تفسير سورة الصف من تفسير الجلالين 2

تفسير سورة الصف من تفسير الجلالين 2

الدرس في تفسير سورة الصف من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير الآيات من سورة الصف وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم

يتناول تفسير الآيات من سورة الصف، حيث يذكر الله أخبار الأنبياء السابقين وأذيتهم من أقوامهم لتسلية النبي وتأييد صبره. الآيات تشير إلى موسى وعيسى عليهما السلام وكيف آذاهما أقوامهما.

أسلوب القرآن في التعامل مع المعاصي والقبائح

يتناول أسلوب القرآن في التعامل مع القبائح والمعاصي، حيث يذكرها مجملة ويتفصّل في المحاسن والطاعات. يُظهر كيف أن القرآن يُكنّى عن الألفاظ الصريحة للقبائح ويُبيّن ذلك من خلال أمثلة من القرآن والسنة.

تكذيب اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم وتحريفهم للرسالة

يشرح كيف أن اليهود كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم رغم البينات، وكان ذلك نتيجة لأخلاقهم الدنيئة. كما يشير إلى أن رسالة النبي ناسخة لما جاء به الأنبياء السابقون.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إن تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾، «وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعد اسمه أحمد فلما جاء بالبينات قالوا هذا سحر مبين». قال المفسر رحمه الله: واذكر إذ قال موسى لقومه: يا قوم لم تؤذونني؟ قالوا: إنه آدم، أي منتفخ الفخذ، وليس كذلك. وكذبوه، وقد تعلمون أني رسول الله إليكم. الجملة حال، والرسول يحترم. فلما زاغوا، عدل عن الحق بإذائه، أزاغ الله قلوبهم، وما لها عن الهدى على وفق ما قدره في الأزل. والله لا يهدي القوم الفاسقين، الكافرين في علمه. واذكر إذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل، لم يقل: يا قوم، لأنه لم يكن له فيهم قرابة. إني رسول الله إليكم، مصدقا لما بين يدي قبلي من التوراة، ومبشرا برسول يأتي من بعد اسمه أحمد. قال تعالى: فلما جاء أحمد بالبينات، الآيات والعلمات، قالوا: هذا سحر مبين. وفي قراءة: ساحر مبين، أي جاء به مبينا. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات الكريمات من هذه السورة، سورة الصف، وذكر الله عز وجل في هذه السورة في أولها ما جاء من أمره سبحانه وتعالى لأهل الإيمان بالعمل بإيمانهم وامتثالهم أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم، والأمر بطاعته عموما، وفي باب الجهاد وما أمر الله عز وجل به خصوصا. ثم ذكر الله عز وجل هذا الخبر عن موسى عليه الصلاة والسلام تذكيرا لأمته، للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته. وقوله رحمه الله: واذكر، فهم هذا من سياق الآيات، ومن قوله: إذ قال موسى لقومه، فإذ ظرف لما مضى من الزمان، فهو تذكير بشيء حدث قد مضى لأخذ العظة والاعتبار في ذلك. ومناسبة ذلك تسلية النبي صلى الله عليه وسلم فيما أوذي فيه، وأنه قد أوذي الأنبياء والرسل من قبله عليه الصلاة والسلام، وسنة الله عز وجل امتحان الأنبياء والرسل، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل»، فيكون بهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وتأييدا لما هو عليه من الحق والصبر. وهكذا كذلك إخبار لأتباعه عليه الصلاة والسلام فيما كان من أذية بعض أهل الكتاب لأنبيائهم ورسلهم، ألا يقع منهم ما كان مثله من أذية الأنبياء والرسل. وهكذا كذلك بهذا تحذير لهذا الخلق، وهو اللؤم الذي كان عند اليهود. فكان عند اليهود أخلاق كثيرة ذميمة، ومن هذه الأخلاق لؤمهم لأنبيائهم ورسلهم، لم يكتفوا بأذيتهم بالقول والفعل، بل وصل بهم الأمر إلى القتل، كما أخبر الله عز وجل عنهم أنهم كلما جاء نبي أو رسول ما لا تهوى أنفسهم، كان منهم الاستكبار والقتل والأذية. وهنا لم يذكر الله عز وجل نوع الأذية، وهذا من أدب القرآن، ومن تعليمه أنه لا يذكر ما يستقبح. ولهذا ينبغي على أهل الإيمان أن يستهتدوا من هذا الأسلوب الرفيع الذي جاء به هذا القرآن العظيم. ففي هذا القرآن من مواضع التعليم الشيء الكثير في لفظه ومعناه، وفي بلاغته وفصاحته، وفي أساليبه وجمله وترتيب كلامه، وفي اختيار الكلمات، وغير ذلك من مواضع جمالي وكمالي هذا الكتاب العظيم. ومن ذلك أن القبائح والمعاصي لا تذكر في القرآن إلا مجملة، وأما المحاسن والمحامد والطاعات فتذكر مفصلة. ومن ذلك أن ما يستقبح لا يذكر بصريح لفظه، بل يذكر بكناياته ومجمل تعابيره. فلما ذكر الله عز وجل ما يقع بين الزوجين لم يذكره صريحا، قال سبحانه: ﴿اللائي يأتين الفاحشة﴾. وهكذا كذلك في هذا الموضع، قال: «لقومه يا قوم لم تؤذونني». وهذه الأذية كانت باتهامهم أذية قولية، من عدم طاعتهم وتكذيبهم، وكذلك اتهامهم لموسى عليه الصلاة والسلام أن به عارا في عضوه وأعضائه الخاصة. فكذبهم الله عز وجل، وذلك كما جاء بصريح البخاري وغيره أنهم كانوا يشيعون لؤما وكذبا وزورا أن موسى عليه الصلاة والسلام به عار. ولعلمهم أن موسى عليه الصلاة والسلام نبي كريم، فيه من الأدب والحياء والخلق ما يمنعه أن يظهر ذلك، ليبين كذبهم، أنه لا يمكن أن يكشف عورته ليبين لهم أنهم كاذبون فيما ادعوا عليه. فأراد الله عز وجل أن يبرئه، كما جاء في الصحيح، حين اغتسل موسى عليه الصلاة والسلام، فصرخت صخرة، يسرق ثوب موسى، فيجري خلفها موسى يطلب صخرته، فرآه بنو إسرائيل، أي وهو كخلقته، وليس به عار، فأراد الله عز وجل أن يبرئه مما رموه به وكذبوه، فتحقق ذلك. وقوله: وقد تعلمون أني رسول الله إليكم، وقد للتحقيق، يعني في قوله: وقد تعلمون، وقد تأتي بمعاني كثيرة، ومن معانيها التحقيق، ولكن في هذا الموضع فيه زيادة على ذلك، من الإخبار بما أراده الله عز وجل من أمر احترام الأنبياء والرسل عموما، والنبي موسى عليه الصلاة والسلام خصوصا. وفيه كذلك تعليم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ألا يسلكوا ما سلكه من سبقهم مما وقع مع أنبيائهم ورسلهم. وقوله: فلما زاغوا، قال: عدل عن الحق بإذائه، وهذا من التفسير بعبارة المعنى، فزيغهم كان على ضروب، فمنهم من كذب وكفر، ومنهم من أظهر الإيمان نفاقا، ومنهم من كان إيمانه ضعيفا، وكان به من اللؤم وسوء الخلق ما آذوا موسى عليه الصلاة والسلام بنشر الشائعات. أزاغ الله قلوبهم، قال: أمالها عن الهدى على وفق ما قدره في الأزل. وهذا الزيغ بسبب زيغهم، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، أي لما صدر منهم ما يوجب إعراض الله عز وجل ومجازاتهم بالمثل، وهذا عدل الله سبحانه وتعالى. وقوله: والله لا يهدي القوم الفاسقين، قال: الكافرين في علمه. الفسوق أنواع، منه ما هو كفر، وهنا صحيح أنه المراد به الكفر، لكن عبر بالفسق لأجل أن يبين أن هذا الفسق هو الذي أوصلهم إلى الكفر. فخطوات الشيطان لا تقف عند الفسوق، بل فسوق يوصل إلى الكفر، فحين يكون عند المرء من الأخلاق الدنيئة ما لا يعالجها ولا يصلحها، تدفعه هذه الأخلاق الدنيئة أن يصل بنفسه إلى الكفر. وهذا كثير حتى فيمن يدخل في دين الله عز وجل، إذا لم يدخل بصدق، وصار مصرا على بعض الأخلاق الدنيئة، فإنها تجره إلى الكفر مرة أخرى، والخروج من هذا الدين. ولما كان عند اليهود من الأخلاق الدنيئة الشيء الكثير، كان ذلك مما سبب كفرهم المضاعف. ولهذا كان كفر اليهود ليس ككفر غيرهم، فيما عندهم من الأخلاق الدنيئة الكثيرة، ومن ذلك اللؤم والحسد، وغير ذلك مما هو من أخلاق اليهود. وقوله سبحانه: «وإذ قال عيسى ابن مريم»، كذلك يقال هناك ما قيل في الآية قبلها. وقوله: يا بني إسرائيل، قال: لم يقل يا قوم، لأنه لم يكن لهم فيهم قرابة، وهذا غير صحيح، بل عيسى عليه الصلاة والسلام منهم. ولكن أراد أن يذكرهم كما أشار التعليق إلى جدهم الذي يفتخرون به، وهو إسرائيل، أي يعقوب، ليكون ذلك أدعى لقبولهم الحق، يعني كونوا كما كان إسرائيل عليه الصلاة والسلام، فقد كان نبيا لله، طائعا عابدا، آمرا بالخير، ناهيا عن ضده. ولهذا قال: «إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعد اسمه أحمد». الأمر برسالة النبي صلى الله عليه وسلم في بني إسرائيل على فريقين، فمنهم من كذبه كاليهود، فيكون تذكيرهم بيعقوب عليه الصلاة والسلام تذكيرا لهم بالعمل بالعلم والاقتداء به عليه الصلاة والسلام. ومن كان مصدقا ومؤمنا به، يبشرهم بما يجب عليهم من الإيمان بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيكون فيه أمر للطائفتين بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم المبشر به، وأمر خاص لأحد الطائفتين بالإيمان به، وأنه رسول بأمر من الله سبحانه وتعالى، لا كما يزعم اليهود. وقوله سبحانه: مصدقا لما بين يدي من التوراة، أي أن شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام مكملة للتوراة وشريعة موسى عليه الصلاة والسلام، فلم يذكر الإنجيل لأن الإنجيل مكمل للتوراة. ومبشرا برسول يأتي من بعد اسمه أحمد، ولم يذكر أن هذا الرسول عليه الصلاة والسلام مكملا بما جاء في التوراة والإنجيل، مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسوله، والواو تفيد المغايرة. ولهذا كانت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ناسخة لما جاء به موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، لأن الله عز وجل علم، وما أخبر أنبياءه ورسله برسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلا وعلم أن دين الأنبياء سيغير ويبدل، مما يضطر الناس أن يكون هناك نبي ورسول يجدد لهم أمر دينهم وينسق ما غير وبدل من دين الأنبياء والرسل من قبله. وقوله: قال تعالى: فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين. قال: جاء أحمد بالبينات، قال: أي الآيات والعلامات. وقالوا: هذا سحر، قال: وهو إفك ساحر. وهذه الإفك كما أشار كذلك الإفك السبعي لحمزة والكسائي. والمعنى أن هذه الدعوة قد سبقت على الأنبياء والرسل، وكذلك لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فيما اتهموا به، عليه الصلاة والسلام، أن الله قد أخبر الرسل من قبله بهذا. ومبين، أي بين، وهذا من عظيم افترائهم وكذبهم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى الأنبياء والرسل من قبله. نقف إلى هنا، ونترك الباقي لدرس لاحق.