الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 83، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع أن المشركين الذين يزعمون عبادة الملائكة أو الأنبياء أو الأضرحة والكواكب، هم في الحقيقة يعبدون الشياطين التي تتولى إضلالهم وتوهمهم قبول العبادة. ويستدل بقصة هدم خالد بن الوليد لصنم العزى وظهور جنية مكانها، وبآيات قرآنية تنفي عبادة الملائكة وتؤكد أن المعبود الحقيقي للجن.
يوضح المقطع أن عبادة المخلوقين كالمسيح وأمه أو الشمس هي في حقيقتها عبادة للشيطان الذي يزين للناس أعمالهم ويصدهم عن السبيل. وأن الشرك أكبر الكبائر لمنافاته لغاية خلق الخلق وهي توحيد الله، كما أن الكبر وتوابعه تمنع دخول الجنة وتعد من أعظم المحرمات.
يوضح المقطع أن التزين بالثياب الحسنة ليس من الكبر، بل الكبر هو بطر الحق وغمط الناس، وأن القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله من أعظم الذنوب المفضية إلى الشرك والبدع. كما يحذر من التعطيل ونفي صفات الكمال، مبيناً أن فرعون هو قدوة المعطلين، وأن مذهب الأشاعرة المنتشر يخالف قول السلف رغم توبة إمامه أبي الحسن الأشعري.
يختتم المتحدث بدعاء الله أن يرزقه والمشاهدين علماً نافعاً وعملاً صالحاً، ويصلي على النبي محمد، ثم يحمد الله ويشكر الحضور على المشاهدة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع الداء والدواء، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية. فما هي الجوزية؟ ابن قيم الجوزية. يا أبا جعفر، أحسنت: مدرسة كان أبوه يقوم عليها، قيم الجوزية، فيقال ابن القيم أو ابن قيم الجوزية. رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. ولقد استعرض رحمه الله تعالى جملة صور الشرك، وأنواعاً من الكفر والبدع والمعاصي، التي سببها أن العبد لم يعظم الله حق التعظيم، ولم يقدر الله حق قدره. ولاحظوا بداعة وحسن هذا السرد الذي سرده رحمه الله تعالى، فاستعرض فيه أنواعاً من الكفر، وصوراً من الشرك، وهكذا ألواناً من البدع، وضروباً من المعاصي، إلى غير ذلك مما تضمنه هذا الفصل النفيس. ثم قال رحمه الله تعالى في تتمة فصله هذا: «وهل قدره حق قدره من شارك بينه وبين عدوه في محض حقه ومحض -أي خالص- حقه من الإجلال والتعظيم والطاعة والذل والخضوع والخوف والرجاء، كما يفعل الأتباع مع عظمائهم؟ قال: فلو جعل له من أقرب الخلق إليه شريكاً في ذلك، لكان ذلك جرأة عليه وتوثباً على محض حقه، واستهانة به، وتشريكاً بينه وبين غيره فيما لا ينبغي ولا يصلح إلا له سبحانه. فكيف، وإنما شرك بينه وبين أبغض الخلق إليه وأهونهم عليه وأمقتهم عنده، وهو عدوه على الحقيقة؟ فإنه ما عبد من دون الله إلا الشيطان، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾». والشيطان: جل عبادته كانت في الطاعة، وأما اليوم فالشيطان يعبد جهاراً ويعبد علناً. هناك طوائف يسمون بعباد الشيطان، عباد الشيطان، ولهم احتفالات، ولهم مناسبات يفتخرون، وهكذا يعتزون بعبادتهم للشيطان. فلم يختفوا بمجرد الطاعة والاتباع، وإنما صرفوا للشيطان عبادات وهكذا أعمالاً. فهذه المشاركة بين الخالق والمخلوق، لو صُرف شيء مما لا يجوز أن يصرف إلا لله عز وجل، لو صُرف لأقرب الخلق إلى الله عز وجل كالأنبياء والملائكة، لكان ذلك ظلماً عظيماً، وجرماً كبيراً، وجرأة -يا إخوان- على مقام الله عز وجل، وهكذا استهانة بمقامه وحقه سبحانه. فكيف يعبد من أهل الباطل، ويعبد كذلك أيضاً من أهل الانحراف والضلال من يعبد؟ فهذا أمر عظيم جداً. وربنا تبارك وتعالى قد حذرنا من ذلك أيما تحذير. قال رحمه الله تعالى: «ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم، وقعت عبادتهم في نفس الأمر للشياطين». وهم يظنون أنهم يعبدون الملائكة. لاحظوا يا إخوان هذه نقطة لطيفة، وفائدة نفيسة: الإنسان يظن أنه يعبد الملائكة، أو أنه يعبد الأنبياء، أو أنه يعبد شجراً أو حجراً أو غيره، وحقيقة الأمر فإن العبادة إنما هي للشياطين. ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد لكي يهدم صنم العُزّى، ماذا فعل خالد؟ قطع تلكم الشجرة وهدمها، ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر له ما صنع، فقال: «لم تصنع شيئاً، ارجع». أمره أن يرجع. فلما رجع، وجد شيطانة جنية عارية، شعثاء الشعر، والسَّدَن ينادون: يا عُزّى، يا عُزّى. فابتدرها خالد بسيفه فقتلها. فلما رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ماذا؟ أعجب النبي عليه الصلاة والسلام بما صنعه خالد. واليوم تُعبد أضرحة، وتُعبد قبور، وحولها من السَّدَن، ومن حولها الشياطين يحيطون بها، ويحاول يزرع في قلوب الذين يأتون إليها التعظيم لهذا الضريح، أو لهذا القبر، أو المشهد. الشياطين هم الذين يحيطون بهذا المعبود. ولهذا كم ذكر العلماء صوراً وأنواعاً من تسلط الشياطين على أولئك المريدين. قد يتمسك رجله عند القبر، يظن أن الذي أمسكها من صاحب القبر، وإنما هو شيطان. قد يستهين بصاحب القبر، يقول: هذا كذب، هذا كلام فارغ، هذا غير صحيح. يقول له السَّدَن: إذن سيأتيك صاحب القبر في الليل، سيأتيك في المنام. ومن الذي يأتي؟ يأتي الشياطين، فيزرع في قلبه خوفاً، رعباً، وذعراً، إلى غير ذلك. فالشياطين في حقيقة الأمر هم الذين يُعبدون، وليس الملائكة، ولا الأنبياء، ولا كذلك الأضرحة، ولا كذلك الأشجار أو الأحجار أو غيرها. هذه لطيفة ونكتة مفيدة، نبه عليها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. قال: «ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم، وقعت عبادتهم في نفس الأمر للشياطين، وهم يظنون أنهم يعبدون الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾». ما معنى «سبحانك»؟ ما معنى «سبحانك» يا أبا نظم؟ قالوا: سبحانك، ما هو التسبيح؟ التنزيه. أحسن: تنزيه المولى سبحانه وتعالى من كل نقص وعيب، من كل نقص وعيب. ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ﴾. بل كانوا يعبدون الجن. أكثرهم بهم مؤمنون. قال: كانوا يعبدون الملائكة، بل كانوا يعبدون الجن. ما كانوا يعبدون الأنبياء، بل كانوا يعبدون الجن. ما كانوا يعبدون الأشجار والأحجار والأضرحة والقبور، أكثرهم بهم مؤمنون. قال: «فالشيطان يدعو المشرك إلى عبادته، ويوهمه أنه ملك». قال: «وكذلك عباد الشمس والقمر والكواكب، وفي بعض النسخ: والنجوم». قال: «يزعمون أن...» يعبد عباد هذه الكواكب والشمس والقمر، يزعمون أنهم يعبدون روحانيات هذه الكواكب، روحانيات هذه الكواكب، وهي التي تخاطبهم وتقضي لهم الحوائج، وتقضي لهم الحواجب، وتقضي لهم الحوائج. ولهذا إذا طلعت الشمس قارنها الشيطان، يعني تطلع بين قرني الشيطان، قال: «فيسجد لها الكفار، فيقع سجودهم له، أي للشيطان». وكذلك عند غروبها. تخاطبهم الكواكب، وإنما الذي يخاطبهم في حقيقة الأمر هو... من؟ يا عبد الرحمن، من يخاطبهم؟ الشيطان هو الذي يخاطبهم. ولهذا يا إخوان، مر معنا في قصة الهدهد مع سليمان، في قصة قوم سبأ، قال الهدهد: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. ماذا بعدها؟ ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾. قال رحمه الله تعالى: «وكذلك من عبد المسيح وأمه». من المسيح؟ يا فاروق. قال: «وكذلك من عبد المسيح وأمه». من المسيح؟ فهمت السؤال. قال: «وكذلك من عبد المسيح». ما هو المقصود بالمسيح؟ أهو ملك أم نبي أم ولي؟ جاء ذكره المسيح من؟ يا أبا عدد، ما شاء الله. عيسى بن مريم. أحسنتم: عيسى بن مريم، وأمه مريم. قال: «وكذلك من عبد المسيح وأمه، لم يعبدهما، وإنما عبد الشيطان، فإنه يزعم أنه يعبد من أمره بعبادته وعبادة أمه، ورضيا له وأمرهم بها، وهذا هو الشيطان الرجيم. لعنة الله عليه، لا... لا عبد الله. لعنة الله عليه، لا عبد الله ورسوله، لا عبد الله ورسوله، لا عبد الله ورسوله، وعبد الله ورسوله هو عيسى عليه الصلاة والسلام». ولهذا ربنا عز وجل يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾. تنزيه لله عز وجل. ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ وَإِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيات. فانظروا، لاحظوا كيف يزين الشيطان عبادة المخلوقين، ويظن الإنسان أنه يعبد هذا المخلوق، وفي حقيقة الأمر إنما هي العبادة للشيطان الرجيم. قال: «فنزل هذا، أي الذي ذكر كله، على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَلَّا تَعْبُدُوا﴾... ألا تعبدوا الشيطان». قال: «فما عبد أحد، أو فما عبد أحد من بني آدم غير الله، كائناً من كان، إلا وقعت عبادته للشيطان الرجيم، إلا وقعت عبادته للشيطان الرجيم. فيستمتع العابد بالمعبود في حصول غرضه، ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه له وإشراكه مع الله، الذي هو غاية رضا الشيطان». قال: «ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾، ويوم يحشرهم جميعاً، أي الإنس والجن. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ﴾، أي من إغوائهم وإضلالهم. الإنس أو الجن يغوون ويضلون الإنس. ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ﴾، أي الذين كانوا يعبدونهم من الإنس، يعبدون الجن. ﴿قَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾. ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. قال: «فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك في هذه الآية أخفى من دبيب النمل، وإلى السر في أن الشرك أكبر الكبائر عند الله، وأنه لا يغفر بغير التوبة منه، وأنه يوجب الخلود في العذاب، وأنه ليس تحريمه، وأنه ليس تحريمه وقبحه بمجرد النهي عنه، بل يستحيل على الله سبحانه أن يشرع عبادة إله غيره، كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله. قال: وكيف يظن بالمنفرد بالربوبية والإلهية والعظمة والكبرياء والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك، أو يرضى به، أو يرضى به؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً». قال رحمه الله تعالى: «فصل: فلما كان الشرك أكبر شيء منافاة للأمر الذي خلق الله له الخلق، وأمر لأجله بالأمر، كان أكبر الكبائر عند الله». وقوله هنا... آه، ماذا؟ «فلما كان الشرك أكبر شيء منافاة للأمر الذي خلق الله له الخلق». فما هو هذا الأمر الذي خلق الله لأجله الخلق؟ يا خان، محمد بن زكي. نحن مر معنا أن النهي كلما كان أبعد عن الأمر الذي خلق الله الخلق لأجله، كان أعظم عند الله عز وجل. وهكذا الأمر الذي يأمر به ربنا عز وجل، كلما كان أقرب إلى هذا الشيء الذي خلق الله الخلق لأجله، كان هذا الأمر وهذا العمل أعظم عند الله تبارك وتعالى. العبادة، والعبادة، والتعظيم، والإجلال لله، لله تبارك وتعالى. ولأجل هذا كان التوحيد أعظم الحسنات، وأحب العبادات إلى الله عز وجل، وكان الشرك أعظم المحرمات، أعظم المحرمات وأقبحها عند الله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «وكذلك الكبر وتوابعه، كما تقدم: الكبر وتوابعه، مثل الفخر والعجب ونحوها. قال: فإن الله سبحانه خلق الخلق وأرسل الرسل وأنزل الكتب لتكون الطاعة له وحده، والشرك والكبر ينافيان ذلك، ينافيان ذلك. قال: ولذلك حرم الله الجنة على أهل الشرك والكبر، فلا يدخلها من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، كما جاء الحديث في صحيح مسلم عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"». لاحظوا يا إخوان: مثاقيل الذر من الكبر قد تمنع صاحبها من دخول الجنة دخولاً أولياً، دخولاً أولياً. وأما إذا كان الكبر أوصل صاحبه إلى الكفر والشرك، ككبر المشركين، وعدم استجابتهم لدعوة المرسلين، فهذا يمنعه من دخول الجنة بالكلية. فما ظنك بما إذا كانت القلوب مشحونة مليئة بالكبر والتعالي والترفع والفخر والإعجاب؟ فنسأل الله العافية والسلامة. قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». قال الصحابة رضي الله عنهم: شكلاً وقعاً عندهم. قالوا: يا رسول الله، إن أحدنا ليحب أن يكون ثوبه حسناً، يلبس ثوباً جميلاً حسناً، ونعله حسناً، أي هل هذا من الكبر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله جميل يحب الجمال، يحب الجمال. الكبر: بطر الحق». يعني: ليس كون الشخص يلبس جميلاً، ونعلاً جميلاً، ويخرج في صورة جميلة، ليس هذا من الكبر، بل ربنا جميل ويحب الجمال. الكبر: «بطر الحق وغمط الناس». بطر الحق: أي رده وعدم قبوله. وغمط الناس: أي احتقارهم، احتقارهم. قال رحمه الله تعالى: «فصل: شامل، وصاحبك تقدم». قال رحمه الله تعالى: «فصل: ويلي ذلك في كبره، في كبر، أو في كبر المفسدة: القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته». تقدم... الجدار... يأتي بالنوم هنا... هنا عندي... هنا. قال: «هنا، كلاكما، كلاكما، هنا». قال: «ويلي ذلك في كبر المفسدة: القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، ووصفه بضد ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، فهو أشد شيء مناقضة ومنافات لكمال من له الخلق والأمر، أي الله عز وجل، وقدح في نفس الربوبية، وخصائص الرب، وخصائص الرب». وهذا يا إخوان تنبيه جيد، وتنبيه على خطورة أن يقول العبد على الله عز وجل بغير علم، بغير علم. وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون، هذا شيء خطير جداً. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، أي سيسأل أصحابه. ولهذا القول على الله سبحانه وتعالى بلا علم، يعتبر من أعظم الذنوب التي حرمها ربنا عز وجل. وبسبب القول على الله بلا علم، وقع الشرك بالله عز وجل، ووقعت البدع والمحدثات، ووقعت المعاصي والمحرمات، تُركت الفرائض. يا إخوان، بسبب القول على الله بغير علم، وانتهكت المحرمات، وحصل ما حصل مما وقع بسببه جرأة العبد على الله تبارك وتعالى. وقوله على الله بلا علم، بلا علم، سواء كان في أفعال الله المتعلقة بالربوبية، أو كان في أفعال العباد المتعلقة بالألوهية والعبودية، أو كان في باب الأسماء والصفات، أو الفرائض والواجبات، أو المحظورات والمنهيات، أو غيرها، فهذا من أعظم ما يكون في القول على الله عز وجل بغير علم، بغير علم. قال رحمه الله تعالى: «فإن قال: فإن... فإن صدر ذلك عن علم، فهو عناد، أقبح من الشرك وأعظم إثماً عند الله. فإن المشرك المقر بصفات الرب، خير من المعطل الجاحد لصفات كمال الرب تعالى». قال: «كما أن من أقر لملك بالملك، ولم يجحد ملكه، ولا الصفات التي استحق بها الملك، لكن جعل معه شريكاً في بعض الأمور تقربه إليه، خير ممن جحد صفات الملك، وما يكون به ملكاً. فهذا في البشر، فما ظنكم برب العالمين؟ فما ظنكم برب العالمين تبارك وتعالى وتقدس؟». قال: «هذا أمر مستقر في سائر الفطر والعقول». الفطر: جمع ماذا؟ الفطر: جمع ماذا يا أبا أسامة؟ الفطر: أين أبو أسامة؟ أين عم صد؟ الفطر: جمع ماذا؟ ما مفرده؟ أنظر إلى أبي الحسن. ما مفرد الفطر؟ واحدها ماذا؟ فطرة. أحسن: مفردها فطرة. والعقول: ما مفرده؟ آه، عندك أنت: العقل، مفردها عقل. قال: «هذا أمر مستقر في سائر الفطر والعقول، فأين القدح في صفات الكمال والجحد لها، من عبادة واسطة بين المعبود الحق وبين العابد، يتقرب إليه بعبادة تلك الواسطة إعظاماً له وإجلالاً؟». وفي نواقض الإسلام: أن من اتخذ بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويتوكل عليهم، كفر إجماعاً. هذه الوسائط: وسائط في العبادة، فلا يجوز أن يتخذ واسطة بين العبد وبين المعبود، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. قال: «ويرى نفسه حقيرة صغيرة في عبادة ربه بغير واسطة». قال: «فدواء التعطيل هو الداء العضال الذي لا دواء له، إلا أن يهدي الله صاحبه، ويرده إلى الصراط المستقيم». قال: «ولهذا حكى الله عن إمام المعطلة، فرعون، لعنة الله عليه، أنه أنكر على موسى ما أخبر به من أن ربه فوق السماوات، فقال: أي قال، ربنا عن فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَٰهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾». أنظروا إلى المعطل: فرعون هو قدوة المعطلين الذين ينكرون مثل هذه الصفات في حق الله عز وجل، من أن الله مستوٍ على عرشه فوق سمائه، بائن من خلقه. قال: «واحتج الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتبه على المعطلة بهذه الآية، بهذه الآية، وقد ذكرنا لفظه في غير هذا الكتاب». والقول على الله بلا علم، والشرك متلازمان. وقوله: «وقد ذكرنا لفظه»، أي ما ذكره الإمام أبو الحسن الأشعري في غير هذا الكتاب، أي ذكره في... في ابن القيم، في كتاب قيم له بعنوان: «اجتماع الجيوش الإسلامية على حرب المعطلة والجهمية»، في «إثبات العلوم»، في «إثبات العلوم». وأبو الحسن الأشعري كان على مذهب أهل البدع، وإليه تنسب الأشاعرة. كم يا إخوان، مذهب الأشاعرة منتشر في العالم الإسلامي، وفي البلدان الأخرى الكافرة، المسلمون الموجودون في بعض البلاد الكافرة، منتشر بشكل كبير جداً. مع أن إمام المذهب وصاحب الفكرة قد رجع عن قوله، وأعلن توبته وبراءته أمام الملأ، أعلن براءته من هذا، وأنه يقول بقول السلف، وألف كتابه «الإبانة» وغيره، يرد على تلكم الاعتقادات الباطلة التي صدرت منه. ومع هذا لم يستجب الكثير من هؤلاء الأتباع، من هؤلاء الأتباع. ويأتي معنا مزيد بيان في... فيما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في تتمة هذا الفصل، وما بعده من الفصول الماتعة النفيسة، التي حري بنا جميعا معاشر طلاب العلم أن نتفقه فيها، ونتنبه لها. أسأل المولى عز وجل أن يرزقني وإياكم علماً نافعاً، وعملاً صالحاً يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدة. شكراً للمشاهدة.