العمولة من هذا الحاكم الذي يوكل الناس يجمعون الصدقة، فهذا يأخذون عمولة. أما أنت تتبرع من نفسك وتذهب إلى التجار، تقول لهم: هاتوا زكاتك، ونوزعها. هذا التبرع يعتبر، والتبرع لا يجوز له أن يأخذ شيء من الأموال، إلا إذا يعطي إذا أعطاه التاجر، قال: هذا لك. ممكن ما في شيء؛ لأنه عمل تعاوني. أما أنك تأخذ من أموال الفقراء المساكين بحجة العاملين عليها، فهذا ليس صحيح. حتى الزكوات، زكاة الفطر تجد يأخذون من زكاة الفطر للعاملين عليها، فلهذا هذا خطأ. فمن تبرع بشيء يبقى على التبرع، عما تجعل النية العضلى أن النية هذه لأجل كذا وكذا، أو لأجل الأموال، لأجل العمل. إنسان ما وجد عمل، يقول: عملي جمعية، عمل أشوف معنى أخذ أموال من هذا ومن هذا وهكذا. طيب فهذا عبده الدرهم الذي يعمل أعمالا لله عز وجل، يعملها للدنيا. صار كله دنيا. حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإذا شيك فلن تقش». معنى إذا جاءته الشوكة ما يستطاع يخرجها، حتى بالمنقاش، حتى بالمنقاش ما يستطيع أن يخرجها. قال: «تأس وانتكس». «وإذا شيك فلن تقش»، معنى ما تخرج حتى بالمنقاش. لماذا؟ لأنه صارت الدنيا عنده خلاص ما يستطيع يخرج منها، صار عبدا لها، همه كله الدنيا، همه جمع المال، همه حتى في أعمال الخير همه المال، أنه يتعجل على مال. قال: «طوبة لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله». الطوبة هذه قيل أنها شجرة، وقيل هو استبشار أو بشرى. أشعث رأسه مغبرة قدما. إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة. ساقة معنى آخر الجيش. معنى ما يهم أين يضعونه، أهم شيء عنده أنه يعمل لله في أي مكان. في الحراسة وضعوه في الحراسة حارس، وضعوه في الساقة آخر الجيش في الساقة، في أي مكان ما يقول: لا أنا أريد هذا المكان، وإلا سأذهب. تعطوني مثلا الراية، وإلا سأذهب. تعطوني كذا، وإلا سأذهب. مثل بعض مثلا المدرسون، مثلا مدرس يعتمد به في مسجد، وفي حلقات وكذا. يقوم يشترط على الناس: إما أن تجعلوا لي كذا من المال، أو مثلا أريد درسي يكون الأول، أو أنا أعمل دروس العامة، أو كذا من هذه الاشتراطات التي فيها نيات مشتملة. فهذه غالبا تخدش في نية العبد. لكن هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة». هو يريد العمل لله، متى ما وجه. إذا كان لله فهو في هذا العمل. فقال: «إن كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع». معنى يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أن هذا الرجل من ضعفاء المسلمين، ما يعبأ له، ولا يبالي به. إن شفع لا يشفع، معنى لا تقبل واسطته؛ لأنه ليس له مال، وليس له جاه. وأيضا كذلك إن استأذن لم يؤذن له؛ لأجل أن الناس استضعفوه. لكن هو عند الله عز وجل عظيم، ولهذا في حديث أبي بن سعد: لما قال نبي صلى الله عليه وسلم: «ما تعدون هذا فيكم؟». قالوا: «هذا حري إن تكلم لا يسمع له، وإن خطب لا يزوج، وإن شفع لا يشفع». ولما جاء الثاني قالوا: «هذا حري إن تكلم أن يسمع له، وإن خطب أن يزوج، وأن شفع تقبل شفاعته». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ذاك -أي هذا الضعيف الذي تقولون كذا وكذا- عليه هو خير من ملء الأرض من مثل هذا». فالعبرة ليس بالمال، ولا بالجاه، لكن العبرة بالتقوى. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبر». لعظمته عند الله، ولمكانته عند الله. لو أقسم على الله، لو قال: أقسمت عليك يا رب أن لا يحصل كذا، يبر الله عز وجل قسم، يبر الله عز وجل قسم. فهذا عظيم عند الله، والذي هو عظيم عند الله هو العظيم أصلا، ولو لم يعبأ به الناس. طيب فهذه بعض الأشياء، إن شاء الله نترك المسائل في درس لاحق.