الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 81، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول المحور داء العشق كمرض عضال وصف ابن القيم علاجه في «الداء والدواء»، ويبرز دور العلماء الربانيين في معالجة أمراض القلوب وإحياء النفوس. يؤكد أن خطر هذا الداء تضاعف مع انتشار الإنترنت ووسائل التواصل التي تغذي العلاقات المحرمة، مما يجعل المجتمعات اليوم في أمس الحاجة إلى التنبيه والعلاج.
يوضح المحور أن أصل الشرك والبدع والأهواء هو عدم تعظيم الله حق تعظيمه، مستشهداً بتسوية الخالق بالمخلوق وتعطيل الصفات وعبادة القبور. ثم يناقش مذهب الجبرية والقدرية مبيناً أن كليهما لم يقدّر الله حق قدره، ويرجح القول بأن للعبد مشيئة تابعة لمشيئة الله تعالى.
يناقش المحور بطلان قول القائلين بحلول الله في كل مكان، مؤكداً أن الله استوى على عرشه في السماء. يستدل بآيات القرآن وكلام ابن القيم على أن تقدير الله حق قدره يستلزم إثبات صفات الكمال له دون تمثيل أو تعطيل.
يختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى أن الحديث سيكتمل في الدرس القادم، ويدعو للجميع بالهداية ويصلي على النبي محمد. يختم بالحمد لله شاكراً الحضور على متابعتهم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع هذه الفصول الهامة العظيمة التي ذكرها شيخ الإسلام الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا الكتاب القيم والنفيس الموسوم بـ «الداء والدواء»، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي. وكما رأيتم، أجاد وأفاد وأحسن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في وضع النقاط على الحروف، ووضع الدواء على الداء، فيكون بإذن الله عز وجل الشفاء. وهذا الداء الذي سئل عنه شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى هو داء خطير، ومرض عضال، من أصيب به فيوشك أن يهلك إلا أن يتداركه الله عز وجل برحمة منه وتوبة نصوح وإصلاح لأحوال. ما هو الداء الذي أخذ ابن القيم يصف لنا فيه الدواء؟ نعم، ما هو الداء يا أبا خالد؟ الداء والدواء.. نحن الآن نتحدث حول أدوية ناجحة ومفيدة لعلاج هذا الداء، فما هو هذا الداء؟ المرض ما هو؟ نعم عندك يا أبا خالد، وإلا فعند صاحبك وابن خالد عنده؟ نعم تفضل. طيب، أحسن عند أبي سالم: داء العشق. أحسنت، داء العشق. وأي داء يا إخوان أضر من العشق لصاحبه؟ والعلم يا إخوان أطباء يعالجون القلوب، يعالجون القلوب إذا مرضت، وهكذا أيضًا يحيي الله عز وجل بهم قلوب الموت. فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه. فما أحسن أثرهم على الناس! وفي نفس الوقت يا إخوان، قد يكون أثر الناس عليهم قبيحًا وشديدًا. كم حورب العلماء، وكم نيل من أعراضهم، ونيل من أجسامهم! كم من عالم من ضرب أو قتل أو تكلم فيه. فالعلماء يا إخوان هم يعتبرون كنجوم السماء: إذا بدت للناس اهتدوا، وإذا خفيت عليهم تحيروا، كما قال الإمام أبو مسلم الخولاني رحمه الله تعالى: «العلماء هم مصابيح الدجى ومنارات لأهل الهدى». يصلح الله عز وجل بأهل العلم أفرادًا ومجتمعات، قرى ومدنًا وأقطارًا وأمصارًا. رأيتم كيف نفع الله بشيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب التميمي النجد رحمه الله تعالى؟ انظروا إلى آثار دعوته، ليس في المملكة فحسب، بل وفي أنحاء عديدة ودول كثيرة. آثار دعوته بلغت السهل والجبل، بلغت إلى أقصى العالم، إلى أدغال أفريقيا، إلى أقصى جنوب شرق آسيا، إلى وسط وطرف أوروبا وأمريكا وغيرها. انظروا إلى أثر دعوة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى. ابن باز آثاره في أنحاء العالم، في أقصى المعمورة تجد من كان سبب هدايته على يد الشيخ ابن باز، أو أن الشيخ رحمه الله تعالى كان له فضل عليه إما بشفاعة أو وجاهة أو مساعدة مالية إلى غير ذلك. من مثل ابن باز يا إخوان؟ وهكذا غيره من العلماء: انظروا الألباني وجهوده وعلمه ودعوته وأثرها، انظروا إلى الشيخ ابن عثيمين، وهكذا شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى. رحل إلى الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى من أنحاء عديدة. ما تذهب بلدًا من البلدان إلا وتجد من طلابه من يدعو إلى الكتاب والسنة، ويصلح الله به مجتمعات وقرى ومدن على يد طلاب العلم الذين هم سفراء المراكز ودور الحديث، وهكذا نواب أهل العلم في تلكم المناطق. وشاهدنا من هذا يا إخوان هو الأثر الكبير والدور العظيم الذي يقوم به العلماء. ومن ذلكم أنهم يعالجون القلوب من الأدواء والأمراض، ومنها داء العشق. الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، لاحظوا كيف تفنن وأبدع وتوسع في علاج هذا الداء، وبين خطره وعظيم ضرره، مع أن ابن القيم عاش قبل مئات السنين. كيف لو أدرك زماننا؟ كيف لو عاش حالنا؟ سيرى أمرًا عجيبًا، وسيرى خطرًا عظيمًا في زمن الإنترنت والفضائيات ووسائل الإعلام والتواصل وغير ذلك مما يغذي هذا الداء، يغذي داء العشق. كم حصل العشق بسبب الجوالات وبسبب القنوات: علاقات غرامية وعبارات الحب والهيام وغيرها مما يبتلى به الكثير من الناس، الكثير من الناس. فاليوم يا إخوان المجتمعات وهكذا الأفراد أحوج ما يكون إلى أن ينبه ويحذر وأن تعالج مثل هذه الأمراض الموجودة. فرحم الله ابن القيم إذ أنه أودع في هذا الكتاب ما تفرق في غيره، وأجاد وأفاد رحمه الله تعالى. وهنا لا زال يتحدث في هذه الفصول حول أعظم ذنب وأكبر سيئة على الإطلاق، ألا وهي سيئة الشرك. وآه، ماذا؟ آه أن يجعل أو أن يساوى بين الخالق والمخلوق. تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين، وما أضلنا إلا المجرمون، فما لنا من شافعين ولا صديق حميم، فلو أن لنا كرة أي إلى الدنيا فنكون من المؤمنين. وهكذا تشبيه المخلوق بالخالق سبحانه وتعالى، فهذا من أعظم الظلم الذي وقع فيه من وقع من الناس. وبين رحمه الله تعالى أن من أعظم أسباب الوقوع في الشرك بالله عز وجل، وليس الشرك فقط بل والبدع والأهواء، هو أن العباد ما قدر الله حق قدره ولا عظموه حق تعظيمه. ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. نوح عليه الصلاة والسلام وعظ قومه حين أن رآهم أخذوا بآلهة الشرك وتعصبوا بهذه الأصنام التي تعبد من دون الله أو مع الله تبارك وتعالى، قال لهم: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. فما قدر الله حق قدره من شبه المخلوق بالخالق، وما قدر الله حق قدره من عطل الله عز وجل عن أسمائه وصفاته أو عن الصفات أو عن بعض هذه الصفات. ما قدر الله حق قدره من نسب إلى الله عز وجل الجهل وأنه لا يعلم بالشيء إلا إذا وقع، كما يقول المعتزلة: يقولون الله عز وجل يقولون الأمر أنف، وأن الله عز وجل لا يعلم بالشيء إلا إذا وقع، فأنكروا من القدر ما أنكروا. وهكذا أيضًا ما ذهب إليه القدرية والجبرية وغيرهم من الأهواء والبدع، كل ذلك يا إخوان بسبب أنهم لم يعظموا الله حق التعظيم ولم يقدروا الله حق قدره. ما يفعل عند الأضرحة والقبور من دعاء غير الله عز وجل، وتمسح بأتربة الموتى، والذبح عندها، والنذور، والاستغاثة، وغيرها مما لا يجوز أن يصرف إلا لله عز وجل، سببه يا إخوان أنه ما عظم الله حق تعظيمه ولا قدر الله حق قدره. وهكذا قس غيرها من الأهواء والبدع، كما سيذكر ابن القيم رحمه الله تعالى شيئًا من ذلك في تتمة هذا الفصل العظيم الماتع. قال رحمه الله تعالى: «وقال كذلك ما قدره حق قدره من قال إنه يعاقب عبده على ما لا يفعله العبد ولا له عليه قدرة ولا تأثير له فيه البتة، بل هو نفس فعل الرب جل جلاله، فيعاقب عبده على فعله. قال: هو سبحانه الذي جبر العبد عليه وجبره على الف... وجبره على الفعل، أي جبره سبحانه العبد على أن يفعل هذا الفعل، أعظم من إكراه المخلوق للمخلوق على الفعل». كيف يا إخوان يجبره على فعل شيء ثم يعاقبه على فعله؟ لكن القوم ما أحسنوا التدبير وما قدر الله عز وجل حق التقدير. قال: «وإذا كان من المستقر في الفطر والعقول أن السيد لو أكره عبده على فعل أو ألجأه إليه ثم عاقبه عليه لكان قبيحًا، فأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين كيف يجبر العبد على فعل لا يكون للعبد فيه صنع ولا تأثير ولا هو واقع منه بإرادته بل ولا هو فعله ألبته ثم يعاقبه عليه عقوبة الأبد؟ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا». قال: «وهذا مذهب أهل الجبر، أي الجبرية». قال: «وقولهم شر من قول أشباه المجوس، يعني القدرية». قال: «والطائفتان ما قدر الله حق قدره». والتحقيق يا إخوان في هذا الباب هو أن الله عز وجل جعل للعبد مشيئة، وهذه المشيئة تابعة لمشيئته سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، أي طريق الخير وطريق الشر. قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾. قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. قال ربنا عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. فيعمل العباد، فكل ميسر لما خلق له. قال رحمه الله تعالى: «وقال كذلك ما قدره حق قدره من لم يصنه عن بئر ولا حش». عن بئر ولا حش، وما هو الحش؟ الحش مفرد ويجمع على حشوش. فما هو الحش؟ هذا يذكر في الفقه في باب قضاء الحاجة، ويقال باب الاستطابة، ويقال باب الخلاء. نعم يا عبد الرحمن، نعم: المكان الذي يقضى فيه الحاجة من البول أو الغائط، من البول أو الغائط. ويعني ها هنا من يجعلون الله عز وجل في كل مكان، في كل مكان، كما سيأتي ذكره إن شاء الله عز وجل. قال: «ولا مكان يرغب أو يرغب عن ذكره، بل جعله في كل مكان». وهذه عقيدة كفرية أن يجعل الله عز وجل في كل مكان. وربنا عز وجل قد أخبر عن نفسه فقال: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾، أي تضطرب وتهتز. ﴿أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ الآيات. قال: «بل جعله في كل مكان، وصانه عن عرشه أن يكون مستويًا عليه، يصعد إليه الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه»، أي أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله عز وجل. إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه. قال: «وتعرج الملائكة والروح إليه، وتنزل من عنده، ويدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ليس من الأرض إلى السماء وإنما من السماء إلى الأرض». قال: «ثم يعرج إليه». والعروج من أين إلى أين يا خان علي؟ العروج.. العروج.. العروج من أين إلى أين؟ تعرج الملائكة والروح إليه. أحسن: من أسفل إلى أعلى، من الأرض إلى السماء، وليس العكس، وليس العكس. قال: «فصانه عن استوائه على سرير الملك، ثم جعله في كل مكان يأنف الإنسان بل غيره من الحيوان أن يكون فيه». ولما يا إخوان لم يثبت لله صفة الاستواء وأنه سبحانه وتعالى في السماء، أي في العلو، أو على السماء كما يقول السلف رحمة الله عليهم؟ كما سبق الشيطان أتاهم من باب التنزيه، ألا يقول على الله عز وجل ما لا يليق به، فوقعوا في العظائم: وقعوا في تكذيب القرآن، ورد السنة، والقول على الله عز وجل بغير علم. تعالى الله عما يقول أولئك علوًا كبيرًا. قال: «وكذلك ما قدره حق قدره من نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته، فهو الرؤوف وله صفة الرأفة». قال: «ورضاه وغضبه ومقته». ولا من نفى حقيقة حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله، ولا من نفى حقيقة فعله ولم يجعل له فعلًا اختيارًا يقوم به، بل أفعاله مفعولات منفصلة عنه. فنفى حقيقة مجيئه، أي صفة المجيء، وإتيانه، واستوائه على عرشه، وتكليمه موسى من جانب الطور، أي من جانب جبل الطور، وطور سينين، أي طور سيناء. قال: «ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾». قال: «إلى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي نفوها، وزعموا أنهم بنفيها قد قدروه حق قدره». وكما سبق، أرادوا التنزيه وأن ينفوا عن الله عز وجل التشبيه، فوقعوا في التعطيل. فما عطل من عطل إلا بعد ماذا؟ ما عطل من عطل يا أبا صالح؟ ما عطل من عطل فنفى من الأسماء والصفات إلا بعد... نعم، أكمل. عند أبي حنيفة: «إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية». طيب يا أبا عبد الرحمن، نعم: عنده إلا بعد أن وقعوا في ماذا؟ أحسنت: إلا بعد أن وقعوا في التشبيه. شبهوا، فرأوا أن هذا لا يليق بالله عز وجل، فعطلوا، أي نفوا هذه الصفات العظيمة عن الله تبارك وتعالى. قال: «وكذلك لم يقدره حق قدره من جعل له صاحبة وولدًا، أو جعله يحل في مخلوقاته، أو جعله عين هذا الوجود». وسبق معنا الكلام حول عقيدة وحدة الوجود، وهكذا الحلول والاتحاد التي تعتبر من أعظم الظلم وأكبر الكفر بالله تبارك وتعالى. وهكذا أن يجعل لله عز وجل صاحبة، أي زوجة، أو ولدًا، هذا وإن كان كمالًا في الإنسان فإنه يعتبر نقصًا في الرب سبحانه وتعالى. ولا زال ابن القيم يبين أن من أسباب وقوع الشرك والبدع والأهواء وغيرها هو أنهم ما قدروا الله حق قدره ولا عظموه حق تعظيمه. ولاحظ هذا السرد البديع الجميل منه رحمه الله تعالى، عرج على مذاهب البدع والأهواء، وبين رحمه الله تعالى أنها ماذا؟ نقص في حق الله عز وجل، وسبب ذلك أنهم ما قدروا الله حق قدره ولا عظموه حق تعظيمه. الحديث له تتمة في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.