الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 82، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يبيّن ابن القيم أن كل شرك وبدعة مردّها إلى عدم تقدير الله حق قدره، مستدلاً بحجاج نوح عليه السلام ومفنداً شبهة الرافضة التي تزعم تسليط الله لأعداء أهل البيت. ويوضح أن هذا القول طعن في حكمة الله وعدله، مشبهاً مواقف الرافضة بمواقف اليهود والنصارى.
يعرض المقطع تشابه مواقف الرافضة مع اليهود والنصارى في معاداة المسلمين، ويفند ادعاءات الحوثيين بنصرة فلسطين. ثم يستدل بآيات القرآن على عدل الله في تمييز المؤمنين عن الكافرين في الجزاء، مبيناً أن ابتلاء الأنبياء والصالحين سنة إلهية لحكمة بالغة.
يؤكد المقطع أن ابتلاء الله للمؤمنين سنة كونية لتميز الصادقين، وأن المتمسك بدينه في زمن الفتن كقابض على الجمر له أجر عظيم. ويحذر من استخفاف العبد بنظر الله في الخلوات وخوفه من الناس أكثر من الله، مما يؤدي إلى هباء حسناته يوم القيامة.
يختتم المتحدث المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله، ويختم بالحمد لله رب العالمين والتسليم بعلم الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، في كتابه العظيم النافع الموسوم بـ «الداء والدواء»، وهو «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي». ولا زال -رحمه الله تعالى- يبين أمرا عظيما وهكذا هاما، يتعلق بأعظم الذنوب وأكبر الكبائر، ألا وهو الشرك بالله عز وجل. وبعد أن ذكر خطورة الشرك، ذكر كذلك أنواع الشرك. ذكر -رحمه الله تعالى- مسألة مهمة، ألا وهي أن الشرك الذي وقع من وقع فيه من الناس يرجع إلى أمر خطير جدا، ألا وهو مساواة الخالق بالمخلوق، وهكذا تشبيه المخلوق بالخالق. ﴿قَالُوا إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فليت نرجع إلى هذه الدنيا فلا نقع في الشرك ومساواة الخالق بخلقه وعبيده، لكن لا حيلة لهم في ذلك. وهكذا بين -رحمه الله تعالى- أنه ما وقع من وقع في الشرك بالله عز وجل إلا حين أن ما قدر الله حق قدره، ولا عظم الله حق تعظيمه. ولهذا نوح عليه الصلاة والسلام، حين أن دعا قومه وأنكر على قومه الشرك وعبادة الأصنام والأوثان، قال لهم: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾. هذه الأصنام تصنع ذلك؟ الجواب: لا. ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾ أي بعد الموت، ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ أي عند البعث. انظر كيف حاج نوح قومه في تركهم التوحيد ووقوعهم في الشرك. ومع هذا: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾. فما وقع من وقع في الشرك، وهكذا من وقع من وقع في التعطيل، تعطيل الأسماء والصفات، أو تعطيل الصفات وإثبات الأسماء، أو إثبات بعض من الصفات وتعطيل أكثرها، إلا حين أنهم ما قدروا الله حق قدره، ولا عظموه حق تعظيمه. وهكذا حدث ولا حرج فيما وقع من وقع في الكفر، ما سب الرب، ولا سب الدين، ولا سب الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا حين أن لم يقدر الله حق قدره، ولم يعظمه حق تعظيمه. ما ترك الصلاة، أو استهزأ بشعائر هذا الدين، إلا حين أن ضعفا أو إن عدم التقدير لله عز وجل والتعظيم له. ما عبد عيسى، ولا عبد الملائكة، ولا الأشجار والأحجار والكواكب والنجوم، ولا غيرها، إلا حين لم يقدر الله عز وجل حق قدره. وهكذا قل في غيرها من المذاهب والأهواء والبدع المضلة، كبدعة القدر، وهكذا بدعة الخوارج، وهكذا بدع المعتزلة والجهمية وغيرهم، إلا حين ماذا؟ أنهم ما قدروا الله حق قدره، ولا عظموه حق تعظيمه. كما فند ذلك الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- ها هنا، وفي غيرها من كتبه الأخرى. ولا زال -رحمه الله تعالى- يبين ذلك ويفنده ويوضحه غاية التوضيح. قال -رحمه الله تعالى-: «قال: وكذلك لم يقدره حق قدره من قال إنه رفع أعداء رسوله وأهل بيته، وأعلى ذكرهم، وجعل فيهم الملك والخلافة والعزة، ووضع أولياء رسوله وأهل بيته، وأهانهم وأذلهم، وضرب عليهم الذلة أينما ثقفوا». فربنا تبارك وتعالى له الحكمة البالغة. الصراع بين الحق والباطل سجال. فقد يمكن الله لأهل الباطل، ابتلاء لأهل الحق، ابتلاء لأهل الحق. وعندما يبتل أهل الحق، يميز الله الخبيث من الطيب، يظهر أهل النفاق والشقاق، قرونهم، فيعرفون أنهم منافقون مدسوسون في أوساط أهل الإيمان، في أوساط أهل الإيمان. وتارة يمكن الله لأهل الحق على أهل الباطل، لكي ماذا؟ تقوى عزائم أهل الإيمان، وهكذا تطمئن نفوسهم لثبات على هذا الحق. وماذا؟ كما قال الله عز وجل في يوم أحد: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، نداولها بين الناس. قال -رحمه الله تعالى-: «قال: وهذا يتضمن غاية القدح في الرب تعالى عن قول الرافضة، علوا كبيرا». ويشير هنا إلى ما يذكره الروافض من ماذا؟ من أن النواصب الذين نصبوا العداء لأهل البيت، كما كثر ذلك في أيام بني أمية، عداء لأهل البيت. فالروافض يقولون: أن الله رفع أعداء الرسول وأعداء أهل البيت، وأعلى ذكرهم، وجعل فيهم الخلافة والملكة والعزة. وليس الأمر كذلك، وإنما الله تبارك وتعالى يبتلي المؤمنين، وهكذا أيضا يبتلي من خالف أهل الإيمان. قال: «وهذا القول مشتق من قول اليهود والنصارى في رب العالمين، إنه أرسل ملكا ظالما، فادعى النبوة لنفسه، وكذب على الله، ومكث زمنا طويلا يكذب عليه كل وقت، ويقول: قال كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وينسخ شرائع أنبيائه ورسله، ويستبيح دماء أتباعهم وأموالهم وحريمهم، ويقول: الله أباح لي ذلك، ويقول: الله أباح لي ذلك. قال: والرب تعالى يظهره، ويقتله، يظهره ويؤيده، ويعليه ويعزه، ويجيب دعواته، ويمكنه ممن يخالفه، ويقيم الأدلة على تصديقه شيئا بعد شيء». قال: «ومعلوم أن هذا يتضمن أعظم القدح والطعن في الرب سبحانه، في الرب سبحانه وتعالى، وعلمه وحكمته ورحمته وربوبيته. تعالى الله عن قول الجاحدين علوا كبيرا». ولهذا يا إخوان، من أكثر الفرق التي تنتسب إلى الإسلام مشابهة لليهود هم الروافض. فالروافض هم حمير اليهود، حمير اليهود. أشبه الناس باليهود هم الروافض. قال: «فوازن بين قول هؤلاء وبين قول إخوانهم من الرافضة». فوازن، أي اعمل موازنة مقارنة بين قول هؤلاء، أي من اليهود والنصارى، وبين قول إخوانهم من الرافضة، تجد القولين رضيعي لبان ثدي أم، تقاسم بأسحى مداج، عوضوا لا نتفرق. فكأنه، فكأنهما رضعا من ثدي واحد، وأخذ من مكان واحد، من مكان واحد، وإن كانت أجناسهم مختلفة ومتفرقة. ومر معنا هذا البيت، أنه من ديوان الأعشى، من ديوان الأعشى، مر معنا قريبا. قال -رحمه الله تعالى-: «ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أنه على مر التاريخ، على مر قرون، لا يكون هناك حرب بين اليهود والنصارى وبين المسلمين، إلا وللروافض مواقف مع اليهود والنصارى ضد المسلمين. إذا قامت الحروب بين أهل الإسلام وبين أعدائهم من اليهود والنصارى، الروافض هم أعوان اليهود والنصارى على المسلمين». فلا يخدعنا ما يزيفه روافض اليمن من الحوثيين، حين أن يتظاهروا أنهم يقاتلون اليهود بفلسطين. إعلام يروج لهم ذلك، ويظهر هؤلاء الخونة من الرافضة الحوثية أنهم يقاتلون اليهود بفلسطين. كذبوا، كذبوا. وانظر ماذا فعلوا، أين الأضرار التي تضرر منها اليهود؟ الرافضي في سوريا مصيرية، والرافضي في لبنان ممن يتسمون بحزب الله، والرافضي في العراق الحشد الشعبي وغيره، وليس بينهم وبين اليهود إلا حدود، إلا حدود. ومع هذا لا تسمع لهم نكيرا، ولا تجد لهم ردا، ولا غير ذلك. فكيف بهؤلاء الأوباش من الرافضة في اليمن يزعمون أنهم في نصرة إخوانهم في غزة أو فلسطين، وأنهم ضد اليهود والصهاينة المحتلين؟ هذا مما يحاول أن يروجوه على عقول الناس، وكذبوا في ذلك. قال -رحمه الله تعالى-: «قال: وكذلك لم يقدره حق قدره من قال إنه يجوز أن يعذب أولياءه، ومن لم يعصيه طرفة عين، ويدخلهم دار الجحيم، وينعم أعداءه، ومن لم يؤمن به طرفة عين، ويدخلهم دار النعيم. وهذا ليس مقتضى حكمة الله عز وجل وعدله تبارك وتعالى». قال: «وإن كلا الأمرين بالنسبة إليه سواء، أي أنه ينعم المؤمن المطيع، أو ماذا؟ أنه يعذب المؤمن المطيع، وينعم الكافر العاصي. فحكمة الله عز وجل، عز وجل وعدله، وعدله، لا تقضي ذلك. هم يقولون: إن كلا الأمرين بالنسبة إليه سواء. أبدا، ليس سواء، لأن الله تعالى يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. وهكذا الآيات في هذا الباب كثيرة». منها قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾. هذا لا يليق بعدل الله تبارك وتعالى وحكمته. قال ربنا عز وجل: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. فربنا تبارك وتعالى قال: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا». كيف يجازي أهل الإيمان والحسنة بالعذاب والخزي، ويجازي أهل الإجرام والعناد بالنعيم؟ ساء ما يحكمون. قال -رحمه الله تعالى-: «قال: وإن كلا الأمرين بالنسبة إليه سواء، أكذا زعموا؟ قال: وإن الخبر المحض جاء عنه بخلاف ذلك، جاء عنه في آيات القرآن، وفي أحاديث السنة، كما سمعتم في الآيات السابقات وغيرها كثير. قال: فمعناه، أو فمنعناه، فمنعناه، فمنعناه للخبر، لا لمخالفة حكمته وعدله. وقد أنكر سبحانه في كتابه على من جوز عليه ذلك غاية الإنكار». من قال أن أن الله عز وجل يجوز أن يعذب أولياءه وينعم أعداءه، قال: «وجعل الحكم به من أسوأ الأحكام، ولهذا قال في كتابه: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾». قال -رحمه الله تعالى-: «قال: وكذلك لم يقدره حق قدره من زعم، لعنه الله، من زعم، لعنه الله، أنه سبحانه وتعالى لا يحيي الموتى، ولا يبعث من في القبور، ولا يجمع خلقه ليوم يجازى المحسن فيه بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويأخذ للمظلوم فيه حقه من ظالمه، ويكرم عباده المتحملين للمشاق، المتحملين للمشاق. والمقصود بتحمل المشاق يعني تحمل الأذى وغيره في سبيل الله عز وجل». ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أشد الناس بلاء، منهم أشد الناس بلاء، أشد الناس بلاء. يا إخوان، العبيد منهم الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل. يبتل الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة، يعني قوة، اشتد بلاءه. لاحظوا يا إخوان، أنبياء ورسل لقوا من أقوامهم من أصناف وأنواع البلاء والأذى الشيء الكثير. قال الله عز وجل عن بني إسرائيل: ﴿أَوَ كُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ إلى أن قال: ﴿فَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾. التكذيب بل والقتل. يحيى بن زكريا ذبح ذبحا، وأبوه زكريا قتل قتلا. انظر ماذا فعل بإبراهيم، وكيف عملوا مع نوح، وكيف آذوا موسى، وكيف تآمروا على قتل عيسى. وهكذا ما فعل بنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لما وقع ما وقع بعد غزوتي حنين، عند توزيع الغنائم، وقول ذلكم التميمي ذو الخويصرة، لما قال: يا محمد اعدل، فإنك لم تعدل. وفي رواية قال: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، ما أريد، ما أريد بها وجه الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر، بأكثر من هذا فصبر». وهكذا الصحابة، كم أذوا. وهكذا أولياء الله وعباده الصالحون، كم أذوا. فأشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل. قال هنا: «ويكرم عباده المتحملين للمشاق». في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ثعلبة الخشني، لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أخبر عليه الصلاة والسلام أن بين أيديكم أيام الصبر. أخبر عليه الصلاة والسلام أن المتمسك بدينه كالقابض على الجمر، المتمسك بدينه كالقابض على الجمر. لك أن تتخيل شخصا يقبض على جمر، كيف سيكون حاله، كيف سيكون حاله؟ يأتي على الناس زمان، المتمسك بدينه كالقابض، كالقابض على الجمر. قال: «له أجر خمسين». قال الصحابة: أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: «بل منكم، بل منكم». فتحمل المشاق في سبيل الله عز وجل، هذا يوفق الله له من شاء من خلقه، المؤمنين المتقين الصابرين. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ ولكن الآيات. قال -رحمه الله تعالى-: «قال: ويكرم عباده المتحملين للمشاق في هذه الدار من أجله وفي مرضاته بأفضل كراماته، ويبين لخلقه الذي يختلفون فيه، ويعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين». قال -رحمه الله تعالى-: «قال: وكذلك لم يقدره حق قدره من هان عليه أمره، أي أمر الله، فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيعه، وذكره فأهمله، وغفل قلبه عنه، وكان هواه وشهوته آثر عنده من طاعة ربه، وطلب مرضاته، وطاعة المخلوق أهم عنده من طاعته». وماذا؟ هذا حال البعض من الناس، ما قدر الله حق قدره. يسمع الأمر فلا يمتثله، والنهي فلا يجتنبه، والحق فيضيعه. وهكذا غيرها مما أمر به ربنا عز وجل أمرا شرعيا، فإنه لا يمتثل ذلك، واتبع هواه، وكان أمره فرطا، وكان أمره فرطا. قال -رحمه الله تعالى-: «قال: فلله الفضلة من قلبه وقوله وعمله، وسواه المقدم في ذلك، لأنه المهم عنده». فما معنى قوله هاهنا: «فلله الفضلة من قلبه وقوله وعمله»؟ ما هي الفضلة؟ ما هي الفضلة يا أبا الفضل؟ يعني يجعل لله الشيء. ارفع صوتك. نعم يا بفواز. قال: «فلله، فلله الفضلة». يسألونك ماذا ينفقون، أو ماذا في الحديث فيما يتعلق به النفقة، فذكر الفضل. ما معنى الفضل ها هنا؟ لا، ليس كذلك. ماذا يا با عبد الرحمن؟ يجعلون لله الشيء، ماذا؟ الزائد. فقوله: أحسنت. فقوله: «فلله الفضلة» يعني الأشياء الزائدة. أما الأصل في أعمال قلوبهم وأقوالهم وأفعالهم فإنها لغيره، لسواه. قال: «وسواه، أي غير الله عز وجل، المقدم في ذلك، لأنه المهم عنده، وليس المهم هو التقرب إلى الله عز وجل». قال: «يستخف بنظر الله إليه واطلاعه عليه، وهو في قبضته وناصيته بيده، ويعظم نظر المخلوق إليه واطلاعه عليه، بكل قلبه وجوارحه. يعني جعل الله أهون الناظرين إليه». وهذا يجرنا إلى ذنوب الخلوات. إذا خلا بمحارم الله انتهكها. يستخفون من الناس، ولا يستخفون من الله، وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول، وكان الله بما يعملون محيطا. يعني إذا كان هناك أناس لا يتجرأ على فعل المعصية، على فعل المعصية، بينما إذا كان في غرفته أو في مكان لخلوته، فعندها يفعل المعاصي ويرتكب المحرمات، ولا يستشعر نظر الله عز وجل إليه واطلاعه عليه، واطلاعه عليه. جاء في حديث ثوبان رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات كأمثال جبال تهامة بيضا، فيجعلها الله هباء منثورا». قال ثوبان: قلنا: يا رسول الله، صفهم لنا، جلهم لنا، ألا نكون منهم ونحن لا نعلم؟ قال عليه الصلاة والسلام: «هم من إخوانكم، ومن بني جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». يعني الواحد منهم جعل الله عز وجل أهون الناظرين إليه. قال: «ويستحي من الناس، ولا يستحي من الله، ويخشى الناس، ولا يخشى، ولا يخشى الله، ويعامل الخلق بأفضل مما، بأفضل ما يقدر عليه، وإن عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقره. وإن قام في خدمة إلهه من البشر، قام بالجد والاجتهاد، وبذل النصيحة، أي كان ناصحا في عمله، متقنا، محسنا في عمله لإلهه من البشر». قال: «وقد فرغ له قلبه وجوارحه، وقدمه على كثير من مصالحه، حتى إذا قام في حق ربه، إن ساعد القدر، أي إن قدر له ذلك أن يقوم بالعمل في حق ربه الخالق تبارك وتعالى، قال: قام قياما لا يرضي مثله مخلوق من مخلوق، وبدل له من ماله ما يستحي أن يوجهه، أو أن يواجهه به مخلوق لمثله، مخلوق لمثله. فهل قدر الله حق قدره من هذا، من هذا وصفه؟». وهكذا يا إخوان، كما سبق، ابن القيم يسرد، وانظر، وصل الآن إلى أرباب المعاصي وأصحاب الشهوات المحرمة، كيف أن الواحد ما تجرأ على المعصية إلا حين أن جعل الله أهون الناظرين إليه. وقد يستحي من الناس أعظم مما يستحي من الله، بل ويخشى الناس، لربما أشد من خشيته لله عز وجل. فهل قدر الله حق قدره من هذا وصفه؟ ولا زال -رحمه الله تعالى- يبين ماذا؟ يبين هذا الأمر الذي جر أولئك من المشركين والمبتدعين والمخالفين أن يقعوا في هذه المخالفات، وسبب ذلك أنهم ما قدروا الله حق قدره، ولا عظموه حق تعظيمه. الحديث له تتمة، يسر الله إكماله في درس لاحق. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.