الدرس في شرح كتاب التوحيد 130، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
شرح حديث النبي حول خوفه على أمته من الأئمة المضلين وتوضيح أن الفتنة لن تنتهي حتى يوم القيامة. يشمل الأئمة المضلين الحكام والعلماء الذين يضلون الناس.
يشرح علامتين من علامات الساعة وهما لحوق بعض المسلمين بالكفار وعبادة الأوثان من جديد، ويبين أن هذه العلامات قد بدأت تظهر. يشمل اللحوق الدنيوي والفكري.
يتناول نبوءات النبي عن عودة عبادة الأصنام في آخر الزمان وظهور أدعياء النبوة، مستشهدًا بأحاديث من صحيح البخاري ومسلم. يُفسر خروج أدعياء النبوة وعددهم ثلاثون.
يذكر أحكام العشر من ذي الحجة باستثناء أحكام الأضحية والذبح، ويشدد على أهمية معرفة هذه الأحكام للمسلمين في مثل هذه الأزمنة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مر معنا في درس أمس، إخواني في الله، ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من حديث ثوبان، والذي رواه مسلم في صحيحه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم». هذا الحديث بطوله قد مرت معنا مسائله في درس أمس. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: «قال رواه البرقان في صحيحه، وزاد: وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى». هذا ملحق مما يذكر في هذا الحديث، والذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «رواه البرقان في صحيحه». وأيضًا هذا الحديث رواه أبو داود، هذه الزيادة رواه أبو داود بتمامه وكماله في سننه من طريق أبي قلابة، وإسناده صحيح. أي هذه الزيادة مما يلحق بما في صحيح مسلم، وهذه الزيادة فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين». والأئمة المضلون الذي خافهم نبينا صلى الله عليه وسلم يدخل في إطارهم صنفين من الناس من الأئمة، ألا وهما الحكام والعلماء، فإن هؤلاء أئمة، كل إمام في بابه، فالسلطان والحاكم والأمير هو سلطان إمام في مسألة الطاعة، وأما العلماء فهم أئمة في باب الاتباع. وهؤلاء من شر الناس إذا ضلوا عن سواء السبيل، لأن بهلاكهم وانحرافهم يهلك الكثير من الناس، لتعظيم الناس لجنابهم، كما قال ربنا عز وجل في حق من في النار: ﴿ربنا إننا أطعنا ساداتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل﴾، فكان من الذي أوقعهم في النار الطاعة والاتباع لأهل السيادة والقيادة، ويدخل في ذلكم العلماء والأمراء. وعندما تكلم العلماء حول حديث «دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها»، أشار العلماء إلى أن من يدخل في صنف الدعاة على أبواب جهنم الحكام والعلماء. فإذا كان الحاكم جائرًا ظالمًا مستبدًا، وسن للناس القوانين الجائرة، فإذا اتبعهم الناس على هذا فإن من وافقهم هالك، وكذلك العالم إن كان من علماء السوء ممن سن للناس المخالفات الشرعية بلباس الدين، فمن اتبعه على ذلك فهو هالك. ولهذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين». أخوف ما أخاف، وهذا الحديث جاء من حديث أبي الدرداء، وهو في السنن، ويحسنه شيخ الألباني رحمه الله. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة». إشارة إلى فتنة الدماء وفتنة القتل والقتال، متى ما وقعت على الأمة المحمدية فلن ترفع إلى يوم القيامة. ويؤيد هذا المعنى ما جاء في الصحيحين في حديث حذيفة بن اليمان، عندما قام عمر رضي الله تعالى عنه وسأل حذيفة عن الفتن، وهي الفتن العظام التي تموج موج البحار، فأخبره حذيفة: «إن بينك وبينها يا أمير المؤمنين بابًا»، أي بينك أنت وبين الفتن بابًا. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: «عن هذا الباب الذي يحول بيني وبين الفتن، يفتح أم يكسر؟» فقال حذيفة: «يا عمر، بل يكسر». فقال عمر بفقه: «إذن لن يغلق أبدًا، لن يغلق أبدًا». فهذا الباب وهو صمام الأمان من الفتن إذا كسر، فحينئذٍ تدب الفتن على الأمة، وهذا الذي حصل بموت عمر وبمقتله رضي الله تعالى عنه، ثم جاء من بعده عثمان وقتل، وجاء من بعده علي وقتل، ثم جاءت الحروب والقتال وسفك الدماء بين أهل الإسلام، ولا زال ذلك إلى يومنا هذا، ويستمر الحال إلى أن تقوم الساعة. وهذا الذي قال عنه نبينا: «وإذا وقع السيف»، أي السيف الذي يكون بين الأمة، وهذا السيف أحيانًا يقل، وأحيانًا يكثر، وأحيانًا يكون في جهة دون جهة، وأحيانًا يكون هذا السيف بيننا وبين أهل الكفر بإعلاء كلمة الجهاد، وأحيانًا يكون بيننا وبين أهل الإسلام ظلمًا وبغيًا وعدوانًا. فالحاصل أن السيف متى ما وقع في الأمة لم يرفع إلى أن تقوم الساعة، وهذا من خبر الوحي. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين». ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي، والحي هي القبيلة، ما بها تلحق بالمشركين تلحق بهم. قال العلماء: واللحوق بأهل الشرك على نوعين اثنين، إما لحوق بالأبدان وهو اللحوق الحقيقي، وهناك لحوق حكمي وما يكون بالتبعية. وهذا قد صار، وهذا قد حدث، فمن أشراط الساعة أن في أمة محمد من يلحق بالكفار يلحق بالمشركين، هذا موجود عندنا، تجد أن من الناس من يضيق ذرعًا ببلاد الإسلام، هو مسلم هو مسلم على حد زعمه، لكن يضيق ذرعًا بماذا؟ يضيق ذرعًا ببلاد المسلمين، وإلى أين يذهب؟ يريد أن يذهب إلى الكفار، يقول: هناك بلاد الحرية، هناك بلاد المتعة، هناك بلاد الذي أفعل ما أشاء، فيلحق. ولا زالت الأمم تلحق من المسلمين، هناك من يسكن، من يعيش من حول تجارته وأمواله وسكنه وعياله ودراسته وعيشه سنوات طوال في بلاد الكفار، ولا يريد الاستقرار في بلاد المسلمين. ويليت الأمر وقف عند عامة الناس، حتى وجدنا أن من يدعي الصلاح، يدعي الدعوة، من بعض الدعاة ممن يطالب بالحقوق الدبلوماسية، ويعيش في بلاد الكفار. ثم بعد هذا مما يخجلك أن تجد هؤلاء ممن هم بين أحضان الكفار يتكلمون على المسلمين، على بلاد أهل الإسلام، وعلى حكوماتها، وعلى شعوبها، أنها شعوب فاسدة، وأن فيكم الرقص، فيكم الغناء، فيكم الخمور. وتتعجب أين أنت؟ أنت تتكلم، لو ربما بجوارك حانة تبيع الخمور، لو ربما في عمارتك من هو قد فتح عمارته تحته، لو ربما دور من دور الدعارة، ولا يتكلم عن الفساد الذي عن يمينه وعن شماله ومن أمامه ومن خلفه ومن تحته وفوقه، ما يتكلم عن هذا، والفساد قد خالطه، لكن ينظر إلى ما عند المسلمين ويعيرهم ويعنفهم، ولربما هيج الشعوب على أوطانها وعلى بلدانها. تعيش يا عبد الله بين أهل الكفر وتطمئن في حياتك، ما يعيش مع أهل الكفر إلا من كان شبيهًا مثلهم، هم دواب عندهم العهر والسكر والخمور والمثلية والإباحية، ما لها أي نظير، ما لها أي نظير، ومع ذلك تعيش بين أكنافهم. ثم بعد هذا كل تعيير لأهل الإسلام على أخطاء يقعون فيها، وأين أخطاؤهم أمام ما تعيش أنت في بلاد الكفر؟ فالحاصل إخواني في الله أن هذا مما قد يقع عندنا أناسًا من أمة محمد من يلحق بالكفار لحوقًا بدنيا، ومنهم من لا هو بيننا، لكن أفكار أفكار الكفار. قال: قد مر معنا مسألة التبعية، هو نعم بين أظهرنا يمشي معنا جسمه وجسده وجثمانه، نراه أمامنا، لكن فكره هو قلبه مع أهل الكفر، حتى أن أحدهم لو ربما يتمنى من صميم قلبه ما لو أن تلكم الدول تفرض آراءها على بلاد المسلمين، فيلغون الشرائع ويلغون الأحكام ويلغون الحلال والحرام، ويعطونا ما الذي نريده في أنفسنا. وهذا التبعي قد مضى معنى أن منها ما هو كفر أكبر، ومنه ما هو دون ذلك، فهذه من أمارات الساعة. قال عليه الصلاة والسلام: «ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان». وهذا الشاهد من هذا الحديث، لا تقوم الساعة حتى تعبد فئام، أي جماعات من أمتي، أمته تعبد الأوثان الأصنام، تخرج وتعبد من جديد. وفي هذا رد على من زعم أنه لا شرك في الأمة، لا شرك في الجزيرة، لا يا عبد الله، من قال بهذا فهذا الحديث حجة في بابه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من أمته من يعبد الأوثان، من يعبد الأصنام، فما هناك مانع من وصول الأمة إلى هذا الهاوية، إلى هذه الهاوية، طبعًا بعضهم وليس الكل، وإنما هذا من استرسل لشهواته ونزواته ولم يستسلم لشرع الله، فإن الهوى يوصله إلى الردة، حتى أنه يعبد الأصنام والأوثان. وقد جاءت أحاديث كثيرة، ليس هذا الحديث الذي بين أيدينا، بل جاءت أحاديث تدل على أن الشرك حاصل، وأن عبادات الأصنام والأوثان واقعة في الأمة، كما جاء ذلك في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة». لا تقوم الساعة، أي هذه من أشراط الساعة، حتى تضطرب أليات نساء دوس، كناية عن الإزدحام، الإزدحام من النساء دوس قبيلة عربية بني دوس، ماذا يفعلون وماذا يفعَلن؟ وعلى ماذا يزدحمن؟ قال عليه الصلاة والسلام: «على ذي الخلصة»، وذي الخلصة صنم، صنم كان في بني دوس. فستأتي الأيام التي بها يعاد هذا الصنم ويعبد من قبل، من قبل أهل الجزيرة، من قبل أهل الجزيرة. والحديث في البخاري وغيره. وجاء كذلك في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: «لا يذهب الله الليل والنهار، لا يذهب الله الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزة». هذا خبر، ونحن لا شك في ذلك عندنا ولا ريب حصوله، على أن عبادة اللات والعزة ستعاد. قد يحمل هذا على أن جنسها لا عينها، جنسها أي أنها ستأتي، يؤتى بأصنام مثل اللات والعزة وتعبد كما عبدت اللات والعزة، تعظيمًا وإجلالًا، لأنها كانت من أجل الأصنام عند العرب، وستعود الأمور كذلك، إما أن جنسها يعود أو أنها نفسها تعاد. ونحن نسمع في الآونة الأخيرة عمن ينادي بمسألة التنقيب والبحث عن الآثار، بحجة إظهار معالم الحضارات القديمة، ومن ثم يجعلونها منارًا للسياحة، هذا دعوى موجودة، ولا زال الناس في الجزيرة وفي النواحي ينبشون ويفرحون بمثل هذه الحفريات التي تعود إلى القرون الغابرة أو العرب البائدة، وإلى غير ذلك من السنين الماضية. فلربما مع هذا التنقيب لربما تعاد أصنام، ثم يعثر على أن هي اللات والعزة، ما هناك يستبعد، فتنصب، لكن ستأتي العوادي السنوات تل والسنوات والأجيال تل والأجيال، حتى تعبد كما فعل بماذا؟ بود وسواع ويغوث ويعوق ونسرًا. فالشاهد أن النبي أخبر عن ماذا؟ عن اللات والعزة تعبد. ثم في الأخير قال عليه الصلاة والسلام: «وسيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي». مما أخبر نبينا من تحققه في آخر الزمان، ومن أشراط الساعة خروج أدعياء النبوة، أدعياء النبوة، هذا قد حصل، قد حصل بدءًا بمسيلمة الكذاب وغيره، الأسود العنسي وغيرهم، ثم تتابعت هذه الفئات الكاذبة المارقة الخارجة عن الدين والملة، الكل يدعي لنفسه النبوة والرسالة. لكن الإشكال في هذا الحديث أن النبي عددها، أي عدد هذه الفئة إلى ثلاثين، وفي أرض الواقع الذين ادعوا النبوة والرسالة أكثر من ثلاثين، بالمئات، بالمئات، بالمئات. فعلى ماذا يحمل هذا الحديث؟ قال العلماء: الحديث يحمل على الثلاثين ممن تكون لهم شوكة وقوة وظهور وفتنة، هؤلاء يحسبون. أما أن يتيه رجل متهوك، لربما عنده حالة نفسية انفصام الشخصية، ويدعي أنه نبي، ويجد من الأوباش من الناس من يتبعون هذا، لا يحسب. كما وقع هذا قريبًا في سنوات متأخرة، جاء رجل في أمريكا وادعى النبوة، وجاء رجل كذلك في أرض الشام وادعى النبوة، وجاء رجل، هؤلاء تجدهم يعني أوباش الناس، ليس لهم صولة ولا جولة، وليس لهم أثر، هؤلاء ما نحسبهم شيء، ما نحسبهم من هذا العدد. إنما الثلاثون الذي أخبر عنهم نبينا هم من يقول لهم شوكًا، مسيلمة ظهر معه جيوش، جيوش عظيمة، فتنة كبيرة، حتى أقيمت حروب الردة على أجل هذا الرجل، ولدعوة هذا يحسب واحد، وهكذا قس، كل من كان على إثر هذا الرجل يظهر ومعه فتن وخوارق، ويستطع أن يأخذ بقلوب العديد، ويفتن العديد من الخلق، هذا كذلك يحسب. فنبي حسبهم بثلاثين رجل، وستأتي رواية أخرى في خارج الصحيح أن بعضهم نسوة، بعضهن نسوة، وهن القلة. هذا أخوانا في الله ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب، وبهذا الحديث ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب الذي بوب عليه بقوله: «باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان». فذكر لنا الآيات والأحاديث المقررة لصحة تبويبه رحمه الله. وبهذا كذلك نقف إلى هذا الحد من شرحنا لرسالة كتاب التوحيد، وأن إن شاء الله نواصل في شرح الرسالة، إما إلى ما بعد العيد. نسأل الله عز وجل أن يطيل في أعمارنا وأعماركم في طاعته. وفي خلال هذه الفترة يستغل هذا المقام كذلكم في ذكر أحكام العشر من ذي الحجة، سوى ما يتعلق بأحكام الأضحية، وبأحكام الذبح، فإن ذلكم من المسائل المهمة التي يحتاج المسلم إلى معرفتها، وخاصة في مثل هذه الأزمنة. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.