الدرس في شرح المنظومة البيقونية 10، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول هذا المحور النوع السادس عشر من أنواع علوم الحديث وهو المرسل، مبيناً معناه اللغوي المستمد من الإرسال والإطلاق، وتعريفه الاصطلاحي عند المحدثين بأنه ما سقط منه الصحابي من الإسناد، مع نقد تعريف الناظم البيقوني لعدم دقته. كما يشرح علة ضعف المرسل وهي جهالة الساقط في أعلى الإسناد، وذكر تعريفات العلماء له بأنه ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم مما لم يسمعه منه.
يشرح هذا المحور تقسيم التابعين إلى كبير وأوسط وصغير حسب روايتهم عن الصحابة والتابعين، ويوضح مفهوم التابعي المخضرم الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم في حال الكفر ولم يلقه مؤمناً. كما يبين أن المرسل هو ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم بسند منقطع، وأن الساقط من الإسناد قد يكون صحابياً أو تابعياً، مستشهداً بإسناد حديث «إنما الأعمال بالنيات» الذي يحتوي على ثلاثة تابعين.
يشرح هذا المحور مفهوم الحديث المرسل بضرب مثال من رواية مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، ويبين أن المرسل في الأصل ضعيف لجهالة الساقط لكنه يصلح للاستشهاد ويرتقي إلى الحسن لغيره بمتابعة الطرق. ثم يفصل في مراسيل الصحابة مبيناً أنها نوعان: مراسيل من سمع من النبي صلى الله عليه وسلم وهي مقبولة باتفاق العلماء، ومراسيل من لم يسمع وإنما رآه فقط، مع ذكر أمثلة لأبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما.
يتناول هذا المحور الحديث عن صغار الصحابة الذين نشأوا في كنف النبوة، مبيناً مكانتهم العظيمة وأدوارهم البارزة في حفظ السنة ونشر العلم. كما يستعرض نماذج مضيئة من حياتهم تدل على سبقهم وإيمانهم العميق رغم صغر سنهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: مر معنا في الدرس الماضي الكلام حول ما يتعلق ببعض أنواع علوم الحديث، مر معنا الكلام حول الإسناد العالي والإسناد النازل، وهكذا أيضًا تكلمنا حول نوعي الموقوف، وتطرقنا لبعض الجوانب وبعض الأمور المتعلقة بهذه الأنواع. اليوم معنا أنواع جديدة من أنواع علوم الحديث، ومنها قول الناظم البيقوني رحمه الله تعالى: «ومرسل منه الصحابي سقط، وقل غريب ما روى راوٍ فقط، وكل ما لم يتصل بأعلى إسناده منقطع الأوصال، والمعضل الساقط منه اثنان، وما أتى مدلسًا نوعان». وهنا ابتدأت هذه الأبيات ببيان النوع السادس عشر من أنواع علوم الحديث، ألا وهو المرسل. والمرسل يا إخوان في لغة العرب مأخوذ من الإرسال، أي بمعنى الإطلاق وعدم المنع، كقوله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: 83]، هنا الإرسال بمعنى الإطلاق وعدم المنع. وله معاني أخرى في لغة العرب، لكن هذا أهمها. يعني هنا كأن الراوي الذي أرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براوٍ معروف. وأما في اصطلاح المحدثين، فالناظم البيقوني رحمه الله تعالى عرفه بهذا التعريف المختصر: أنه ما سقط منه الصحابي، قال: «ومرسل منه الصحابي سقط». وهذا تعبير ناقص لا يكفي، لأنه سبق معنا في قوله: «وكل ما أتى وحده فذو خبر»، وتعريفهم قالوا: يشترط في هذه التعاريف أن تكون جامعة مانعة؛ جامعة أي لجميع أفراد هذا الشيء، فلا يخرج عنها شيء مما يتعلق بهذا النوع، ومانعة أي مانعة من دخول غيره فيه. هنا تعريف الناظم رحمه الله تعالى ليس بدقيق، فلو كان المرسل علته سقوط الصحابي، هل هناك مشكلة؟ لا، ما في مشكلة؛ لأن الصحابة كلهم عدول، لا يضر جهالة أحدهم أو إبهام أحدهم. لكن لماذا جعل العلماء المرسل من أنواع الحديث الضعيف؟ لوجود علة، لوجود أمر أدى إلى أنه يخرج عن الصحيح والحسن إلى أن يكون من قسم الضعيف، ألا وهو جهالة الساقط في أعلى الإسناد. قد يكون هذا الساقط صحابيًا، لكن المشكلة قد يكون ماذا؟ قد يكون أيضًا هناك من هو مع الصحابي ساقط. ولهذا تنوعت عبارات العلماء في تعريف المرسل. ومن هذه التعاريف التي ذكرت في تعريف المرسل: أنه ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم مما لم يسمعه منه، أو ممكن نقول: ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم مما سمعه من غيره. كيف ذلك يا إخوان؟ لاحظوا قال: «ما أضافه التابعي»، بعض العلماء قيد المرسل بما أضافه التابعي الكبير. وما ضابط التابعي الكبير؟ في معلومات يا إخوان هذه لا نغفل عنها، تمشي معك حيثما ذهبت وحيثما اتجهت، ومنها أقسام التابعين: قلنا تابعي كبير، وتابعي وسط، وتابعي صغير. ضابط التابعي الكبير: أكثر روايته عن الصحابة، روى عن بعض كبار التابعين لكنها قليلة، أكثر روايته عن من؟ عن الصحابة، مثل قيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، إلى آخرهم، وعروة بن الزبير. طيب التابعي الوسط، أو أوسط التابعين: روى عن كبار التابعين، وعن أتباع التابعين، يعني روايته عن الصحابة وعن التابعين متساوية أو متقاربة، هؤلاء أوسط التابعين. والتابعي الصغير: أكثر روايته عن التابعين، وروايته عن الصحابة قليلة. طيب، بعضهم قيد المرسل بما رواه التابعي الكبير، لا، ليس هذا شرطًا، ليس هذا شرطًا، وإنما إذا روى التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم مما سمعه من غيره. لماذا قلنا مما سمعه من غيره؟ هل هناك من التابعين من سمعوا مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم؟ ما في أحد، سيسمى صحابيًا. لكن هنا في نقطة، نعم، في لطيفة ينبغي التنبه لها: وهي كيف؟ يعني هل هناك من التابعين من رأى الرسول عليه الصلاة والسلام وسمع منه؟ نعم، كيف ذلك؟ أحسنت. يعني بعضهم التقى بالنبي صلى الله عليه وسلم ورآه لكن في حال الكفر. تخيلوا بمكة كم كان من أهل مكة مشركًا كافرًا، أو أهل الطائف لما ذهب إلى الطائف رأوا الرسول يرمى بالحجارة ويقال له: كذاب، مجنون، ساحر، وخرج ومنهم من رمى بالحجارة في الرسول عليه الصلاة والسلام. طيب، هؤلاء بعضهم ما أسلم إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم أسلم في حياته لكن ماذا؟ ما التقى به، لم يلتقي به. هذا ماذا نقول؟ نقول صحابي؟ لا، تعريف الصحابي لا ينطبق عليه، لأن تعريف الصحابي: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به ومات على ذلك، ولو تخللته ردة، حتى لو ارتد ثم رجع إلى الإسلام يبقى معنى الصحبة ثابتًا في حقه. لكن ذكروا مثلًا قيس بن أبي حازم، هذا كان على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لكن ماذا؟ ما التقى بالنبي صلى الله عليه وسلم حال الإيمان. طيب، مات الرسول عليه الصلاة والسلام وقيس هذا لم يلتقي به، إذن هو تابعي، لكن يميز بأمر يقال له تابعي مخضرم، يقال له تابعي مخضرم. طيب، إذن المرسل هو ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم مما سمعه من غيره. الساقط هنا قد يكون صحابيًا، وقد يكون غير صحابي، قد يكون يروي هذا التابعي عن تابعي عن تابعي ثاني عن الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد وجد من هذا يعني في إسناد واحد ثلاثة تابعين. مرة معنا في إسناد حديث «إنما الأعمال بالنيات» فيه ثلاثة من التابعين، منهم؟ الحميدي يقول: حدثنا سفيان، نعم، البخاري يقول: حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي قال سمعت عمر. إذن ثلاثة: يحيى بن سعيد الأنصاري، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وعلقمة بن وقاص الليثي، ثلاثة تابعين في إسناد واحد، كل واحد يروي عن الآخر. لو أن مثلًا محمد بن إبراهيم التيمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، هذا ماذا يسمى؟ مرسل. طيب انظروا إلى الساقط: سقط من بين علقمة بن وقاص الليثي وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. فلهذا قول الناظم: «ومرسل منه الصحابي سقط»، قلنا تعريف ليس بدقيق، ليس بدقيق. طيب، مثلوا لي المرسل، مثلوا لي المرسل بما رواه الإمام مالك. لاحظوا مالك بن أنس إمام دار الهجرة يقول: أخبرنا ابن شهاب، مالك يقول: أخبرنا ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغلق الرهن». هذا الحديث أضافه سعيد بن المسيب تابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إذن هذا يقال له مرسل، هذا يقال له مرسل لجهالة الساقط بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين سعيد بن المسيب. طيب، وقوله: «لا يغلق الرهن» يعني ماذا؟ إذا رهن الشخص شيئًا عند آخر، أنا رهنت جوالًا عند هذا الأخ وأخذت منه مبلغًا من المال، فإذا لم أسدد هذا المبلغ هل يأخذ الرهن ويتملكه؟ الجواب: لا، لا يغلق الرهن، يعني لا يتملكه هذا بسبب أني لم أعد له المال الذي أخذته منه. طيب، حكم المرسل يا إخوان: المرسل حكمه أنه من قسم الضعيف، من قسم الضعيف، لكن ماذا؟ هو في الشواهد، يعني إذا جاء من طريق أخرى يتقوى بها فيرتقي إلى مرتبة الحسن لغيره. إذن المرسل الأصل أنه من قسم الضعيف لجهالة الساقط في السند، وهو صالح للاستشهاد. هناك مراسيل الصحابة، والصحابة هؤلاء على نوعين: منهم من سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ولو حديثًا واحدًا، ومنهم من لم يسمع، لكن له شرف الرؤية، رآه مرّ به من بعيد، أو طفل صغير أتي به فحنكه، فهذا يقال له صحابي صغير. طيب، إذا روى أمثال هؤلاء عن النبي صلى الله عليه وسلم يقال لها مراسيل صحابة. على سبيل المثال: أبو هريرة يروي أحاديث وقعت في بداية البعثة بمكة، كأذية أبي جهل للنبي صلى الله عليه وسلم، كما في سبب نزول قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [العلق: 9-12]، وفيه أن أبا جهل حلف بالله والعزة أنه إذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم يعفر وجهه بالتراب عند الكعبة أنه يطأ على رقبته، أو أنه يعفر رأس النبي صلى الله عليه وسلم بالتراب. أبو هريرة يروي هذه الأحاديث. طيب، هل أبو هريرة حضر هذه الواقعة؟ قال: لا. قد يكون سمعها من الرسول صلى الله عليه وسلم يعني حكاها له الرسول، كل مرة أبو جهل خرج عند أصحابه وقال فعل وعمل، قد يكون سمعها في المدينة مؤخرًا، وقد يكون سمعها من صحابي آخر حضر وسمع هذه الواقعة. المهم هذا مرسل، لكن مرسل صحابي، مرسل صحابي. ابن عباس يحدث بأحاديث في مكة وقعت في مكة، مع أن ابن عباس ولد بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، لما مات النبي عليه الصلاة والسلام كان ابن عباس قد ناهز الاحتلام، يعني ثلاث عشرة سنة تقريبًا، لما مات، إذن ولد قبل الهجرة بثلاث سنوات. كيف يروي أحاديث وقعت في مكة في أوائل البعثة؟ هذا يسمى مرسل صحابي. طيب، هل هو ضعيف؟ الجواب: لا، يعني نقل اتفاق العلماء على أن مثل هذه المراسيل مقبولة، مراسيل الصحابة الذين سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم. الإشكال في ماذا؟ في صغار الصحابة