شرح لمعة الاعتقاد 16

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح صفات الله تعالى وتأويل الآيات

يتناول المقطع شرح صفة النفس واليدين لله تعالى وتأويل الآيات القرآنية، مع التركيز على أهمية وجود قرينة لصرف اللفظ عن ظاهره. يُظهر المقطع أيضًا خطورة تفسير القرآن بغير علم.

تحذير من تفسير القرآن بغير علم وتأويل الآيات على هوى

يُنبه الشيخ إلى خطورة تفسير القرآن بغير علم وتأويل الآيات على هوى، ويشير إلى أهمية الرجوع إلى تفسير السلف في فهم الآيات، مع ضرب أمثلة على تفسيرات أهل البدع.

منهج السلف في تفسير القرآن وتأثير الاختلاط اللغوي

يشرح المقطع منهج السلف في تفسير القرآن وتأثير الفتوحات الإسلامية على لغة العرب، مع ذكر تأثير الاختلاط اللغوي على اللغة العربية وظهور كلمات جديدة.

تصحيح العبارات الشعرية المنسوبة للأخطل

يتناول المقطع تصحيح عبارة شعرية نسبت للأخطل، حيث يوضح العبارة الصحيحة بدلاً من العبارة المحرفة، ويطلب المتحدث من الله التوفيق للخير ويحمد الله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الحافظ ابن قدامة رحمه الله تعالى: وقوله تعالى إخبارًا عن عيسى عليه السلام أنه قال: «تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك»، هذه الآية جاءت أو ذكرها المؤلف رحمه الله في ذكر آيات الصفات، وهي تدل على صفة عظيمة من صفات الله جل وعلا، وهي صفة النفس. فهذه الآية تدل على صفة النفس لله جل وعلا، قد أثبتها أهل السنة. وقبل هذا ذكرنا فيما مضى في صفة اليدين أن الله عز وجل ذكر في هذه الآية التي ذكرها المؤلف «بل يداهما مبسوطتان»، وأراد الحقيقة. وأما قوله جل وعلا: «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي»، وأما قوله تبارك الذي بيده الملك، فهو كما قلنا المفرد إذا أضيف. وأما صيغة الجمع فهي للتعظيم، أو أن المراد أن أقل الجمع اثنان، أقل الجمع اثنان. فكما قال الله عز وجل: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾، فجمع بين معنى قلب حفصة وقلب عائشة، فقال: «قلوبكما»، ما قال: «قلباكما»، إنما قال: «قلوبكما»، يدل على أنه قد يجمع اثنين. وكما أيضًا ذكرنا في آية المواريث، أن الذين تأولوا هذه الصفة اختلفوا كما قلنا في معناها، فمنهم من قال: القوة، أو منهم من قال: الإرادة، أو منهم من قال: النعمة، وغيرها من المعاني التي ذكروها. وقد ذكر الحافظ ابن حجر من معاني اليد كما في شرحه في كتاب التوحيد لصحيح البخاري، ذكر أن اليد تأتي في لغة العرب بخمسة وعشرين معنى، فمعنى ذلك الذي يأتي بمعنى من هذه المعاني يحتاج إلى قرينة تدل وتعين على هذا المعنى. أولًا قرينة تدل على صرف اللفظ عن ظاهره، لأن الأصل أن اللفظ يؤخذ على ظاهره، هذا معروف في لغة العرب. فإذا أراد لسان أن يصرف اللفظ عن ظاهره يحتاج إلى قرينة تصرف ذلك اللفظ. فالقرينة هذه إما في نفس النص، وإما في الأسلوب، أو معنى مثل السياق والسباق، أو غيره، المهم تكون قرينة تدل على صرف اللفظ هذا إلى معنى آخر. مثلا على سبيل المثال يقال: خرج أسد على الكفار، هنا في سياق الكلام لما تقول: خرج أسد، هل أسد يخرج في وقت الحرب؟ لا، المراد رجل شجاع شجاعته كشجاعة الأسد، فهذا عرف بسياق الكلام. ولكن لو قلت مثلا: ذهبت إلى الغابة فرأيت أسدًا، هذا لا شك أنه الأسد الذي هو الحيوان. لو قال مثلا: لا أنا أريد رجل شجاع، لها لقول له هذا خطأ. كيف تقول أسد وأنت ذهبت إلى الغابة؟ الغابة ما يرى فيها الرجل الشجاع، إنما يرى فيها الأسد الحقيقي. لكن لو مثلا ضربت مثال في الحرب، ممكن تقول شجاع وتريد به الرجل، تقول أسد مثلا وتريد به الرجل الشجاع. فلهذا فلغة العرب بعض المعاني تعرف بسياقها وسباقها. فلا يأتي الإنسان مثلا بمعنى غير موجود في هذه الآيات، وإلا لو أن كل واحد يفسر القرآن بما رأى وبما بدا له لكان الأمر تجده معناه مختلفًا كثيرًا. وهذا الذي جنح إليه أهل البدع، فتجد مثلا يفسرون الآيات على ما أراد، مثلا الروافض لهم تفسيرات عجيبة، يفسرون القرآن. كذلك الصوفية لهم تفسيرات عجيبة يفسرون كلام الله جل وعلا. حتى أن مرة محمد علوي المالكي صاحب كتاب «هذه مفاهيمنا»، فقال: قول الله جل وعلا: ﴿ولو أنهم ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا﴾، قال: هذا ما في فرق بين هو حي هو ميت، نبي صلى الله عليه وسلم ما في فرق. ومن قال أن هناك فرق فليأتي بالدليل، هذا ظاهر الآية. فهل هذا ظاهر الآية؟ بعيد جدًا من ظاهر الآية. فالله عز وجل قال: ﴿جاءوك﴾، جاءوك لا شك في حياتك، وليس إذا مت يأتون قبرك. فتجد كثيرًا من هؤلاء الذين تعلقت قلوبهم بالقبور يقولون: أي المراد بهذه الآية إن كان حيا يؤتى إليه وإن كان ميتًا يؤتى إلى قبره، وهذا كلام باطل. ولهذا صاحب كتاب «صيانة الإنسان» اسمه «لسه سواني هندي»، ألف كتاب اسمه «صيانة الإنسان من وساوس الشيخ دحلال»، الشيخ دحلال هذا رجل قبوري متعلق، وذكر هذه المسألة، فقال له: لو سلمنا لكم أن هذا المعنى صحيح. مع أنه بعدما ذكر أن هذا المعنى غير صحيح، وإنما المراد به ما كان في حياته عليه الصلاة والسلام، ولم يعرف عن أحد من السلف من الصحابة رضي الله عنهم أنهم يأتون يستغفرون عند القبر ويسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله لهم بالمغفرة، ما يعرف أبدًا عن أحد من السلف. وما ذكر غالبًا يذكر عن أناس مجهولين أو منامات، فأيضًا حتى المنامات تكون عن أناس مجهولين. فالمهم قال رحمه الله: هذا السحسواني يقول لهذا دحلال يقول له: لو سلمنا لكم أن هذه الآية عامة، طيب كيف تفعلون بقول الله جل وعلا: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾؟ أنت تقول: هذه آية عامة، نحن نقول أيضًا هذه آية عامة، الذي يأتي إلى القبر فالقبر حجرة، الذي يأتي إلى القبر وينادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ممن لا يعقل، فهو ممن لا يعقل. فالاستدلالات هذه وخاصة المتأخرة التي توسع فيها كثير، خاصة من أهل الأهواء والبدع لأجل أهوائهم وبدعهم، أكثرها تفسيرات باطلة. ولهذا تجد أهل السنة يلجمون الناس بتفسير السلف. الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله في مقدمة تفسيره ذكر أن السلف وأهل السنة يفسرون القرآن بأربعة أشياء: إما القرآن بالقرآن، وإما القرآن بالسنة، وإما القرآن بكلام الصحابة والتابعين، وإما بلغة العرب المعروفة المشهورة التي لم يدخلها الدخيل. بلغة العرب مثلا بأشعارهم معروف أن أشعار العرب على أربعة أقسام التي يستدل بها أو التي يستأنس بها في لغة العرب هي على أربعة أقسام. الأول ما كان قبل الجاهلية، فهذا يحتج به في اللغة. والثاني ما كان في صدر الإسلام، فهذا أيضًا يحتج به في اللغة. والثالث ما كان بعد صدر الإسلام، أي بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، لكن قبل أن تفتح الفتوحات ويختلط العرب بغيرهم، فهذا أيضًا فيه حجة. هذه الثلاثة كلها يحتج بها في اللغة. والرابع وهو بعد الفتوحات التي حصلت، وسموا حتى يميز العلماء بين تلك الثلاثة وهذا سموه الشعراء المحدثين، سموهم الشعراء المحدثين لماذا؟ لأن لغتهم مدخولة معنى فيها من العجمة لأنهم دخلوا مع لغات أخرى. بخلاف الثلاثة الأقسام الأولى فلم يدخلهم الدخيل، لم يدخل في لغتهم أحد. لكن القسم الرابع قد دخلت العجمة في لغة العرب لما فتحوا الفتوحات، أسروا أناس كثير ونساء، وصاروا مملكات عندهم في البيت، وهم الذين يربون الأطفال أحيانًا. وكذلك أيضًا جاءوا أناس وتعلموا العلم واختلطوا بالعرب حتى صاروا هم أفضل من العرب في العلم، يعني كثير من من جاء من الأندلس ومن جاء من الشرق أو الغرب جاءوا إلى جزيرة العرب إلى المدينة إلى مكة إلى غيرها، وتعلموا وصاروا أفضل بكثير من كثير من العرب. فلهذا من نظر إلى إمة أتباع التابعين يجد أن كثيرًا منهم ليسوا من العرب، عندك الآن أصحاب الكتب الستة كلهم، وإن كان بعض أصولهم عربية، مثلا مثل مسلم الحجاج كشيري، معنى من أصله عربي، لكنه من نيسابور. كذلك البخاري، كذلك الترمذي، وأبو داود سنجستاني، والنسائي أيضًا، كلهم هؤلاء من الخراسان، فكانوا أئمة العلم وهم ليسوا عرب. فليس العبر بأنه عربي، لكن قلنا أنه لما حصل الخلط بين اللغات ظهرت أشياء جديدة وظهرت كلمات جديدة لم يكن يعرفها العرب. فلهذا تجد أن شعر المحدثين لا يحتج به وإنما يستأنس به. أنا يقول العلماء أن شعر المحدثين كالمتنبي وأبو العتاهية وجرير والفرزدق والأخطل، غالب شعرهم يحتج به لا معنى، أقصد أنه مما يستأنس به، لكن إذا حصل الخلاف فإنه يترك. فقول مثلا الأخطل مثلا الذي يستدل به الأشاعرة: ﴿وإن اللسان لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا﴾، معنى يقول: أن الكلام في الفؤاد وفي القلب، وإنما جعل اللسان دليل فقط، وهذا كلام غير صحيح. لكن يقول لما أبو القاسم رحمه الله أن الأخطل لم يقل ذلك، وإنما قال: «إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل البيان عليه دليلًا»، جعل البيان وليس اللسان، فحرفت. فقالوا: اللسان. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا الخير. الحمد لله رب العالمين.