طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 8

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 8

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقتضيات الدرجة الثانية من الفقر

يتحدث عن مقتضيات الدرجة الثانية من الفقر وهي تخلية القلب من الصفات الذميمة وتحليته بالله. الفقر والمسكنة مع قلب خال من الصفات الذميمة يحقق التأله الكامل لله.

علاقة الفقر إلى الله تعالى بأسماء الله الحسنى

يفسر معنى الفقر إلى الله تعالى وعلاقته بأسماء الله الحسنى، الأول والآخر. العبد يزداد فقرًا إلى الله عند فهم معاني هذه الأسماء.

تأثير أسماء الله الأول والآخر على العبد

اسم الله الأول يزيد العبد احتياجًا لله، بينما اسم الله الآخر يزيده استغناءً بالله. معرفة هذه الأسماء تزيد العبد عبودية لله.

ختام الدرس والإشارة للدرس اللاحق

يختتم الدرس مع الإشارة إلى استمرارية الموضوع في درس لاحق. يتم شكر المشاهدين على المتابعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «فصل: مقتضيات الدرجة الثانية من الفقر». قال: «وإذا كانت تلوث بالأعراض قيدًا يقيد القلوب عن سفرها إلى بلد حياتها ونعيمها الذي لا سكن لها غيره، ولا راحة لها إلا فيه، ولا سرور لها إلا في منازله، ولا أمن لها إلا بين أهله. فكذلك الذي قد باشر قلبه روح التألف، وذاق طعم المحبة، وأنسى نار المعرفة له أعراض دقيقة حالية تقييد قلبه عن مكافحة صريح الحق، وصحة الاضطرار إليه، والفناء التام به، والبقاء الدائم بنوره، الذي هو المطلوب من السير والسلوك، وهو الغاية التي شمر إليها السالكون، والعلم الذي أمه العابدون، ودندنوا حوله العارفون. فجميع ما يحجب عنه أو يقيد القلب نظره وهمه يكون حجابًا يحجب الواصل، ويوقف السالك، وينكس الطالب. فالزهد فيه على أصحاب الهمم العلية متعين تعين الواجب المعين الذي لا بد منه، وهو كزهد السالك إلى الحج في الضلال والمياه التي يمر بها في المنازل». كلامه رحمه الله هنا عن مقتضيات الدرجة الثانية، ومرت معاني الدرجة الثانية، وهو تفريغ القلب عما سوى الله، وإقباله إلى الله سبحانه وتعالى الغني، فيتحقق ذلك الافتقار بهذين الأمرين: تخلية وتحلية؛ تخلية لتحقق الافتقار، وتحلية بتأكيد الغنى بالله العزيز الجليل الغني. ومقتضيات هذه الدرجة أن يكون هناك إقبال على الله عز وجل يقيد القلب عما سواه، ويشغله بالله عما سواه، فيعينه ذلك في سيره إلى الله سبحانه وتعالى سيرًا مستقيما قويا يكون فيه باقيًا ثابتًا دائمًا على هذه الدرجة من القوة والاستغناء بالله عما سواه. ولذلك قال: «التلوث بالعرائض»، ومراده التلوث بالصفات. فمن تولد تلوث أو لوث نفسه بهذه الصفات، تقيد القلب كما مر معنا؛ الصفات الذميمة تقيد القلب، تسقطه وتدنسه، فلا يكون هناك مكان لغيره. وإذا وجد المكان، وجد مكان فيه مزاحمة، وفيه ضعف ومرض. ولن يكون القلب الصحيح السليم الخالي الصافي كالقلب المريض المتلوث الذي قد زاحمته أنواع من الصفات الدنيئة. فكذلك الفقر والمسكنة إلى الله سبحانه وتعالى، إذا كان فقرًا مع قلب خال من أي صفة تنافي هذا الفقر، فإنه يحصل التأله الكامل لله عز وجل، والاستغناء به سبحانه وتعالى عما سواه؛ حقيقةً، ليس لفظًا باللسان، ولا تمريرًا لمعناه بالقلب. ففرق بين ما يمرر على الأسماع بما يتكلم به الإنسان بلسانه، وما يمرر على القلب بما يكتب ويرى في الخواطر بالعيان، وبين ما هو حقيقة موجودة في القلب. الحقيقة موجودة في القلب حقيقة تكتفي قلبًا خاليًا صافيا نقيا مكتفيًا بالله عما سواه. فإذا تحققت هذه الحقيقة، كان صاحب هذا القلب وصاحب هذه العبودية صاحب قلب قوي، وعبودية قوية دائمة ثابتة في سيرها إلى الله سبحانه وتعالى، والاستغناء به عما سواه. وما ذكره بالتعليق بأنه جاء في بعض النسخ «بالأعراض» أو «الأغراض»، معناهما متقارب؛ الأعراض الصفات، والأغراض الأسباب. فما يعرض على القلب من صفات أو أسباب هي مما يضعف هذا القلب ويدنسه ويلوثه. ولهذا جاء في بعض النسخ وفي بعض المواضع «أعراض»، وجاء في بعض المواضع «أغراض». فسواء كان هذا أو هذا، فكلاهما اللفظين مما يلوث ويشوش على القلب الصفاء والنقاء، فلا يبقى في سير دائم ثابت. قال رحمه الله تعالى: «فالأول مؤيد عن الحقائق برؤية الأعراض، والثاني مؤيد عن النهايات برؤية الأحوال». ويريد بالأول ما أشار إليه رحمه الله من التخلية، فمتى ما كانت التخلية تامة، فهو لم يقيد نفسه بشيء. والثاني مؤيد عن النهايات برؤية الأحوال؛ لأنه كلما ازداد غناه ومعرفته بكمال الرب سبحانه وتعالى، استغنى بالله عما سوى الله. فالأول مثل اسمه الأول، والثاني مثل اسمه الآخر. فهو الأول الذي ليس قبله شيء، فلذلك فأنت مفتقر إليه. وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، فلذلك أنت مكتف به، معتمد عليه، واثق به عما سواه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «فتقيد كل منهما معنى الغاية المطلوبة، وترتب على هذا القيد عدم النفوذ، وذلك مؤخر مخلف». يعني إذا حصر مثل هذا أخرك وخلفك. قال: «وإذا عرف العبد هذا وانكشف له علمه، تعين عليه الزهد في الأحوال والفقر منها، كما تعين عليه الزهد في المال والشرف وخلوب قلبه منهما». وكما كان موجب الدرجة الأولى من الفقر الرجوع إلى الآخرة، فأوجب الاستغراق في هم الآخرة، نفض اليدين من الدنيا ضبطًا أو طلبًا، فسكت اللسان عنها مدحًا أو ذمًا. فكذلك كان موجب هذه الدرجة الثانية الرجوع إلى فضل الله عز وجل، ومطالعة سبقه للأسباب والوسائط. فبفضل الله وبرحمته وجدت منهم الأحوال الشريفة والمقامات العلية، وبفضله ورحمته وصلوا إلى رضاه ورحمته وقربه وكرامته وموالاته؛ لأنه الغني وحده، المعطي وحده، الإله الحق وحده، وكل شيء يتم بفضله سبحانه وتعالى ومنته. فالفضل لله وحده أولًا وآخرًا. هذا إذا تحققت هذه المعرفة عند العبد، فعند ذلك لا يرى فضلًا لأحد، وإنما يرى الفضل كله لله سبحانه وتعالى. قال: «وكان سبحانه هو الأول في ذلك كله، كما أنه الأول في كل شيء، وكان هو الآخر في ذلك كما هو الآخر في كل شيء. فمن عبده باسم الأول والآخر، حصل له حقيقة هذا الفقر». فإن انضاف إلى ذلك عبودية بإسمه الظاهر والباطن، فهذا هو العارف الجامع لمتفرقات التعبد ظاهرًا وباطنًا. ومعناه: إذا علم العبد حقيقة معنى اسمه الأول، تحققت له من العبودية والفقر إليه سبحانه وتعالى ما يغنيه عما سواه. وإذا تحقق معرفة العبد لإسمه الآخر، فإنه كذلك اكتفى به عما سواه؛ لأنه الأول الذي ليس قبله شيء، ولذلك فهو فقير إلى الله قبل وجوده وبعد وجوده، ازداد فقرًا إلى الله سبحانه وتعالى. ولا إشكال كيف يكون العبد أكثر فقرًا إلى الله سبحانه وتعالى بعد وجوده، وقبل الوجود هو عدم. ليس عدم؛ خلق الإنسان من طين، وخلق الجن من النار، والملائكة من النور. فالنار قبل وجودها ماذا؟ فقيرة. والطين فقير. والنور فقير. فالله عز وجل أعطى هذه المخلوقات صفاتها. وبعد خلق الإنسان من هذا الطين، والجن من النار، والملائكة من النور، ازدادت هذه المخلوقات ماذا؟ احتياجًا من الله سبحانه وتعالى؛ لأنها صارت مخلوقات تحتاج إلى تجبير وتسيير، وتحتاج كذلك إلى ما تقوم به حياتها الجديدة. فحياة الطين لا تفتقر إلى معاني الحياة كحياة الإنسان. الإنسان يحتاج من الهواء الذي يكون به عيشه، ومن الأكل والشراب الذي يكون به بقاؤه، ومن سائر حوائج الإنسان الضعيف ما زاده فقرًا فوق فقره الذي كان قبل ذلك. وهكذا كذلك اسم الأول يذكر بهذا كله وزيادته، فلا يزداد العبد إلا ماذا؟ احتياجًا إلى الله، تعظيمًا له وعبودية وتألهًا إليه. واسمه الآخر يزيده ماذا؟ يزيده اكتفاءً واستغناءً؛ بأنه الغني الذي لا أحد يساويه بغناء، وأنه الكامل الذي لا أحد يساويه بكماله. وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، وليس له منتهى في شيء، وليس له حد في الكمال في شيء؛ له الأسماء الحسنى والصفات العلى سبحانه وتعالى، والكمال المطلق الذي لا يساويه شيء في أي معنى من معانيه. وإذا تحققت هذه المعرفة، تحقق الاستغناء بالله عز وجل عما سواه. وهذا هو ما أشار إليه رحمه الله. وهكذا اسمه الظاهر الذي معناه ليس فوقه شيء، فهو ظاهر ظهورًا حسيا ومعنويًا، ليس فوق الله عز وجل شيء، فهو العلي الأعلى، وهو الظاهر الذي ظهر على كل شيء، فله الظهور المطلق سبحانه وتعالى. وهذا يزيد العبد ماذا؟ استغناءً، استكفاءً بالله. فتزداد عبوديته، ويزداد فقره إلى الله العظيم العلي الظاهر الذي ليس فوقه شيء. والباطن الذي ليس دونه شيء، وله معنى الباطن حسًا ومعنى. ومن معناه الحسي أنه ليس دونه شيء، فيكون عنده بعض ما عند الله فضلًا أن يساميه أو يساويه. فالله سبحانه وتعالى له معنى الباطن بكل معانيه وكماله. ومن المعنى كذلك المعنى المعنوي، فهو سبحانه وتعالى يعلم خفايا الأشياء سبحانه وتعالى علمًا دقيقًا لا يعلم مثله أحد، ولا كذلك قريبًا منه أحد؛ لأنه سبحانه وتعالى الباطن وحده، لا يساميه ولا يساوي أحد من خلقه. وهذا يزيد في استغناء العبد واكتفائه بربه وخالقه ومعبوده، وكذلك الاستكفاء به عما سواه. قال رحمه الله تعالى: «فعبوديته باسمه الأول تقتضي التجرد من مطالعة الأسباب والوقوف عندها والالتفات إليها، وتجريد النظر لمجرد سبق فضله ورحمته، وأنه المبتدئ بالإحسان من غير وسيلة من العبد، إذ لا وسيلة له في العدم قبل وجوده، وأي وسيلة كانت هناك إنما هو عدم محض. وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا. وحين كان عدم فهو ماذا؟ أعظم افتقارًا؛ إذ هو لا شيء. إذ هو ماذا؟ إذ هو لا شيء. وبعد أن صار جنينًا قبل أن يكون إنسانًا هو كذلك فقير. وبعد أن صار إنسانًا ازداد ماذا؟ ازداد فقرًا». قال رحمه الله تعالى: «قال: فمنه الإعداد ومنه الإمداد». أي: الله سبحانه وتعالى وحده، وفضله سابق على الوسائل، والوسائل من مجرد فضله. وجودها لم تكن بوسائل أخرى. فمن نزل اسمه الأول على هذا المعنى أوجب له ذلك فقرًا خاصًا وعبودية خاصة. وهذه العبودية الخاصة هي كمال افتقاره واستغنائه بالله عز وجل عما سواه. قال: «وعبودية باسمه الآخر تقتضي أيضًا عدم ركونه وثوقه بالأسباب والوقوف معها؛ فإنها تعدم لا محالة وتنقضي بالآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها وهو الله سبحانه وتعالى العظيم. فالتعلق بها تعلق بما يعدم وينقضي، والتعلق بالآخر سبحانه تعلق بالحي الذي لا يموت ولا يزول. فالتعلق به حقيق أن لا يزول ولا ينقطع، بخلاف التعلق بغيره مما له آخر يفنى به. فكما نظر المعارف إليه بسرق الأولية حيث كان قبل الأسباب كلها، فكذلك نظر إليه ببقاء الآخرية حيث يبقى بعد الأسباب كلها. فكان الله ولم يكن شيء غيره، وكل شيء هالك إلا وجهه». وهكذا يتقلب العبد بهذه المعرفة بين كمال الفقر والعبودية، وكمال الاستغناء بالله عز وجل الذي له جميع معاني الربوبية والولوهية، وكمال الأسماء والصفات، والذي منها اسمه الأول واسمه الآخر. نقف إلى هنا، ونترك الباقي بدرس لاحق إن شاء الله. شكرًا للمشاهدة.